إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش
المحرر: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة “رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء الثامن الرؤى المتعلقة بالنظام الإداري للدولة الليبية وهو الباب الرابع من الوثيقة ، وفي هذا الجزء سنتناول الباب الخامس للوثيقة ويتعلق بالنظام الاقتصادي والتنمية الاقتصادية.
(9)
الباب الخامس
النظام الاقتصادي
أولاً – مبادئ وتوجهات أساسية
عندما نتوجه لإعادة بناء اقتصادنا الوطني، لن نكون بحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات والبحوث حول العوامل والأسباب التي أدت إلى مختلف مظاهر التعثر والفشل والتخبط في التنمية الاقتصادية عبر العقود الماضية، فقد عكف الخبراء والمحللون على ذلك ووضعوا فيه ما يغني ويكفي من الآراء والتوصيات التي تستند إلى معطيات الواقع الوطني وما يوفره من إمكانات وفرص للتنمية والتطوير.
وإننا إذ نجد الخبراء والدارسين يجمعون على أن من أهم وأخطر العيوب التي ظل اقتصادنا الوطني يعاني منها استمرار اعتماد هذا الاقتصاد على مصدر وحيد من مصادر الدخل هو النفط، وهو مصدر بطبيعته غير دائم أو متجدد، فإننا سوف نجد أن من أولى أولويات توجهنا لإعادة بناء هذا الاقتصاد البحث عن مصادر دخل جديدة غير نفطية، يستعاض بها عن النفط عندما ينضب، وتدعم وتكمل النقص في الإيرادات النفطية عندما تنحسر، أي أننا سوف نكون بحاجة في المدى الطويل للعمل على تنويع مصادر الدخل، بالبحث عن مصادر جديدة غير تقليدية، بجانب مورد النفط، يقول الخبراء إن منها على سبيل المثال:
_ الصناعات التصديرية.
_ السياحة.
_ تجارة العبور.
_ المناطق الحرة.
_ الاستثمارات الأجنبية.
وبالطبع سوف نكون بحاجة إلى تبني سياسات مختلفة جذرياً عن السياسات والممارسات الاقتصادية التي سادت خلال العقود الماضية، وأدت إلى كل ما نشاهده من القصور والفشل، لكي نتبنى سياسات جديدة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف من أهمها :
_ تحسين كفاءة تخصيص الموارد الاقتصادية المتاحة.
_ زيادة الادخار المحلي لتمويل متطلبات الاستثمار.
_ إعادة هيكلة المؤسسات والأنظمة الاقتصادية.
_ تغيير أولويات الإنفاق العام.
_ إصلاح وتنمية المشروعات ذات الجدارة الاجتماعية.
_ تشجيع المبادرات الفردية ودعم القطاع الخاص .
ونعتقد أننا بتنفيذ مثل هذه السياسات يمكن أن نضمن تمهيد الطريق لنمو اقتصادي قابل للاستمرار، يتسم بالكفاءة، مع ضمان الاستقرار النسبي للأسعار وتحسين وضع المالية العامة للدولة.
وفي إطار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبها توجهات العولمة ومنظمة التجارة العالمية، بالإضافة إلى ترتبيات المؤسسات الدولية الأخرى (البنك وصندوق النقد الدوليين) تأتي الحاجة إلى وضع السياسات السليمة والجادة والملائمة التي تواكب هذه التغيرات والترتيبات، وتنسجم مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لاقتصادنا الوطني . ومع أن هذه الدوافع والضرورات تصدق على كل الاقتصاديات، إلا أنها تكون أكثر إلحاحا فيما يتعلق باقتصادات المجتمعات النامية، لأن هذه المجتمعات، ومجتمعنا الليبي واحد منها، هي في أمس الحاجة لاختزال الطريق وتوفير الجهود والإمكانات للوصول إلى مستويات من التنمية والنمو تتناسب وإمكاناتها، وتلبي طموحاتها، وتسهم في حل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية.
