المجلة الجزائرية للدراسات
تشهد ليبيا بعد مضي خمسة سنوات على إسقاط القذافي حالة من عدم الاستقرار السياسي نتيجة إخفاق الحكومات المتتالية في تحقيق الاستقرار، ونتيجة الصراعات السياسية المستمرة بين الميليشيات المسلحة، وبين ميليشيات الكرامة بقيادة حفتر .
فبعد عام من اتفاق الصخيرات لاتزال ليبيا تتقاسمها حتى اليوم ثلاث حكومات، تدعي كل واحدة منها الشرعية، بعد حكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس، والتي بعد أن انسحبت من الحياة السياسية إثر وصول حكومة الوفاق إلى العاصمة، إلا أنها سرعان ما تراجعت وطالب رئيسها خليفة الغويل وزراءه بالعودة إلى مقراتهم، وعدم الاعتراف بحكومة السراج.
، انقسمت مؤسسات الدولة، خاصة مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط بين معسكرين اثنين، مجلس النواب في طبرق والمجلس الرئاسي في طربلس، فمصرف ليبيا المركزي، انقسم إلى مصرفين، واحد في العاصمة طرابلس والآخر في مدينة بنغازي، ولكل منهما محافظ وعملته الخاصة. ففي بنغازي تم صك العملة وطباعتها في روسيا، وفي طرابلس تتم العملية في بريطانيا.
ويمكن الإشارة فيما يلي إلى بداية التدخل الأجنبي في ليبيا والمستمر حتى الآن، ثم الأوضاع السياسية والأمنية الراهنة، وكذلك الوضعية الراهنة للاقتصاد الليبي، وأخيراً أهم المشروعات الأجنبية المستثمرة في ليبيا، والفرص الاستثمارية والتحديات الاقتصادية.
أولاً: التدخل الأجنبي في ليبيا
بدأ التدخل الأجنبي في ليبيا بقيام القوات الغربية ة بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى مثل قطر والإمارات والسعودية بإسقاط نظام القذافي في ليبيا، غير أن هذا التدخل الأجنبي لم ينته بسقوط القذافي، ويعتقد البعض بأن ذلك يعكس بأن الهدف الغربي هو السيطرة على ثروات ليبيا، وقد كشف تقرير لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني عن اهتمام الدول الغربية بمصالحها على حساب الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، وهذا ما جعلها تتنافس في دعم طرف على حساب الآخر، حسب ما يتوافق مع مصالحها، وقد كشف التقرير عن مصالح فرنسا في الحصول على حصة أكبر من إنتاج النفط في ليبيا، وزيادة النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا، واهتمام الجيش الفرنسي باستغلال الفرصة لإعادة تأكيد مكانته في العالم، ويعتقد آخرون بأن ذلك ينطبق ذلك على الدول العربية أيضا (مصر والإمارات وقطر والسعودية) وكانت النتيجة أنه بعد مضي ما يقرب من خمسة سنوات، هناك وجود عسكري فرنسي، وإيطالي، وبريطاني، وأمريكي.
وقد أشار التقرير إلى وجود طيران فرنسي في ليبيا، لدعم قوات خليفة حفتر في قاعدة مطار بنغازي. وقد أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عن هذا الانتشار عقب مقتل ثلاثة جنود بعد سقوط مروحيتهم خلال عملية قرب بنغازي في يوليو عام 2016. وأشار إلى وجود قوات بريطانية واحتمال نشر قوات بريطانية في ليبيا لتدريب القوات الليبية، وأشار التقرير إلى أن القوات البريطانية قد تلعب دورا في تدريب الجيش الليبي وقوات الأمن.
ثانياً: الأوضاع السياسية والأمنية :
شهدت ليبيا مع بداية 2016 العديد من التحولات الهامة بعد توقيع اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر 2015، حيث تولت حكومة الوفاق السلطة ولكنها لم تنل ثقة مجلس النواب الذي رفض منحها الثقة مرتين.
