إعداد: الدكتور يونس عمر فنوش

المحرر: يستمر منبر ليبيا في نشر وثيقة رؤية إعادة بناء الديمقراطية في ليبيا وقد تناول الجزء التاسع الباب الخامس من الوثيقة ويتعلق بالنظام الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، وفي هذا الجزء سنتناول الباب السادس من الوثيقة ويركز على الخدمات العامة.

(10)

الباب السادس

الخدمات العامة

لقد باتت الأمم في مقياس الازدهار والرفاهية والتقدم والحضارة تقاس بمدى ما توفره لكافة مواطنيها من الخدمات الأساسية الضرورية، لضمان الحد الملائم من الحياة الكريمة للإنسان، ويأتي في مقدمة ذلك الغذاء والصحة والتعليم والسكن، ثم تلي ذلك في مرتبة الأهمية الحيوية خدمات المواصلات والاتصالات، وسائر الخدمات المعنوية، في مجالات الثقافة والرياضة والترفيه.

ولا شك أننا عندما نباشر إعادة بناء بلادنا بعد كل الذي شهدته من دمار وتدهور خلال العقود التي مرت عليها منذ توقفت مسيرتها في طريق التقدم، وأخذت تنحرف إلى طريق التخلف والانهيار، فإننا سوف نحتاج إلى جهود جبارة وإمكانات هائلة لتعويض النقص الذي تعاني منه الحياة في بلادنا في قطاع الخدمات الأساسية، قبل أن نصل إلى المرحلة التي نشرع فيها في تنفيذ خططنا المرسومة لبلوغ مستويات راقية في هذا القطاع، نطمح عندها إلى بلوغ أرقى ما وصلت أو يمكن أن تصل إليه المجتمعات المتقدمة التي سبقتنا في مسيرة الحضارة.

أولاً – الغذاء

وإذا كان مجرد توفير الغذاء في حد ذاته أمراً بدهيا، لا يحتاج إلى تأكيد أو إشارة، إلا أننا من واقع التجربة المريرة التي مررنا بها خلال المرحلة الماضية، فإننا نحتاج حتماً إلى القول بأن علينا أن نتخذ ما يلزم من التدابير والتشريعات لإيقاف الكارثة التي أخذ مواطنونا يواجهونها على هذا الصعيد جراء انعدام الرقابة الصحية على ما يقدم إليهم في السوق المحلية من مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك الآدمي، بسبب انتهاء صلاحية استخدامها أو بسبب احتوائها على المواد الضارة في أصل تكوينها، أو جراء ما تعرضت له من مواد كيميائية، كالمبيدات الحشرية أو المواد المسرعة للنضج وما إلى ذلك.

فإذا ما انتهينا من هذه المرحلة الأولى، وهي الحد الأدني الذي ينبغي أن نضع له التدابير والخطط الإجرائية العاجلة، فإننا سوف نلتفت من بعد إلى وضع السياسات المبنية على نتائج ما يقوم به علماؤنا وباحثونا في مراكز البحث العلمي من بحوث في مجالات الزراعة، لدعم التوجه قدر الاستطاعة إلى تبني نمط الغذاء الطبيعي، الذي أخذت الدول المتقدمة تعود الآن إلى العناية به وتنميته، بعد ما صار يتكشف لديها من الآثار المدمرة للغذاء المحصل باستخدام الأسمدة الكيميائية والمعرض لمختلف أنماط المعالجة باستخدام المبيدات الحشرية وغيرها، ناهيك عن الغذاء الناشئ عن البذور المعدلة وراثياً.

ثانياً الصحة العامة

وهنا أيضاً لا شك أنه من نافلة القول أننا نملك من الإمكانات المادية والبشرية ما يؤهلنا لأن نوفر لمواطنينا أرقى مستويات الخدمة الصحية، وذلك إذا ما تمكنا من توفير البيئة السياسية والإدارية الضرورية لسياسات التطوير والتنمية في هذا القطاع.