ويقول الخبراء إن ثمة اتفاقاً على جملة من المبادئ العامة الأساسية التي يتعين مراعاتها عند وضع واختيار السياسات، من أهمها:
_ الواقعية: بحيث يتم وضع السياسات، واختيار الأدوات، على أسس ومعرفة واقعية بظروف المجتمع وإمكانيات الاقتصاد، وأن توضع الغايات والأهداف بما يتلاءم مع الواقع القائم، ويتعين أن تكون الأهداف المنشودة واقعية وقابلة للتحقيق وللقياس قدر الإمكان، وأن يتم انتهاج الوسائل والآليات الممكنة والفعالة.
_ الشمولية: يتعين أن تشمل السياسات أغلب المتغيرات الاقتصادية ذات العلاقة، وأن تستثمر وتشمل كل الموارد والإمكانيات المتاحة، وأن يتم التنسيق بين كافة القطاعات التي لها علاقة بالسياسات ودور في التطبيق.
_ التكامل والاتساق: بحيث تكون السياسات بأنواعها متكاملة، وتشكل في مجموعها وحدة متناسقة، وهذا التناسق والتكامل يتعين أن يشمل الأهداف والوسائل والآليات.
_ المرونة: يتعين أن تتمتع السياسة بقدر من المرونة يمكّنها من الاستجابة لمتطلبات الاقتصاد، وأن تواكب التغيرات والمستجدات، وتستجيب للتطورات المتسارعة في العلوم والتقنية، وإجمالا يتعين ألا تكون هذه السياسات قيدا يحد من حركة المجتمع ومؤسساته.
ولكي نتمكن من إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، في اتجاه التحول به نحو إعطاء دور أكبر وأوسع للقطاع الخاص، لخوض غمار الاستثمار والتوظيف والإنتاج والتوزيع، بل دور الريادة في العملية الاقتصادية، وفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي ليسـهم، إلى جانب الاستثمار الوطني، في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لابد من وجود سياسات ملائمة تكون قادرة على الاستجابة لهذا التحول، بما يلبي طموحات الأطراف المتنوعة المشاركة في العملية الاقتصادية التنموية؛ سياسات اقتصادية فعالة، ترسم أدوارًا جديدة للقطاع العام ومؤسساته، وللقطاع الخاص ومؤسساته، بما يحقق أهداف المجتمع ويخدم المصلحة العامة.
في هذا الصدد يرى أحد الخبراء أنه سوف يكون من الضروري توفير ما يمكن أن يطلق عليه البنية التحتية لبرنامج إعادة الهيكلة، التي تتكون من السياسات والإجراءات الضرورية الآتية:
1- السياسات المتعلقة بتهيئة المناخ الإداري والقانوني المستقر:
أي ضرورة أن يتسم المناخ الاستثماري بالاستقرار الإداري والقانوني، وأن يكون مناخا يتصف بكونه صديقا لبيئة الأعمال وللقطاع الخاص، ولا سيما فيما يتعلق بالإعمال الإدارية الخاصة بالتسجيل والتراخيص والموافقات وغيرها، فينبغي أن تهدف هذه السياسات إلى تسهيل الإجراءات القانونية وجعل النصوص واضحة الفهم والتفسير، بعيدة عن الغموض، خالية من الثغرات، بعيدة عن المحاباة، شفافة وموضوعية. فمن الأمور التي تؤخذ على البيئة الاقتصادية والقانونية والإدارية في الاقتصاد الليبي خلال الفترة الماضية عدم الاستقرار التشريعي والإداري، وكثرة حالات الدمج والفصل والتغيير والإلغاء وغيرها، ما أفرز بيئة غير ملائمة وذات سلوكيات لها آثارها السلبية الواضحة.
2- سياسات دعم وتأهيل القطاع الخاص:
لكي يتمكن من قيادة العمل التنموي الفعال، وتتحسن معدلات أدائه، ويتمكن من استيعاب الفرص الاستثمارية المتاحة. ومن ضمن أهداف هذه السياسات كسب ثقة المستثمرين الوطنيين والأجانب، ودعم برامج تدريب مركزة بشأن إعداد رواد مبادرين حقيقيين، ورعاية الواعدين منهم ودعم مشاريعهم لتكون الأساس لبناء قطاع خاص وطني فعال .