ثم بدأت عملية البنيان المرصوص لتحرير سرت والتي انتهت بتطهيرها في ديسمبر2016، وخلال تلك الفترة تمكنت قوات حفتر من السيطرة على الأوضاع في المنطقة الشرقية (ما عدا بنغازي) ثم السيطرة على الموانئ النفطية، ولاتزال حكومة الوفاق تحاول استعادة السيطرة على الموانئ، وحاولت حكومة الوفاق في ديسمبر 2016 استعادة سيطرتها على منطقة الهلال النفطي، لكن محاولاتها باءت بالفشل، وقد بات واضحاً أن الصراع يتمركز حول تلك المنطقة، وكأن من يسيطر على منطقة الهلال يسيطر على ليبيا (!!).
وعلى الصعيد السياسي، تواجه ليبيا العديد من التحديات السياسية خاصة بعد فشل الاتفاق السياسي، فبعد مرور عام على الاتفاق السياسي، زادت حالة الانقسام والاستقطاب السياسي، وأسفرت كل محاولات التفاوض السياسي دون تحقيق نجاحات تذكر وأصبح الاتفاق عبارة عن وثيقة سياسية لم تحقق الكثير لإنهاء الانقسام بين الفرقاء الليبيين، وبات لزاما لتجاوز هذا الجمود السياسي، إما خيار الفشل وتعقد المشهد، أو تعديل الاتفاق ومعالجة مخاوف الأطراف الرافضة للاتفاق (برلمان طبرق – خليفة حفتر)، للمضي قدما في إنقاذ ليبيا من مخاطر الإرهاب والفوضى الأمنية المتصاعدة.
وعلى الصعيد الأمني، تشهد الساحة الليبية العديد من المشكلات الأمنية، وعلى رأسها الصراع بين هذه الميليشيات المسلحة وبعضها. وقد تنامى نشاط هذه الكتائب المسلحة بسبب إجراءات تطبيق بنود الاتفاق السياسي (اتفاق الصخيرات 2015)، وتحديدا مسألة الترتيبات الأمنية قد تسببت في خرق كبير، حيث أخفق المجلس الرئاسي في تنفيذها، فبعد دخول المجلس طرابلس، لم يتمكن من إلغاء التشكيلات المسلحة وقد حاول أعادة تدويرها، وهي ذاتها المتورطة بانتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة، ما أدى إلى تفاقم حالة انعدام الأمن وتصارع التشكيلات المسلحة فيما بينها في طرابلس.
وكان المتفق عليه ضرورة إحلالها بقوات نظامية فور دخول المجلس العاصمة، ولكن ذلك ليس بالأمر اليسير وبالتالي كان ذلك فشل في تحقيق أهم المهام والركائز الرئيسة، المتعلقة بالشأن الأمني وتوفير المناخ للعمل دون ضغوط أو إملاءات.
والآن، تشهد ليبيا بعد عام من الاتفاق السياسي صراعاً عسكرياً مستعراً حول النفط والسيطرة على المواقع والمدن الاستراتيجية، وذلك لاستباق المفاوضات المنتظرة أن تستأنف بين القوى السياسية لتعديل الاتفاق السياسي، وتدرك القوى أن قدرتها التفاوضية سوف تتأثر بموقع وقوتها الميدانية، ولذلك تحافظ قوات خليفة حفتر على سيطرتها على منطقة الهلال النفطي، بينما تحاول المجموعات المسلحة المدعومة من حكومة الوفاق استعادة سيطرتها على المنطقة. وبرغم أن تطهير سرت من تنظيم داعش في ليبيا، يعني تراجع طموحاتها في شمال أفريقيا، لكن ما تزال البلاد غير مستقرة، وسط صراعات متواصلة بين الكتائب المتناحرة.
ثالثاً: الوضع الاقتصادي:
أضر الصراع السياسي بشدة بالاقتصاد، الذي ظل في حالة ركود للعام الثالث على التوالي في 2016. وما زال الصراع السياسي وضعف الظروف الأمنية، يُضعِف جانب العرض من الاقتصاد الذي انكمش بنسبة 10 في المائة في 2015. وانخفض إنتاج النفط الخام لأدنى مستوى له إلى نحو 0.4 مليون برميل يوميا أو ربع الطاقة الإنتاجية للبلاد. واستمر ضعف القطاعات غير النفطية بسبب اختلالات في سلاسل توريد المستلزمات المحلية والأجنبية، ونقص التمويل. وتسارعت وتيرة التضخم ليصل معدله إلى 9.2 في المائة في 2015، فيما يرجع أساسا إلى زيادة نسبتها 13.7 في المائة في أسعار الغذاء. وأدَّى نقص التمويل اللازم للواردات (لاسيما الأغذية المدعومة) إلى نقص السلع واتساع نطاق السوق السوداء. وقفزت أسعار الطحين إلى أربعة أضعاف.
وأضر استمرار الجمود السياسي مع انخفاض أسعار النفط العالمية بالمالية العامة بشدة. وانخفضت إيرادات الميزانية العامة للدولة من القطاع النفطي إلى خمس مستواها قبل الثورة، ولكن ظل مستوى الإنفاق مرتفعا. وبلغت حصة فاتورة أجور موظفي القطاع العام من إجمالي الناتج المحلي مستوى قياسيا 59.7 في المائة، فيما يرجع أساسا إلى تعيينات جديدة لموظفين عموميين. وفي الوقت نفسه، كانت الاستثمارات غير كافية لتوفير خدمات عامة كافية في مجالات الصحة والتعليم والكهرباء وإمدادات مياه الشرب والصرف الصحي. بيد أنه تحققت وفورات في الإنفاق على إعانات الدعم التي انخفضت 23.6 في المائة بفضل تشديد الرقابة على سلاسل توريد المنتجات المدعومة وانخفاض أسعار الواردات.
وبوجه عام، ارتفع عجز الميزانية من 43 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2014، إلى 75 في المائة من الإجمالي في 2015. وتم تمويل العجز في معظمه من ودائع الحكومة في البنك المركزي الليبي.
وتدهور وضع ميزان المدفوعات في 2015. فقد انخفضت صادرات النفط إلى 0.3 مليون برميل يوميا. وتشير التقديرات إلى أن عائدات تصدير النفط وصلت إلى أقل من 15 في المائة من مستواها في 2012.
وفي الوقت نفسه، ظل مستوى الواردات التي يُحرِّكها الاستهلاك مرتفعا. وانتقل رصيد ميزان الحساب الجاري من التوازن في 2013 إلى عجز يُقدَّر بنسبة 75.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2015.
ولتمويل هذا العجز، يجري استنفاد صافي احتياطيات النقد الأجنبي بسرعة. وانخفضت هذه الاحتياطات بمقدار النصف من 107.6 مليار دولار في 2013 إلى ما يقدر بنحو 56.8 مليار دولار بنهاية 2015. وواصل سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي مقابل الدولار تراجعه، إذ سجَّل هبوطا آخر يزيد على تسعة في المائة في 2015.
وفي السوق (السوداء) الموازية، انخفضت قيمة الدينار نحو 160 في المائة بسبب القيود على معاملات النقد الأجنبي التي ينفذها البنك المركزي الليبي. ويتوقَف تحسُّن الآفاق الاقتصادية بصورة حاسمة على موافقة مجلس النواب على حكومة الوفاق الوطني التي تم تشكيلها تحت رعاية الأمم المتحدة.
وتنبئ آفاق المستقبل الاقتصادية والاجتماعية أن حكومة الوفاق الوطني ستبدأ حكم البلاد باستعادة الأمن وإطلاق برامج لإعادة بناء مرافق البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، من المتوقع أن يتحسَّن إنتاج النفط إلى نحو مليون برميل يوميا بنهاية عام 2016. وعلى هذا الأساس، من المنتظر أن يُسجِّل إجمالي الناتج المحلي زيادة نسبتها 22 في المائة. إلا أن عجز موازين المالية العامة والحساب الجاري ستستمر في 2016، إذ إن عائدات تصدير النفط لن تكفي لتغطية النفقات المقررة في الميزانية وتكاليف الواردات التي يُحرِّكها الاستهلاك.
وسيُبقِي هذا عجز الميزانية عند نحو 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وعجز الحساب الجاري عند 70 في المائة من الإجمالي. وعند بلوغ إنتاج النفط طاقته الكاملة، من المتوقع أن يتعافى النمو بنسبة 46 في المائة في عام 2017 و15 في المائة في 2018 قبل أن يستقر عند مستوى يتراوح بين خمسة و5.5 في المائة بعد ذلك. وستشهد موازين المالية العامة والحساب الجاري تحسُّنا كبيرا، ومن المتوقع أن تُسجِّل الميزانية العامة فوائض من عام 2018 فصاعدا، وسيتراجع عجز ميزان الحساب الجاري تدريجيا إلى أقل من 0.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في 2019. وستبلغ احتياطيات النقد الأجنبي في المتوسط نحو 22 مليار دولار في فترة 2017-2019 أي ما يعادل تكاليف واردات 8.2 شهر.
التحديات الاقتصادية التي تواجه ليبيا:
تعاني ليبيا من عجز في الموازنة يصل إلى حوالي 70 بالمائة من الناتج الإجمالي المحلي. يعد أكبر عجز في الميزانية في العالم مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي. وتقلصت الاحتياطيات المالية الليبية من 108 مليار دولار عام 2013 إلى 45 مليار دولار. وستواجه البلاد انهيارا اقتصاديا ما لم يطرأ تغيير ما. ومن المتوقع أن يعود النمو إلى التعافي في السنوات القليلة القادمة مع وصول انتاج النفط إلى كامل طاقته ليصل إلى 46 في المئة في 2017 و15 في المائة في 2018.
رابعاً: فرص الاستثمار الأجنبي وأهم مشروعات الاستثمار الأجنبي في ليبيا:
من أهم مجالات الاستثمار في ليبيا القطاع الصناعي، وهو أحد القطاعات الرئيسية لتحقيق التنمية، ويتميز بوجود قطاعين: الصناعات الكبيرة الحجم، مثل البتروكيماويات والغاز، والثاني هو قطاع الصناعات المتوسطة والصغيرة. ومن أهم فرص الاستثمار صناعة الألومنيوم، صناعة البلاستيك، صناعة المواد الغذائية والصناعات الهندسية، صناعة التأمين في ليبيا، القطاع السياحي وإقامة الفنادق السياحية والمنتجعات
المشاريع الأجنبية الحالية في ليبيا
-
من أهم الدول المستثمرة في ليبيا، البحرين وتعتبر أكبر الدول من حيث حجم استثماراتها في حوالي 20 مليار دولار دولار(4 مشروعات+ 4 شركات)، أما هولندا فقد بلغت استثماراتها حوالي مليار دولار و481 مليون دولار (5 مشروعات+ 4 شركات)، أما الإمارات العربية المتحدة فقد بلغ حجم استثماراتها 874 مليون دولار (14 مشروع+ 13 شركة)، (جدول 2: أهم الدول المستثمرة في ليبيا).
-
من أهم الشركات المستثمرة في ليبيا: خلال الفترة (2011-2015)، مثل شركة الخليج للتنمية (Al khaleej Development (Tameer))، وهي شركة بحرينية برأس مال (20 مليار دورلار)، البترول البريطانية British petroleum، وبرأس مال 900 مليون دولار، وشركة الودسيد الاسترالية Woodside Energy برأس مال 722 مليون دولار، والشركة الهولندية (Multi Development)، برأس مال قدره 697 مليون دولار. (جدول (33) أهم الشركات الأجنبية المستثمرة في ليبيا خلال الفترة (يناير 2011- ديسمبر 20166).
-
من بين أهم القطاعات الجاذبة للاستثمارات الأجنبية قطاع الطائرات (22.412.9 مليار دولار)، ثم قطاع النفط والغاز (6.561.1 مليار دولار)، البناء ومواد البناء (129.4 مليار دولار)، الفنادق والسياحة (974.8 مليون دولار)، (جدول رقم (4): توزيع الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب التوزيع القطاعي (يناير 20111- ديسمبر 20155).
والجداول التالية من (1) إلى (5) تبين توزيع المشروعات الأجنبية في ليبيا، وأهم الدول المستثمرة، وأهم الشركات الأجنبية المستثمرة، وتوزيع الاستثمارات الأجنبية حسب القطاعات، وكذلك توزيعها حسب المصادر والاقاليم الجغرافية المصدرة لها.
أ– أهم المشروعات الأجنبية في ليبيا:
ب– أهم الدول المستثمرة في ليبيا
ج– أهم الشركات المستثمرة في ليبيا:
د – توزيع تكلفة الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب التوزيع القطاعي:
هـ – توزيع الاستثمارات الواردة إلى ليبيا حسب الأقاليم الجغرافية:
_________________________