فعلى صعيد البنية الأساسية سوف يكون من أولى أولويات الدولة، من خلال القطاعين العام والخاص، وبتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، الانتهاء من توفير البنية الأساسية اللازمة لتقديم خدمة صحية راقية لجميع المواطنين، أينما كانوا، ومهما بعدت أماكن إقامتهم عن المراكز الحضرية في المدن والقرى الكبيرة، وبدهي أن هذه البنية الأساسية سوف تبدأ من المراكز الصغيرة التي ينبغي أن توجد في كل تجمع سكاني مهما صغر، وتعنى بتقديم الخدمات الصحية الأساسية والعاجلة في مجالات الوقاية ورعاية الأمومة والطفولة، والإسعاف السريع، والمتابعة الدائمة لذوي الأمراض المزمنة كالسكري وضغط الدم، وذوي الحاجات الخاصة، ثم تتقدم هذه البنى في الحجم والتدرج نحو التخصص حتى تنتهي إلى المستشفيات والمجمعات الاستشفائية الكبيرة التي توجد في المراكز الحضرية الأساسية.

وبالطبع ليس ثمة ما يمنع مطلقاً، بالنظر لما نمتلكه من إمكانات مادية، من تجهيز هذه البنى الصحية الأساسية بكل ما يلزم، وفي الوقت نفسه بأحدث ما وصلت إليه الاختراعات العلمية على هذا الصعيد، ثم استثمار منجزات التقنية الحديثة في مجالات الاتصالات وتقنية المعلومات في مجال الرعاية الصحية، لربط مؤسساتنا الصحية بنظيراتها في الدول المتقدمة، للاستفادة من الخدمات التي بات من الممكن تقديمها عن بعد في مجالات التشخيص والعلاج وإجراء التدخلات الجراحية.

ويبقى بعد ذلك الحديث عن العنصر البشري، وفي هذا الصدد لدينا من المعلومات والإحصاءات ما يؤكد أن شعبنا يملك ثروة كبيرة من الكفاءات الراقية في هذا المجال، وأن كل ما نحتاج أن نفعله هو أن نوفر البيئة الملائمة التي يستطيع فيها أبناؤنا من الأطباء والمختصين أن يعطوا أفضل ما لديهم من علم وتخصص وكفاءة، فنبدأ أول ما نبدأ بأن نتيح لهم المستوى المعيشي المزدهر المستقر الذي يسمح لهم بأن يلتفتوا بكل طاقاتهم ليعطوا ويبدعوا في أعمالهم، ثم نوفر لهم كل ما يلزمهم من تجهيزات ومعدات فنية لإنجاز هذه الأعمال على خير وجه.

ولعلنا بذلك نتمكن من إزالة كل الأسباب التي ظلت تحرم بلادنا من الاستفادة من خبرات وجهود أبنائها من الأطباء والعلماء المختصين، عندما تحولت بلادنا إلى بيئة طاردة للكفاءات والخبرات، وبتنا نشهد أبناءنا وهم يجدون فرصتهم الكاملة للعطاء والتقدم المهني والعلمي في مختلف بلاد العالم، بما في ذلك بعض البلاد العربية التي كنا حتى وقت قريب نعتبرها متخلفة عنا بمراحل في مسيرة التقدم والحضارة. ثم نسعى بعد أن نستعيد أبناءنا الذين طردتهم بلادهم إلى استعادة المئات وربما الآلاف من أبناءنا الذين لم تستطع بلادنا في عهد التدهور الماضي أن تحفزهم على الرجوع إليها بعد أن أكملوا دراساتهم المتخصصة في الخارج، ووجدوا في البلاد التي درسوا فيها من الحوافز والظروف الملائمة ما شجعهم على البقاء حيث هم، وأتاحت لهم تلك البلاد بالفعل أن يثبتوا جدارتهم وأن يتقدموا في سلك الوظيفة والحياة العملية إلى أرقى المراتب  والمستويات.