3 – السياسات الخاصة بتوفير الحوافز المجزية وعوامل الجذب الحقيقية:
وهي سياسات توفر جملة من عوامل الجذب والحوافز المجزية والفعالة في جذب المستثمرين المحليين والأجانب دون تمييز، التي ينبغي أن تتسم بالشفافية والوضوح من جهة، وبالشمولية من جهة أخرى، بحيث تغطي مجالات متنوعة، ولا سيما فيما يتعلق بتحقيق التنمية المكانية، أو تحقيق الأمن الغذائي، أو تشجيع القطاع التصديري، أو تنمية المجالات الاجتماعية الحيوية كالخدمات الصحية والتعليمية والإسكان والبنية التحتية.
4- السياسات المتعلقة بتقسيم الأدوار بين القطاعين العام والخاص
وهي سياسات ينبغي أن تؤكد على مبدأ التكاملية بدل التنافسية بين القطاعين العام والخاص، وعدم اعتبار أحدهما بديلا عن الآخر أو نقيضا أو منافسا له، بل لكل منهما دوره المميز ومكانته المهمة في برنامج التنمية الاقتصادية الشاملة.
5- السياسات الرامية لزيادة المقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني
وينبغي أن يصاحب إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، في اتجاه إعطاء دور أكبر للمبادرات الفردية، زيادة درجة الانفتاح على السوق العالمية، وما تتضمنه من اشتداد درجات المنافسة في كل الأسواق، وخاصة في إطار منظمة التجارة العالمية واتفاقيات الشراكة العربية والمتوسطية. ولا شك أن كل ذلك يتطلب وجود سياسات اقتصادية محددة تشجع الوحدات العاملة في الاقتصاد الليبي على ضرورة رفع المقدرة التنافسية ومستويات الأداء والكفاءة، وجعل ذلك المعيار الأساسي للمنافسة والتواجد فــي السوق العالمية.
6- السياسات المتعلقة بتنظيم الاستخدام وسوق العمل
بحيث تتضمن هذه السياسات آليات ووسائل محددة، وسبل عملية ممكنة، لحل مشاكل العاطلين عن العمل، والمشاكل المتعلقة بالبطالة المقنعة وبالتكدس الإداري، بالإضافة إلى تنظيم أسس الاستخدام، وفق هيكل معدل ومناسب للمرتبات والأجور، ووفق ضوابط عامة ومعايير علمية لشغل الوظائف، تضمن سيادة معايير الكفاءة والمقدرة، بعيداً عن الوساطة والمحسوبية والمعايير الأخرى الاجتماعية وغيرها.
7- قاعدة بيانات ومعلومات متطورة
وسوف يكون من الأمور الحيوية المهمة، في منظور إعادة بناء الاقتصاد الوطني، توفير قاعدة بيانات ومعلومات عن بيئة الأعمال والاستثمار والقطاعات الاقتصادية، تتضمن المؤشرات المالية والاقتصادية العامة ذات العلاقة، وتحديثها بشكل دوري (شهري، سنوي)، والإفصاح عن المعلومات والبيانات الجديدة بشكل سريع يفيد القطاعات والأنشطة الاقتصادية. فتوفر قاعدة حديثة متطورة للبيانات يعد من المتطلبات الأساسية المهمة لتحسين أداء وكفاءة السياسات الاقتصادية والعامة.
8- سياسات داعمة لبرامج البحث والتطوير
وذلك عن طريق الإنفاق المباشر على المؤسسات العلمية ومراكز البحوث، للقيام بالدراسات الاقتصادية والفنية اللازمة للتطوير في المجالات المختلفة، وللرفع من مستويات الجودة والمواصفات والمعايير للمنتجات الوطنية، والرفع من الإمكانيات التنافسية لمؤسساتنا الوطنية محليا ودوليا. وفي هذا الصدد ينبغي التأكيد على ضرورة وجود سياسة وطنية واضحة للبحث العلمي، فقد باتت هذه السياسات حاجة حيوية ملحة لكي نستطيع التعامل مع حجم التحدي المعرفي الهائل الذي سوف نكون مطالبين بمواجهته.
9- الشعور بالانتماء وسيادة القيم الأخلاقية
وكتتويج لكل تلك المعايير والتدابير والسياسات العملية سوف نكون بحاجة للتأكيد على أهمية سيادة القيم الأخلاقية وارتفاع الشعور بالانتماء للوطن، لما لذلك من آثار إيجابية في مجال الأعمال، وتحقيق الاستعمال الرشيد للموارد العامة والخاصة، والرفع من مستويات الكفاءة، والحرص على مقدرات الاقتصاد الوطني. فلا شك أن البعد عن الغش والرشوة والاحتكار والاستغلال والأنانية والوساطة والمحسوبية والقضاء على كافة صور الفساد، وفي المقابل انتشار قيم الصدق والعدل والتعاون وحب الوطن، وتغليب المصلحة العامة، والحرص على أداء الواجب، والالتزام واحترام السياسات العامة، كلها أمور تجعل من بيئة الأعمال مناخا طيبا تنمو فيه قيم التعاون والخير، وتزداد فيه الكفاءة، ويرتفع فيه الأداء إلى المستويات المنشودة.
ونحن نؤمن بأن تهيئة الإطار العلمي الصحيح المبني على قراءة صحيحة وموضوعية لواقع وإمكانيات الاقتصاد الوطني سوف يمكن من وضع السياسات الاقتصادية الفعّالة والكفؤة، ثم يكون التطبيق السليم لهذه السياسات بآلياتها وأساليبها المنسجمة مع خصوصية الاقتصاد الليبي كفيلاً بتحقيق الأهداف الاقتصادية العامة المتمثلة في الاستقرار والنمو الاقتصادي، وترشيد الإنفاق العام، والرفع من الكفاءة الإنتاجية بالقطاعات الاقتصادية غير النفطية.
***
ثانياً – مقومات التنمية الاقتصادية في ليبيا
سوف يكون علينا أن نعيد بناء اقتصادنا الوطني استناداً إلى المقومات الفعلية المتوفرة في بلادنا، وأن نصمم سياساتنا بحيث تتيح لنا أفضل استغلال واستثمار لهذه المقومات. ونحسب أن أهم المقومات المتوفرة لدينا والقابلة للاستثمار المجدي اقتصادياً، وذي العائد الملموس اجتماعياً، هي التالية: الموقع الجغرافي، الثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط والغاز، المقومات السياحية، ثم الثروة البشرية.
1 – الموقع الجغرافي
فلا شك أن هذا الموقع الذي جعل ليبيا منذ القدم واسطة بين جناحي الوطن العربي في المشرق والمغرب، وجعلها منطلقاً ضرورياً نحو بقية بلاد المغرب العربي، وجعلها دائماً في موقع متميز جداً بالنسبة لحوض المتوسط وأوروبا في الشمال، وسائر قارة أفريقيا في الجنوب؛ هذا الموقع ينبغي أن يعتبر بحق أحد أهم الموارد الاقتصادية لبلادنا، من خلال إحسان استثماره في مجالات عدة، من أهمها تجارة العبور والمواصلات الدولية، ولعلنا نستطيع تحقيق إنجازات كبيرة في هذا الاتجاه من خلال تشجيع القطاع الخاص بالمشاركة مع الاستثمارات الأجنبية على إنشاء وإدارة مناطق التجارة الحرة والمطارات الدولية الصالحة لاستخدام مختلف أنواع الطائرات، للربط بين مختلف أنحاء العالم وبين سائر أنحاء أفريقيا، مع كل ما يلحق بذلك من خدمات مساعدة، كالتزويد بالتموين والوقود وخدمات الصيانة وغيرها.
2 – الثروات الطبيعية (النفط والغاز)
وقد حبانا الله –تعالى– بثروة هائلة من النفط والغاز، وما تنفك أعمال البحث والتنقيب تثبت أن لبلادنا مخزوناً من هاتين المادتين كفيلاً بأن يضمن لكل أبناء شعبنا مستوى عالياً من الرفاهية والازدهار الاقتصادي، بشرط أن نحسن توظيف واستثمار العائد من بيع هذه المواد في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، من أجل خلق قاعدة إنتاجية تساعد في تنويع مصادر الدخل القومي، ومن ثم تؤدي إلى تخفيف الاعتماد على الوارد من هذه المواد، عندما توظف لتوسيع الاستثمار العام في البُنى التحتية كوسيلة لتعزيز القطاع غير النفطي بشكل مباشر، وتحسين رأس المال البشري وبناء شبكات الضمان الاجتماعي.
ولعلنا نتجه في هذا الصدد إلى تعزيز جهود الاستكشاف والبحث العلمي للعثور على ثروات طبيعية غير النفط والغاز تكون قابلة لاستثمار مجد اقتصادياً، واستحداث البنى والتقنيات الملائمة لاستغلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وخاصة في مجال توليد الكهرباء اللازمة لمختلف الاستخدامات الحضرية والصناعية وغيرها.
3 – السياحة
ونحسب أن هذا المجال ينبغي أن يحتل موقعاً متميزاً في قمة سلم المجالات المتاحة على اتساعها أمام القطاع الخاص. وهنا أيضاً سوف يتعين على الدولة (القطاع العام) أن يضع الخطط الضرورية للانتهاء من إنجاز البنية التحتية اللازمة لتنمية قطاع السياحة، من طرق وموانئ بحرية وجوية، وكهرباء ومياه وغيرها، ثم يفسح المجال أمام القطاع الخاص بالاستثمار في إنجاز وإدارة سائر المرافق والخدمات اللازمة، من فنادق ومنتجعات للسياحة الصيفية والشتوية والعلاجية، ومجمعات تجارية وغيرها.
ولقد كان من المؤسف طوال العقود الماضية ألا تفلح الدولة في فعل ما كان لازماً وممكناً لاستثمار تلك الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها بلادنا في مجال السياحة، والتي يندر أن تجتمع كلها في مكان واحد كما تجتمع في ليبيا، ففي بلادنا لدينا هذا الشاطئ الرائع الطويل على امتداد سواحلنا على البحر المتوسط، حيث تتوفر كل المزايا التي يرغبها المصطافون، من مياه صافية متدرجة العمق قليلة الرياح، وشواطئ رملية جميلة، وخلجان تجمع بين مياه البحر وصخور الهضاب والمرتفعات الجبلية، ثم لدينا على مسافة قريبة الصحراء بامتدادها الشاسع حتى تخوم الصحراء الكبرى، بكل ما تزخر به من تنوع طبيعي مذهل في تضاريسها بين الرمال الناعمة المتعددة الألوان، المتنوعة الأشكال والتركيبات، ومناطق الحصى الممتدة، حتى تبلغ سلاسل الجبال الهائلة في جنوب الصحراء الزاخرة بالآثار التاريخية الرائعة.
ومن جهة أخرى تجتمع في بلادنا كل أشكال السياحة الممكنة، فإلى جانب سياحة الترفيه والاصطياف، هناك السياحة التاريخية، حيث تعتبر بلادنا من أغنى الدول قاطبة في الآثار التاريخية، وخاصة تلك المتخلفة عن عهود الاستيطان الإغريقي والروماني والبيزنطي في ليبيا، وهناك العديد من الآثار الباقية عن سائر العصور التاريخية التالية بدءاً من عصر الفتح الإسلامي، مروراً بالعهد العثماني وحتى عهد الاحتلال الإيطالي، وهناك أيضاً إمكانات فعلية كبيرة متاحة أمام نمط السياحة العلاجية القائمة على منابع المياه ذات الخصائص العلاجية الثابتة، كالمياه الكبريتية وغيرها، والقائمة على رمال الصحراء وحرارة الشمس.
ولعلنا لن نكون مبالغين إطلاقاً إذا ذهبنا إلى القول بأن لدينا كل الإمكانات لتطوير قطاع السياحة حتى يصبح مصدراً أساسياً من مصادر الدخل، يعادل إن لم يتفوق على المدى البعيد على قطاع النفط والغاز، وخاصة من حيث انعكاساته الإيجابية على عدة مجالات أخرى في منظور التنمية الشاملة، من حيث ارتباطه بعدد من القطاعات الاقتصادية الأخرى كالزراعة والصناعة الخفيفة والخدمات العامة كالنقل والمواصلات والاتصالات، وما إلى ذلك، ولنا أن نتخيل مدى الخدمة العظيمة والأثر الجليل الذي يمكن أن تحدثه تنمية القطاع السياحي على صعيد فتح وخلق آفاق التوطيف والعمالة، بما يردف سائر الجهود الرامية إلى إعادة هيكلة واستثمار القوى العاملة.
بيد أننا سوف نكون بحاجة إلى قدر من التجديد والابتكار في استحداث أنماط مختلفة للاستثمار السياحي، تستجيب لما يتطلبه ويحتاجه الجمهور المستهدف من السائحين، وخاصة في مجال السياحة الترفيهية الصيفية (الشاطئية).
ففي هذا الصدد ينبغي أن نضع في اعتبارنا أنه سوف يكون لدينا نوعان من السائحين: يمكننا أن نسميهما تعميماً السائحين المسلمين المحافظين والسائحين غير المسلمين، سواء من مواطنينا أو من مواطني الدول العربية والإسلامية. فلا شك أن كلاً من هذين النوعين من السائحين يحتاج إلى نمط خاص من المصائف التي تضع في اعتبارها خصائص وطبيعة الجمهور، من حيث أنماط السلوك والاستهلاك والترفيه وغيرها. فيكون علينا أن نوفر لكل نوع من السائحين المصائف التي تناسبه ولا تصطدم بتقاليده وعاداته. وإذا كانت هذه المسألة لا تمثل إشكالاً فيما يتعلق بالسائحين غير المسلمين، فالأنماط التي تناسبهم مجربة ومعروفة، فإننا سوف نكون بحاجة إلى جهد خاص لابتكار أنماط وأنواع من المصائف والمنتجعات الترفيهية التي تسجيب للتوجه المتزايد لدى أبناء شعبنا نحو التمسك بالتعاليم الدينية، فيما يتعلق باختلاط النساء بالرجال، وحاجة النساء خاصة لوجود مصائف تسمح لهن بالتمتع بالتنـزه على الشواطئ والسباحة في البحر، بمعزل عن الاختلاط بالرجال الأجانب عليهن.
4 – الثروة البشرية
وينبغي أن يكون راسخاً في منظورنا للتنمية أن ما نملكه من طاقات بشرية هو المورد الأهم الذي ينبغي أن يقع في قمة سلم الأهمية، ذلك أنه بدون إحسان توظيف هذه الطاقة البشرية التي نملكها بالفعل، أو تلك التي يمكن أن نؤهلها ونطور قدراتها وإمكاناتها من خلال مختلف برامج التكوين والتأهيل، سوف نظل عاجزين عن توظيف واستثمار تلك الموارد الهائلة التي يوفرها لنا النفط والغاز في برامج إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وتوسيع قاعدته.
وقد ثبت من خلال التجربة الواقعية أن الليبيين يملكون قدرات ومواهب ممتازة في مجالات مختلفة مثل التجارة والخدمات والتصنيع الخفيف، وأنهم يمكن أن يقودوا بمهارة وجدارة عملية تنمية وطنية شاملة، إذا ما هيئت لهم البيئة الصالحة للحركة والمبادرة. وهنا يتصل الحديث اتصالاً حيوياً بالحديث الذي يرد في سائر جوانب إعادة البناء الشاملة، فيأتي دور النظام التربوي والتعليمي في تزويد المجتمع بالعناصر البشرية المؤهلة تأهيلاً مناسباً لسد الحاجات الجديدة والمتنوعة لسوق العمل بعد تحررها وتطويرها وانطلاقها في طريق التنمية والتطوير، ويأتي دور النظام القانوني في تهيئة القوانين والتشريعات الملائمة لإيجاد بيئة استثمارية وتنموية مستقرة وحافزة لقوى العمل والاستثمار، ويأتي في الوقت نفسه دور النظام الإداري في خلق بيئة مختلفة، تكون قد تخلصت من سائر الأمراض والعلل التي كانت عبر العقود الماضية تمثل عقبات حقيقية أمام أي برامج للاستثمار والتنمية، وهي البروقراطية والفساد المالي والإداري، ومن ثم أعيد بناؤها على أسس علمية جديدة، في اتجاه التحول إلى استثمار تقنية المعلومات والاتصالات في تنظيم وتسهيل كافة الإجراءات الإدارية اللازمة لمختلف برامج التنمية من جهة، ومن جهة أخرى في اتجاه تنظيفها من ظواهر الفساد المالي باتخاذ التدابير التشريعية والقانونية التي تحول دون وجود هذه الظواهر بإزالة عواملها ومسبباتها، وتمنع وقوعها وتفشيها بتشديد الرقابة والعقاب عليها.
وهكذا ينبغي أن تحتل برامج التنمية البشرية موقعاً متميزاً في منظور التنمية الشاملة، ذلك أن هذه البرامج لا تتوقف عند جدود مخرجات مؤسسات التعليم الرسمي، بل ينبغي أن تتسم بالحيوية والتجدد المستمر، بحيث تواكب مسيرة التنمية في مختلف المجالات، من خلال برامج التطوير وإعادة التأهيل والتعليم المستمر مدى الحياة، بما يستجيب للحاجات الفعلية المتجددة لسوق العمل.
***
ثالثاً – التكامل بين القطاع العام والقطاع الخاص
1 – القطاع العام
في المنظور الشامل للتنمية الاقتصادية ذكرنا أننا سوف نحتاج إلى إعادة النظر في الدور الذي سوف يظل على القطاع العام أن يقوم به، في اتجاه قصر نشاطه على السلع والخدمات ذات الطبيعة العامة التي يعجز أو يعزف القطاع الخاص عن تقديمها، بسبب ارتفاع تكلفتها وضخامة ما تحتاجه من إمكانات واستثمارات، وهي الخدمات التي ينبغي أن تلتزم الدولة بتوفيرها لكل المواطنين، في مجالات التعليم والصحة والعدل والدفاع ومشروعات البنية الأساسية والمشروعات الاستراتيجية. وينبغي أن يكون راسخاً في منظورنا السياسي أن الإنفاق على التعليم والصحة يعد استثمارا بشريا من أهم مقومات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولذا فلا بد أن تخصص له الموارد المالية اللازمة، والإمكانات التقنية والعلمية، بعد إعادة النظر في التراكمات المتخلفة عن الماضي، ووضع الخطط الاستراتيجية المناسبة بالتوافق مع النظرة التكاملية للتنمية الوطنية الشاملة.
وهكذا نصل إلى تفعيل مفهوم التكامل بين القطاعين العام والخاص، إذ يقوم القطاع العام بإعداد البنية الأساسية اللازمة ليتمكن القطاع الخاص من القيام بالدور الذي ينبغي ويمكن أن يقوم به في مجالات الإنتاج والاستثمار المختلفة، ويقصد بهذه البنية الأساسية كل ما يساعد القطاعات الإنتاجية على الإنتاج والتسويق مثل الكهرباء والغاز والطرق والموانئ والمطارات ووسائل الاتصال، وكذلك إيجاد المؤسسات المالية والتجارية اللازمة لتسهيل العمليات الإنتاجية.
ولاشك أن القيام بهذا في بلد مثل ليبيا، شاسع المساحة، متباعد الأطراف، يحتاج إلى تمويل ضخم وإدارة كفؤة ومتابعة ورقابة واعية من القطاع العام، بل من المجتمع ككل.
2 – القطاع الخاص
باستثناء هذه المجالات ذات الصبغة الاستراتيجية التي ينبغي أن تظل تحت هيمنة وإدارة الدولة (القطاع العام)، إما لأهميتها الخاصة من الناحية الاجتماعية كالخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والإسكان والبنية الأساسية، أو لضخامة الاستثمارات التي تتطلبها ومن ثم تجاوزها لقدرات القطاع الخاص، فإن المجال مفتوح بالكامل أمام مبادرات القطاع الخاص في مجالات الاستثمار المتاحة والممكنة بالنظر للموارد الاقتصادية والإمكانية الاستثمارية المتوفرة في بلادنا، منها على سبيل المثال:
أ – الخدمات: في مجالات محددة مثل التعليم والصحة والسياحة، فلا شك أن القطاع الخاص يمكن أن يقوم بدور مهم وإيجابي في هذه المجالات، حين توفر له البيئة الاستثمارية الملائمة والمشجعة، في إطار من الاتساق التام مع مستهدفات الخطط الوطنية للتنمية الشاملة، وتحت توجيه ورقابة الجهات الرسمية المخولة بالمتابعة في إطار القوانين والتشريعات النافذة.
ب – الزراعة: فبالرغم من محدودية الرقعة الزراعية والشح النسبى للمياه فإن القطاع الخاص هو المؤهل لأن يتولى العمليات الإنتاجية بهذا القطاع، على أن يقوم القطاع العام بما يلزم في مجال الإرشاد الزراعى، والبحوث العلمية الموجهة لتنمية القطاع. وبالطبع هذا يعني أن نتوقف عن السير وراء تلك السياسة الواهمة لتحويل ليبيا إلى بلد زراعي يستطيع أن يكتفي ذاتياً، وأن نتجه للسعي إلى سياسة الاستغلال الأمثل للإمكانيات المتوفرة، ولعلنا نوجه اهتماماً أكثر إلى قطاعات تربية الحيوانات والصيد البحرى، فضلاً عن تنمية القطاع الزراعي في المحاصيل التي لدينا فيها فائض من الإنتاج قابل للتصدير والمنافسة في الأسواق العالمية، مثل التمور والزيتون.
ج – الصناعة: عندما ننتهي من الجري وراء وهم التصنيع الثقيل الذي أهدرت عليه المليارات الطائلة من ثروتنا، فإننا سوف نتجه إلى تحرير قطاع الصناعة، فيما عدا الصناعات الاستراتيجية في مجال استخراج وتصنيع النفط والغاز، وإتاحته بالكامل أو بالاشتراك مع القطاع العام ومع الاستثمارات الأجنبية للقطاع الخاص. ويقول الخبراء إن أمام القطاع الخاص مجالاً واسعاً للاستثمار في قطاع الصناعات الخفيفة، وخاصة الصناعات الغذائية القائمة على المحاصيل التي يتوفر منها فائض كبير من الإنتاج عن الاستهلاك المحلي، والصناعات التحويلية التي لا تتطلب عمالة فنية عالية المهارة.
وبالطبع ترتبط تنمية هذه الصناعات بعدد من الخدمات المتصلة بها، في مجالات التغليف والتعبئة والتخزين، ثم التصدير إلى الأسواق التي ينبغي أن يمنح القطاع الخاص كل الحربة والتسهيلات اللازمة لاستكشافها وفتحها أمام الصادرات الليبية.
د – الاستيراد والتصدير: وهو المجال الذي أشرنا آنفاً إلى أن الليبيين قد أثبتوا فيه عبر التاريخ مهارات وإمكانات جديرة بالاعتبار والتنويه. وبدهي أننا سوف نحتاج بادئ ذي بدء إلى إعادة الأمور إلى نصابها، بعد كل ما شهدته ساحة الحركة في هذا المجال من فوضى وتخبط وعشوائية وفساد، فتعود لتكون حركة منضبطة من حيث حضوعها للتشريعات والقوانين النافذة بالخصوص، ومن حيث اتساقها مع مستهدفات التنمية الوطنية الشاملة. فإذا ما خلقت هذه البيئة الضرورية المناسبة، فإننا يمكن أن نتوقع أن يقوم القطاع الخاص في هذا المجال بخدمة مهمة، في إطار تزويد السوق المحلية بالبضائع اللازمة للاستهلاك المحلي سواء باستيراد المواد غير المنتجة محلياً، أو بتسويق المنتجات المحلية من جهة، ومن جهة أخرى في إطار تصدير الفائض من المنتجات المحلية إلى الأسواق العالمية.
***
الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز
________________
المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية