بقلم د. عزة المقهور
نكرر حين نقول أن ليبيا تمر بأزمة سياسية خانقة، تعصف بها حتى تكاد أن تشرف على لفظ أنفاسها كدولة. كما وأن ملامح أو خصائص الدولة الفاشلةقد دبت في جسد بلادنا، ولعل أهمها فقدان الأمن وضعف الجهاز القضائي أو عدم فعاليته، والأزمة الإقتصادية التي تطحنه.
وكلها عوامل ستؤدي إلى إحدى ثلاثة: الحرب الأهلية لفترة قد تطول وخاصة على منابع النفط ومصادره وهو مصدر الثروة الوحيد في البلاد، أو الانهيار والفراغ الكامل الذي يستدعي حتما التفتت واستحواذ دول الجوار على المنطقة المتاخمة لحدودها، أو الوصاية الدولية المباشرة حيث النفط مقابل الغذاء والإحتلال المباشر. وفي كل الأحوال فإن تواجد التدخل الدولي سيكون بارزا في الحالات الثلاث، وهو تدخل بدأ منذ تدويل الأزمة السياسية الليبية أمام مجلس الأمن في عام 2011 وإستمر بالتصاعد من خلال الإقتتال الداخلي تنفيذا لأيادي خارجية والذي يعرف بالحرب بالوكالة.
وفي ظل هذا الواقع، تطالب الأمم المتحدة ومن يطلق عليهم بالمجتمع الدولي تطبيق اتفاقا سياسيا أبرم منذ عام، في ديسمبر 2015، يعرف بالاتفاق السياسي الليبي وتدفع بقوة لتنفيذه وفرض بنوده بالحالة التي هو عليه والتي ثبت أنها غير قابلة للتطبيق. فالواقع يبين بأن الأحداث تجاوزت هذا الاتفاق حتى تآكلت بنوده. وكيف يمكن تطبيق اتفاقا لم يدخل حيز النفاذ، ولا يوجد في الأفق ما يشير إلى تطبيقه، خاصة بعد العملية العسكرية الأخيرة في الهلال النفطي التي تشير بعض المؤشرات لتبعيتها للمفوض المكلف بوزارة الدفاع بالحكومة المقترحة المعروفة بحكومة الوفاق الوطني والتي لم تتحصل بعد على الثقة من مجلس النواب وفقا للاتفاق السياسي. ومسألة دخول الاتفاق السياسي حيز النفاذ مسألة جوهرية تعتبر بمثابة صك ولادة للاتفاق، لا يمكن أن يكون بدونه.
نتائج الاتفاق السياسي على سلطات الحكم في البلاد:
وما حدث عقب توقيع إتفاق الصخيرات والدفع بتطبيقه دون مقومات تحمله على ذلك، ما يلي:
1- المزيد من الإنشقاق والإنقسام في المؤسسات السيادية والإدارة الوسطى (الشركة العامة للكهرباء/ المؤسسة الليبية للإستثمار مثالا)، فتشكيل مجالس إدارات تسييرية جديدة لم يحسم أمر الإدارات القائمة بل زاد الوضع تفاقما، خاصة بعد رفع الإدارات القائمة دعاوى أمام القضاء الإداري، وصدرت في بعضها أحكاما بوقف نفاذ قرارات المجلس الرئاسي (الحكم الصادر عن دائرة القضاء الإداري/ محكمة استئناف طرابلس في الطعن المرفوع من إدارة الشركة العامة للكهرباء ضد المجلس الرئاسي بتعيين لجنة تسييرية للشركة).
2- المخالفة الصريحة للبنود المتعلقة بمجلس الدولة في الاتفاق السياسي، الأمر الذي تشكلت بناء عليه مؤسسة حاكمة جديدة بالبلاد تحت مسمى مجلس الدولة بالمخالفة للإتفاق السياسي، ودون أن يتم الإعتراض على ذلك من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا أو “المجتمع الدولي” ، أو معالجة الأمر. الأمر الذي ترتب عليه إستمرار ما يعرف بالمؤتمر الوطني العام تحججا بأن تشكيل مجلس الدولة مخالف للإتفاق واستمرار حكومته المعروفة بحكومة الإنقاذ في طرابس بما يتبعها من مجموعات مسلحة، الأمر الذي يعني إضافة مؤسسة أخرى للمؤسسة التي تتمسك بوجودها بالمخالفة للهدف من الإتفاق السياسي وهو شرعنة المؤتمر الوطني العام وذوبانه في مؤسسة جديدة هي مجلس الدولة. وبسبب ما وقع فيه بعض أعضاء المؤتمر الوطني من مخالفات للاتفاق السياسي وتشكيله على عجالة بالمخالفة للاتفاق، فإن الهدف لم يتحقق وزاد الإنشقاق داخل المؤتمر الوطني نفسه ووصل لحد الإقتتال في طرابلس في الشهر الماضي.
3- عجز مجلس النواب عن القيام بدوره التشريعي المناط به في هذه الفترة الحرجة وخاصة ما تعلق بالاتفاق السياسي. ورغم أن مجلس النواب وبسبب الظروف التي عاشها وإنتقاله إلى مقره المؤقت، وعدم استطاعته ممارسة سلطاته على ربوع البلاد بسبب الحرب، فإن عمله اتسم بالضعف وعدم الإلتزام. إلا أن الضربة القوية لمجلس النواب كانت من الإتفاق السياسي والدفع بتطبيقه بالقوة بالحالة التي هي عليه رغم إعتراض كثير من أعضائه، ورفض بعض بنوده بالمطلق (المادة 8 من الأحكام الإضافية مثال) الأمر الذي سبب انشقاقا داخل مجلس النواب، وعجزا عن حسم أمر هذا الاتفاق. وهكذا بدلا من أن يكون الإتفاق السياسي مدعاة لتفعيل مجلس النواب تحول إلى أداة للإختلاف داخله لحد شله.
4- المجلس الرئاسي: وقد أثبت هذا المجلس بتروسه التسع أنه لا يمكنه إتخاذ قراراته الأساسية المنصوص عليها في المادة 8/2 من الإتفاق السياسي ومن بينها، القيام بمهام القائد الأعلى للجيش الليبي، وتعيين كبار الموظفين وإعفائهم من مهامهم، وإعلان حالة الطوارئ وغيرها بسبب ضرورة توافر شرط الإجماع لرئيس المجلس ونوابه الخمس المنصوص عليه في المادة 1/3 من الاتفاق السياسي والتي تقضي بما يلي “… ويتطلب قيام مجلس رئاسة الوزراء بإتخاذ أي قرار، وفقا لإختصاصاته المبينة بالمادة 2/8 من هذا الاتفاق، إجماع رئيس مجلس رئاسة الوزراء ونوابه“. وأمر الإجماع ثبت إستحالته في ظل مقاطعة بعض الأعضاء بل والإختلاف البيّن بين أعضاء هذا المجلس والصعوبة العملية لإجتماعهم.
5- حكومة الوفاق الوطني: ينص الاتفاق السياسي في أكثر من موضع أن هذه الحكومة لا تشكل في شقها المتعلق بالوزراء إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، الأمر الذي يجعل من تعيين “المفوضين بمهام الوزراء” بناء على قرار من المجلس الرئاسي نوعا من التطفل على الإدارة، ويجعل من قرارتهم وتصرفاتهم في حكم العدم وموصومة بإغتصاب السلطة.
6- موضوع الجيش والشرطة، والذي يظل المعضلة الحقيقية التي لم يتمكن الاتفاق السياسي رغم أن الجزء الأكبر فيه يتعلق بالترتيبات الأمنية وبعد مضي قرابة السنة من وضع بنوده موضع التنفيذ بما في ذلك عجزه عن الوقف الفوري لإطلاق النار وهو أبسط التدابير. وقد يكون الطريق لحل معضلة الجيش والشرطة خارج الاتفاق السياسي ذاته لعجز الاتفاق واجهزته في التقدم بهذا الملف وايجاد مخرج له.
لنعود بعد كل ذلك إلى الحلقة المفرغة والمثلث المستحيل ألا وهو أن هذا الاتفاق في تركيبته العضوية لا يكون إلا بأربعة أرجل: مجلس النواب/ مجلس الدولة/ المجلس الرئاسي/ وحكومة الوفاق. وأن روح هذا الإتفاق هو في عمل هذه الأجهزة معا تعاونا وتنسيقا وتناغما، وإلا فمآله الكساح ثم الموت السريري، وأنه لا يمكن تصور عمل أجهزة الاتفاق السياسي بشكل مستقل لإعتمادها على بعضها البعض وتشابك اختصاصاتها وفقا للاتفاق السياسي.
لذا، فإن في ما لحق الاتفاق السياسي من عيوب في بنيته وما أثار من خلاف حول نصوصه، وفي عدم قيام مجلس النواب بتعديل الإعلان الدستوري بتضمينه الاتفاق السياسي وفي عدم منح الحكومة المقترحة الثقة، وفي ظل التشكيل المخالف للاتفاق لمجلس الدولة، وفي ظل عدم انسجام المجلس الرئاسي وفعاليته بالإضافة إلى من عينهم من “مفوضين” دون سند من القانون، فإن هذا الاتفاق لا يرجى منه إلا المتاعب والمزيد من الإنشقاق.
وما يلعبه “المجتمع الدولي” من دور مزدوج في ظاهره الداعم للاتفاق السياسي من جهة، وفي باطنه إهمال بعض سلطاته وأجهزته والدعم اللامحدود للمجلس الرئاسي من جهة أخرى وكأن عماد الاتفاق ووجوده لا يرتبط إلا بمؤسسة المجلس الرئاسي دون غيره، يكون دوره نافخا للنار لا مطفئا لها.
لكن الأسوأ هو التنافس الذي خلقه هذا الإتفاق السياسي فيما بين أجهزته التي أنشأها أو أكد عليها، وهو تنافس يقود جزء كبير منه ويدعمه فيه المجتمع الدولي ككتلة أو كدول فرادى بما في ذلك التدخل المباشر لدعم الأطراف الفاعلة على الأرض، مما زاد الأمر سوءا.
والحال على ماهو عليه، ولأن الإنسداد الذي يواجهه الوضع السياسي القائم كنتيجة للاتفاق السياسي ليس ناضجا ولا قابلا للتطبيق، ويحتاج إما إلى جولات أخرى من الحوار لمراجعته وتعديله وإدخال الأطراف الفاعلة على الأرض فيه، وإما لعقد وإبرام تسويات (اتفاقات) موازية لدعمه وجعله قابلا للتطبيق، والحالتان تتطلبان زمنا ليس في صالح البلاد ولا العباد.
دور المؤسسات السيادية والإدارة الوسطى في المرحلة الحالية:
إن عدم قدرة الجهاز التنفيذي الذي يقوده المجلس الرئاسي من العمل للأسباب التي بيناها عاليا لا يبرر العمل بدون أساس دستوري أو دون استناد للقوانين السارية، لأن هذا سيفتح الباب واسعا أمام القضاء (وطني أو أجنبي) الأمر الذي قد يطيح بالمجلس الرئاسي برمته.
في ظل هذه الأزمة السياسية الخانقة، وحالة الحرب التي تعيشها البلاد، وبسبب حالة اللامشروعية داخل الجهاز التنفيذي وخاصة ما أصطلح على تسميتها بحكومة الوفاق الوطني، فإنه من المستعصي أن تقوم مؤسسات الدولة بقديمها وجديدها بدورها المناط بها وفقا للاتفاق لسبب واضح وهو عدم قابليته للتطبيق لعيوب في بنائه القانوني أولا، وتنافس أجهزته وعدم تعاونها، والأهم بسبب تجاوز الواقع وأحداثه للاتفاق ذاته.
ولا شك في أن خلافا آخر ظهر على السطح مابين سلطات الاتفاق السياسي وخاصة المجلس الرئاسي من جهة والمؤسسات السيادية كالمؤسسة الوطنية للنفط، ومصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الليبية للاستثمار والإداراة الوسطى من جهة أخرى، ، وأول خلاف ظهر على سبيل المثال كان مع المؤسسة الوطنية للنفط، في طريقة التعامل مع ملف النفط في منطقة الهلال النفطي والتعامل مع مليشيات خارج نطاق القانون متهمة بسرقة أموال الليبيين والتسبب في خسائر فادحة، من قبل المجلس الرئاسي بدعم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وموقف المؤسسة الوطنية للنفط الرافض للتعامل معها.
ولم تعلن المؤسسة الوطنية للنفط رفع حالة القوة القاهرة إلا بعد تمكينها المباشر من منشآتها وموانئها في هذه المنطقة من قبل الجيش الوطني الذي قضى على مليشيات حرس المنشآت النفطية وعين جهازا لحرس المنشآت النفطية يتبعه. وها هو الخلاف يدب مجددا بعد أن قامت قوات مسلحة يدعى تبعيتها لوزارة الدفاع التابعة للمجلس الرئاسي بمهاجمة المنطقة والدخول في صدام مسلح مع قوات الجيش الوطني ترتب عليها ضربها وفشلها. ورغم نفي المجلس الرئاسي لعلمه بهذا الهجوم في بيان صدر بتاريخ 7. 12. 2016 وإدانته لهذا العمل الذي اعتبره “تصعيدا عسكريا” وحث على إخراج النفط بإعتباره مصدرا وحيدا لرزق الليبيين من “دائرة الصراع السياسي“، كما وأن “المفوض” بوزارة الدفاع في بيانه وإن نفى قيامه بإصدار أية تعليمات بالخصوص، إلا أنه أكد على سابق تشكيله لقوة عسكرية تحت مسمى “غرفة تحرير الموانيء النفطية” وأنها تعطلت بطلب من رئيس المجلس، لكنه أكد على تبعية هذه القوات التي هاجمت الهلال النفطي له. وكل هذا ينبىء عن تجاوزات حقيقية في الإختصاصات من قبل “المفوض بإختصاص وزارة الدفاع” بالمخالفة للمادة 8/2 من الإتفاق السياسي في تجاوز المجلس الرئاسي بإعتباره القائد الأعلى للجيش، وفي أنه لا يتصور تورط “مفوض” بالوزارة في حكومة لم تمنح الثقة في إعلان حالة حرب أو عملية عسكرية لفرق مسلحة تتبعه في منطقة شديدة الحساسية، مما يلقي بظلال المسؤولية على المجلس الرئاسي.
أما الخلاف الآخر، فهو الخلاف القائم فيما بين المجلس الرئاسي (أو بعض أعضائه) ومصرف ليبيا المركزي، وهو خلاف ظهر للعيان وفاقم من أزمة السيولة التي تكاد تعصف بإقتصاد البلاد وتؤدي إلى إفلاس خزائنه. ودب الخلاف بعد إتهامات صدرت عن رئيس المجلس الرئاسي في لقاء متلفز بتاريخ 23. 10 . 2016، أعقب ذلك ردا كتابيا مفتوحا صدر عن محافظ مصرف ليبيا المركزي بعد ثلاثة أيام بالرد على هذه الإتهامات و توجيه إتهامات مضادة. وهو خلاف أدى إلى تدخل المجتمع الدولي بشكل ظهر وكأنه يمارس نوعا من الوصاية، لحل الخلاف بين مجلس رئاسي ومصرف مركزي، لكنه مايزال مستمرا خاصة وأنه لم تصدر قرارات جدية لحل أزمة السيولة النقدية بالمصارف، ومايزال المواطن تطحنه الأزمات والشائعات التي تفاقم من عدم الإستقرارالإقتصادي خاصة تلك المتعلقة بتحديد سعر صرف الدينار الليبي أو بتعويمه ورفع الدعم عن بعض السلع دون أن يصدر توضيحا بالخصوص ليترك المواطن في أيادي مافيا السوق السوداء.
أما الخلاف الثالث فهو فيما بين المجلس الرئاسي ومجلس إدارة المؤسسة الليبية للإستثمار، فقد أصدر الأول قرارا بتشكيل لجنة تسييرية جديدة للمؤسسة، وقامت الإدارة القائمة برفع طعن إداري تأسيسا على أن تعيين مجلس إدارة المؤسسة يكون من مجلس الأمناء حسب قانون إنشاء المؤسسة الليبية للإستثمار (القانون رقم 13 لسنة 2010) وأن من تم تعيينهم لا خبرة لهم في هذا المجال بالمخالفة لما ورد في هذا القانون.
وأخيرا وليس آخرا، الحكم الصادر ضد المجلس الرئاسي في الطعن المرفوع من الشركة العامة للكهرباء، وما تناوله الإعلام مؤخرا عن عدم استجابة مصلحة المطارات التابعة لوزارة المواصلات لطلب رئيس المجلس الرئاسي وقف مشروع إنشاء محطة ركاب بمطار طرابلس الدولي حسب البيان الصادر عنها في 7. 12. 2016، وتمسكها حسب قولها بالنأي بنفسها “عن جميع التجاذبات السياسية“.
وهذا المنحى الذي بدأت الأجهزة التنفيذية خاصة السيادية منها تبنيه بمحاولة خلق مركز مستقل عن الخلاف السياسي والأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد بما في ذلك السلطات المنبثقة عن الاتفاق السياسي، بحاجة إلى ترتيبات وتنظيم ووضع معايير لها حتى لا تتحول إلى أهواء شخصية واستغلال للظرف السياسي القائم. ولا تكفي المراقبة الشعبية من خلال مواقع التواصل الإجتماعي أو وسائل الإعلام ووسائطه، فإنه ورغم تفهم هذه المواقف التي تكرر الحديث حولها – بما في ذلك من رئيس المجلس الرئاسي– بالقول أن ثروة الليبيين يجب النأي بها عن التجاذبات والصراع السياسي وأزماته المستفحلة والمتراكمة، فإنه على هذه الجهات الإدارية التنفيذية والتي تنادي بولائها للشعب أولاَ، أن تضع وتعلن عن مواثيق شرف ومعايير للمهنية وأن تعتمد على الشفافية الكاملة بالإعلان عن أعمالها وانفاقها وحساباتها وتعاقداتها على الملأ وبشجاعة تتطلبها الوطنية الخالصة. كما أن عليها أن تغلق منافذ الفساد بالكامل وأن تحاربه وتتابعه وتتعاون مع الأجهزة القضائية بالخصوص، ومن ناحية أخرى فإن عليها أن تتبع وسائل التقشف وربط الحزام فلا إحترام لرئيس مصلحة يسافر على متن درجة أعمال أو يقيم في فنادق فاخرة في بلاد يعاني أهلها الفاقة وضيق اليد. إن التحجج بالأزمة السياسية من قبل الإدارات السيادية والوسطى تحملهم مسؤولية أشد وأعظم ذلك أن عليهم تسيير الأعمال والحفاظ على المصلحة في غيبة الإدارة الأولى الفاعلة أو إنقسامها.
إن ليبيا اليوم رغم ما تعيشه من حرب أهليه وفوضى سياسية وصراع، إلا أن ما يجعها ما تزال “دولة” قائمة لم تصل إلى حد الفشل الذي تنتظره دول عدة للإنقضاض عليها، هي مؤسساتها السيادية وإدارتها الوسطى، فالصراع الدائر هو في هيئات الصف الأول أو ما يعرف بمؤسسات الحكم، وحتى مسألة الإنقسام الإداري التي حدثت في عام 2014 أثبتت الإدارة هذه أنها قادرة على تجاوزها بوطنية ومسؤولية وتغليب الصالح العام والمؤسسة الوطنية للنفط خير مثال على ذلك والتي توحدت في منتصف هذا العام قبل حتى أن تباشر أنشطتها النفطية من منشآتها وموانئها، والتي يجب أن تكون مثالا يحتذى به بالنسبة للمؤسسات السيادية الأخرى خاصة مصرف ليبيا المركزي.
وفي الختام، فإن موضوع الشرعية ودخول الاتفاق السياسي حيز النفاذ وعدم منح الثقة للحكومة والعمل بمؤسسات واقع أو بالمخالفة للاتفاق ذاته، تجعل الصدأ يلحق ببنود الاتفاق بعد مضي السنة كما وأنها بلا شك تضعف من مركز أجهزته وهيئاته وخاصة جهازه التنفيذي وتفقده القوة القانونية والقدرة اللازمة للتنفيذ. لذا فإنه من المتوجب الإعتماد حاليا على المؤسسات السيادية لأنها المراكز التي تسيطر على ثروات البلاد، أو الإدارة الوسطى الخدمية التي تهم المواطن وتحافظ على قوته ويمكنها بإدارة وطنية رشيدة أن تمنع – على الأقل– الإنهيار الكامل للحالة الإقتصادية، لحين حل معضلات الاتفاق السياسي أو إيجاد البديل. وهي مسألة في حاجة إلى تكاثف الجهود الوطنية والخدمة الخالصة للوطن والعمل الدؤوب على المحافظة عليها ومعالجة أي انقسام قائم.
لكنه ورغم هذا الإنسداد السياسي محليا، فإن الخشية كل الخشية من مواجهة المجلس الرئاسي لدعاوى أمام القضاء الأجنبي وهي وسيلة باتت معروفة للتربح من الأزمة الليبية، ذلك أنه في حال عدم تسوية مختنق الشرعية الدستورية و تسوية وضع حكومته وحصوله على الثقة، فإن محاذير تعاقداتها وتعاملاتها مع أطراف أجنبية سيكون لها تبعات خطيرة، يتعين من الآن التحوط منها.
كل هذا الخلط، والتضارب وفرض سياسة الأمر الواقع نتيجة لمحاولة تطبيق الإتفاق السياسي بأي شكل وتحت أية ظروف، و بحجة أن المطلوب “سيارة إسعاف” لإنقاذ البلد وليس علاجا ووصفة دواء، يجعل الأمر أقرب إلى المسكنات بكل مضاعفاتها وليس إبقاء الحياة في هياكل الدولة القائمة رغم ضعفها، أو وضع لبنات دولة القانون والمؤسسات، أو في حدها الأدني المحافظة على ماهو موجود. والحقيقة الواضحة للعيان أن ليبيا بحاجة إلى استتباب الأمن أولا والذي بدونه لن تعالج المشاكل القائمة بما فيها الأزمة الإقتصادية المتفاقمة، و لن تتحسن حياة المواطن البائسة.
والله وليّ التوفيق
،