ثالثاً الإسكان والتنمية الحضرية

يأتي في مرتبة موازية من الأهمية الحيوية خدمة توفير السكن الصحي اللائق لكل مواطن. ونحسب أننا سوف نكون بحاجة في هذا المجال أيضاً إلى برامج وطنية عاجلة لإيجاد الحلول الملائمة لتغطية العجز الرهيب الذي تعاني منه بلادنا في قطاع الإسكان، من خلال ابتداع أنماط من المساكن قليلة التكلفة، وسريعة التنفيذ، كحل سريع وعاجل لمواجهة الحاجة الحالية للمساكن، لكي نتفرغ من بعد لوضع السياسات الإسكانية الطبيعية المؤهلة لمواجهة معدلات النمو السكاني، والتي تكون مبنية على الخطط التنموية المستندة إلى الإحصاءات الدقيقة، والدراسات الاستشرافية المستقبلية.

ولا شك أننا ينبغي أن ننظر إلى قضية الإسكان باعتبارها قضية ذات أهمية وخطورة من حيث انعكاساتها السلبية على الصعيدين السياسي والاجتماعي، فقد بتنا نعيش واقعاً شديد المرارة وحافلاً بالمخاطر بسبب ما يؤدي إليه عدم توفر المسكن من عجز الشباب عن الزواج وتكوين الأسرة، وما يؤدي إليه ذلك بالضرورة من وقوع الشباب فريسة للسخط والاستياء من المجتمع، ويأس من الحياة الكريمة المستقرة، وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة، تتمثل في مختلف أشكال الانحراف النفسي والأخلاقي، ومن ثم في أشكال الأمراض النفسية والبدنية الناجمة عنها.

إذن فإننا لن نكون مبالغين مطلقاً، من هذا المنظور، إذا نحن نظرنا إلى قضية الإسكان عامة، وإسكان الشباب خاصة، على أنها قضية سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى، لكي نوليها ما تستحقه من العناية القصوى، ونوفر لها ما يلزم من إمكانات تعين على التعجيل بإنجاز الخطط العاجلة التي أشرنا إليها آنفاً.

رابعاً التعليم

وقد أشرنا إلى هذا القطاع بما يغني عن التكرار عند حديثنا عن النظام التربوي والثقافي.

خامساً – المواصلات العامة والاتصالات

في هذا المجال أبضاً لا نملك إلا أن نتفق مع الشعار الذي اعتبر المركوب حاجة أساسية ضرورية للمواطن، ولكننا نعلم ما ينبغي أن يتبع لجعل هذا الشعار حقيقة واقعة، وليس مجرد كلام يردد، وشعار يرفع، بعيداً عن حياة الناس الفعلية. ونحسب أن تطبيق ما اعتبرناه ضرورياً لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وخاصة فيما يتعلق بخلق البيئة الضرورية الملائمة من حيث التشريعات والقوانين وسياسات تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في مجالات التجارة، سوف يكون كفيلاً بجعل اقتناء المركوب أمراً ميسراً وفي متناول كل مواطن مهما قلت موارده المالية. بل لعلنا نبلغ في مضمار في تحقيق نموذج المجتمع الراعي لكل أبنائه أن نرفع شعاراً مؤداه ضرورة توفير المركوب لكل أسرة، وإيجاد أساليب مناسبة لتقنين مساهمة المجتمع في تمويل هذه الفكرة.

ولكننا ينبغي ألا نغفل الإشارة إلى أن المركوب الخاص للعائلة أو للفرد، لن يكون بديلاً عن ضرورة توفير وسيلة المواصلات العامة التي تيسر الحركة داخل المدن لكل الناس، سواء من يملكون المركوب ويستطيعون قيادته أو من لا يملكونه أو لا يستطيعون قيادته. ولعل الاتجاه نحو توفير وسائل المواصلات العامة، وخاصة داخل المدن الكبيرة المزدحمة، تكون له فائدة من وجه آخر هو التقليل من استخدام المركبات الخاصة، بما يخفف من الازدحام والاختناقات المرورية، ويساعد على التخفيف من نسبة تلوث الهواء بغازات عوادم المركبات.

أما في مجال الاتصالات فإن الحديث هنا يتصل اتصالاً وثيقاً بما قدمناه عند حديثنا عن الدور الذي نرى أن تلعبه تقنية المعلومات والاتصالات في المساعدة على تنفيذ سياساتنا على صعيد التنمية البشرية، في مجالات التعليم والتوعية والتنشئة الاجتماعية والسياسية والإعلام، ومن ثم فإننا نظن أنه سوف يكون من المهم أن ننظر إلى التوسع في توفير خدمة الاتصال بالشبكة العالمية للمعلومات مجاناً لكل المواطنين، باعتباره هدفاً من أهداف التنمية الوطنية الشاملة، ومن ثم ينظر إلى هذه الخدمة على أنها إحدى الخدمات الأساسية اللازم توفرها لكل المواطنين، مثلها مثل خدمة التعليم الأساسي والغذاء والصحة والإسكان.

سادساً الرياضة والترفيه

وأخيراً عندما نكون قد أنجزنا هذه الخطط ذات الصبغة المستعجلة والملحة، والتي ينبغي أن نجند لها فيما يشبه خطط الطوارئ كل ما نملك من طاقات بشرية ومادية، لكي نعوض بأسرع ما يمكن ما فقدناه وتخلفنا عن اللحاق به في مختلف مجالات التنمية، نكون قد وضعنا خطانا على الطريق الضرورية لانتشال بلادنا من هوة التخلف الرهيب التي انحدرت إليها، ونرتفع بها إلى السطح، حتى نضع قدميها على طريق التقدم الحضاري من جديد، فتواصل مسيرتها بحيوية وفعالية نأمل أن تؤهلها –في أقل تقديرلأن تواكب غيرها من الدول المتقدمة المتحضرة، عند هذا الحد.

وهنا عندما تتوفر للمواطن الليبي كل ضروريات الجانب المادي من الحياة المزدهرة الكريمة، من غذاء ورعاية صحية وتعليم وسكن وسائر الخدمات الأساسية، فإنه يكون بحاجة، لكي يستعيد آدميته الكاملة، لأن تتوفر له الوسائل اللازمة لإشباع حاجاته الروحية المعنوية.

على هذا الصعيد سوف يتكفل النظام الثقافي بتغطية الجوانب المتعلقة بالفنون والآداب، من خلال المكتبات العامة والمجمعات الثقافية، بما سوف تحتويه من مساحات للعروض الفنية المختلفة، ومعارض لإبداعات الفنون التشكيلية، ويبقى أن تتكفل جهات عامة أخرى بتغطية الجوانب المتعلقة بوسائل الرياضة والترفيه. ونعتقد أنه لن يكون من الصعب، بالنظر لما نملكه من إمكانات مادية، أن نطمح لتوفير البنية التحتية اللازمة والمتطورة لإتاحة فرصة متكافئة أمام جميع مواطنينا لممارسة الرياضة والوصول إلى وسائل الترفيه. ونظن أنه لن يكون من المبالغ فيه أن نطمح لتوفير هذه الوسائل حتى في المراكز الحضرية الصغيرة، وفي الواحات النائية في أعماق الصحراء، وخاصة إذا ما نجحنا في توفير البيئة التنموية الملائمة لتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في هذا القطاع.

***

الدكتور يونس عمر فنوش، عضو مجلس النواب، ورئيس حزب تجمع ليبيا الديمقراطي، ومعارض سابق لنظام القذافي وقيادي في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأديب ولغوي وشاعر وطني متميز

________________

المصدر: مدونة رؤية لإعادة بناء ليبيا الديمقراطية

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *