من ضمن الأسس المهمة في تنفيذ السلم الاجتماعي في داخل أي مجتمع من المجتمعات ان يكون هناك اقرارا والتزاما بأن الوسيلة الوحيدة لحل المنازعات هي الحوار.
رابعًا: إقرار مبدأ الحوار الاجتماعي لحل كافة المشاكل
وهنا تجدر الإشارة إلى ركيزة هامة للحوار الاجتماعي المنشود في وطننا ألا وهي أن يكون الحوار بشأن مقترحات الحلول للمشكلة، وليس التطرق لتوصيفها ودور كل طرف في مشاركته بوقوع المشكلة. بمعنى آخر يجب ألا نناقش أسباب المشكلة عند الحوار الذي يستهدف التوافق ونتركها فيما بعد لمن يملك القدرة على الفرز والتحقيق والحكم على المخطئ وأخذ حق المظلوم. أما الحوار فيجب أن يتركز على إيقاف المشكلة تمامًا ودور كل طرف في إعادة الثقة بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في الحوار من أجل بعث السلم والامن الاجتماعي. ومن أسس الحوار المعروفة ونؤكد عليها:
– الابتعاد عن التخوين
– الابتعاد عن الشخصنة
– الابتعاد عن الاتهام بالكذب
– إظهار الحقيقة والالتزام بمصداقية الطرح في الحوار
– تقبل الرأي الاخر
– احترام ما يتم التوصل إليه بعد الحوار حتى وإن كان لا يحقق كل المطالب المرجوة، ومن أجل مصلحة الوطن يجب تقديم تنازلات من جميع الأطراف للوصول إلى التوافق المنشود.
خامسًا: الهيكلة الإدارية وضمان توزيع عادل للسلطة والثروة
إن الصراعات عندما تبدأ في المجتمعات تكون لها عدة عوامل من بينها الصراع على السلطة والحكم، ومع استمرار فترة الصراعات والحروب وما يتبع ذلك من سيطرة المجموعات المسلحة على الأرض، هنا يتطلب الأمر التوجه إلى دراسة السبل والوسائل التي تحقق لكل هذه القيادات المتصارعة طموحاتها في تحقيق تقاسم ومشاركة حقيقيه للسلطة والثروة ومن أجل ذلك يجب أن نتطرق إلى ضرورة إشعار هؤلاء بالطمأنينة على مستقبل الإدارة كمعالم رئيسية تسعى لها المصالحة الوطنية، وفقًا للقواعد الواضحة التالية:
الحكم المحلي واللامركزية في الإدارة
هنا يجب أن يكون واضحًا أن نتوسع في البلديات وفقًا للوضع الحالي، ونضع أساسا مهمًّا، وهو أن سكان كل بلدية تقدم لهم خدماتهم الضرورية من خلال بلديتهم التي يختارون مجلسها بإرادتهم. وفي المرحلة الثانية نعمل على تأسيس “محافظات” تضم كل منها مجموعة بلديات، ويتم الاتفاق على أن تكوين المحافظات وانضمام البلديات لها يخضع لمعيارين:
الأول: المقدرات الاقتصادية بما يكفل مساهمة مجموعة البلديات داخل المحافظة في توفير المقومات الاقتصادية اللازمة للمحافظة.
الثاني: النظر في التناسق الاجتماعي للتركيبة الاجتماعية لمجموع البلديات.
الثالث: موافقة السكان ورضاهم على الانضمام للمحافظة.
وهنا يجب الإشارة إلى أن مجلس المحافظة يجب أن يتكون من رؤساء البلديات أما المحافظ فيتم انتخابه مباشرة من سكان كافة البلديات.
ومن الأهمية بمكان أن تلغى العديد من الاجهزة المركزية وتكون مصالح، في المحافظات على سبيل المثال لا الحصر، السجل المدني، مصلحة الشهر العقاري، مؤسسات حماية البيئة، الإسكان، والصحة… وغيرها.
هذا من حيث الجانب التنفيذي، أما الجانب التشريعي فلا بد أن تكون لليبيا غرفتين.
أ) الشيوخ ويتم اختيار أعضائه بالتساوي بين المحافظات.
ب) النواب، ويتم اختيار الأعضاء حسب عدد سكان كل منطقة.
هذا الأمر في وثائق المصالحة والسلم الاجتماعي لابد من النص عليه. كما يجب النص على التوزيع العادل لثروة البلاد وفقًا لمجموعتين من المخصصات:
1- مخصصات توزع بالتساوي بين المحافظات
2- مخصصات توزع حسب عدد السكان.
كل ذلك بعد خصم كل برامج إجبار الضرر وإعطائها الأولوية المطلقة.
سادسًا: وجوب وضع السلم الاجتماعي هدفًا وغايةً
يتطلب الأمر أن يتم الاتفاق المجتمعي من خلال كافة مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والروابط والاتحادات والأندية الرياضية والاجتماعية، على أن: السلم الاجتماعي الوطني الليبي هدف واجب تحقيقه، وأن الجميع يدعمـــون وضعه موضع التنفيذ ويعملون على الحد من أي عمل قد يستهدف إفساده أو إحداث أي انتكاسات في عملياته.
إن السلم الاجتماعي هو توجه مهم للمصالحة الوطنية، بالتالي فإن الدور التاريخي الذي لعبته وتلعبه قبائلنا وعشائرنا في عمليات المصالحة بين الأفراد والمجموعات يجعلنا نضع شيوخ هذه القبائل والعشائر أمام مسئولية وطنية مهمة في ضرورة الإسهام الإيجابي الكبير في تحقيق السلم الاجتماعي الوطني الليبي كعملية مصالحة مهمة، وأن يقفوا بالمرصاد لأي محاولة من قبل أبنائهم ومنتسبي قبائلهم وعشائرهم تستهدف إحداث أي خلل في برامج السلم الاجتماعي.
سابعا: ميثاق وطني للمصداقية والحقيقة
تحدث في بعض الأحيان اختراقات أثناء فترة السلم الاجتماعي الذي يعتبر هدنة اجتماعية يحتفظ فيها أصحاب الحقوق بحقهم بالمطالبة بها ويعلقون هذه المطالبة ويتعايشون في سلم اجتماعي مع الأطراف المعادية لهم حتى يذوب الجليد، وتبدأ الثقة في العودة وتبنى الدولة، لتبدأ بعدها مرحلة العدالة وأخذ الحقوق، ومن أجل ذلك وجب في حالة حدوث أي خلل أن يتم الحوار فورًا، وهو أمر مهم جدا، على أن يتسم بالطرح الصادق البعيد عن الكذب وتأويل الأحداث لصالح الأطراف المخترقة مما يتطلب وضع ميثاق شرف يلتزم به الجميع بضرورة تحري الحقيقة والصدق في معالجة الاختراقات.
ومن الضرورة بمكان الإشارة في إحدى فقرات السلم الاجتماعي، إلى أن “تباشر الدولة في إعداد محاكم ناجزة للبت في كل الشكاوى والحقوق الفردية والعامة“، وقد يكون من المفيد الإعلان بشكل قانون على إنشاء عدد محدد من المحاكم لهذا الغرض، ومن أجل خلق الطمأنينة عند الناس ينص في إنشاء هذه المحاكم على أن يكون من بين القضاة عنصر أو أكثر من القضاة العرب. وقد يرى البعض أن هذا فيه إنقاص من قدر قضاة ليبيا، ولكن الأمر ليس كذلك، ففي بعض الدول التي مرت بمثل حالتنا يحتاجون إلى محاكم تشكل من قضاة لا يشكون في انتمائهم الجهوي أو التنظيمي، ما ينتج عنه الحيادية في القرار أو الحكم.
ولزيادة الإيضاح– على سبيل المثال:
لو أردنا أن نشكل محكمة أو أكثر لقضية تاورغاء، فإن تكوين المحكمة مزيج من القضاة الليبيين من الجنوب والشرق، وقضاة من قُطر عربي أو أكثر من المشرق العربي، وهكذا الأمر في مناطق أخرى، بمعني أن هذه المحاكم تكون متفرغة لهذه الأعمال ولا تدخل هذه القضايا في طوابير ملفات القضايا الأخرى، وهو ما يطلق عليه مصطلح “العدالة الانتقالية” التي نرى ضرورة الإشارة إليها في عناصر السلم الاجتماعي الوطني الليبي.
***
هذه الرؤيه ورقة قدمتها أجتهادا مني لملتقي المصالحة الوطنيه في نالـــوت الذي لم تتوافق الظروف لي لحضوره ولكني بعثتها لادارة الملتقي وكذلك بعثتها لبعض من أعرف أهتمامهم بهموم الوطن والان عندما نأتي الي أخــر هذه الوثيقة لا بد لي أن أختمها بنقاط مهمة تعبر –حقيقة– عن ما يشعر به الليبيين والليبيات.
في أزمنة القهر والكراهية، والعنف الوحشي، وصراع الهويات والمذاهب والأعراق، واقتلاع أعمدة الأوطان، وتفكك المجتمعات، يتساءل المرء، هل المزيد من الحروب، هو السبيل إلى الخلاص؟ أم أن السلم الاجتماعي هو المخرج، وهو الوصفة الناجعة لهذا البلاء.
قيل، وهو صحيح: إن الحروب تتولد أولاً في عقول الناس، ويبدو أن جل عقولنا محشوة بمعاني الاقتتال والمغالبة والإقصاء، ولعلنا هنا نسأل: كيف يمكن تفريغ هذه العقول من هذه الآفة، وملؤها بمعاني السلام، والسلم الاجتماعي الذي يحفظ للإنسان حقه في الحياة والكرامة الإنسانية، وهي كرامة أسبق من كل انتماء أو هوية ثقافية، وهي أيضاً حصانة أولية للإنسان، ثابتة له، بوصفه إنساناً كرّمه خالقه، وجعله خليفة له في أرضه؟!
إن العقول المحشوة بأوهام المغالبة، والمشاعر المسنونة، وفتوحات الغزو والقتل، والأناشيد المذهبية والثأرية، لا نستطيع السفر إلى المستقبل، ولا بناء مواطن ينتمي إلى العصر.
لماذا صرنا لا نشعر بالطمأنينة، إلا إذا رأينا الآخر في الوطن ملحقاً بنا، يحمل لوننا نفسه وفكرنا ورؤيتنا وهويتنا، وإلا نفجره أو نقتله أو نشرده؟
وكذلك الآخرون في أوطان غيرنا، نريدهم أن يشبهونا، ويعتنقوا قيمنا وأسلوب معيشتنا، أو نملأ حياتهم رعباً وحقداً؟
فاضت العقول بالكراهية، بعد أن تكلست، وغابت عنها ثقافة وقيم احترام التنوع، وقبول الاختلاف، واعتماد العيش المشترك، وتحول دين السلام والرحمة، إلى مسرح للكراهية والعنف والنفور.
إن الاختلاف بين الناس، له مشروعيته الدينية والواقعية، وهو سنة من سنن الله في الكون، والوفاق في المجتمع يتطلب التسليم بحق الاختلاف، ولا يعني هذا التسليم أن المختلف على حق، وإنما يعني الإقرار بأن للآخر المختلف الحق في أن يختلف.
ويبدو أن سؤال السلم الاجتماعي يقف على رأس أولويات الأسئلة التي يتوجب طرحها على أصحاب الفكر والعلماء وقادة الرأي العام والساسة في كل أرجاء الوطن العربي.
والسؤال الملح هنا: من له الأولوية؟ العدل بين الناس، أم تحقيق السلم الاجتماعي بينهم؟
في السلم الاجتماعي الوطني – وبين الأوطان أيضًا – يمكن حفظ الأنفس، وصيانة الدماء، وإشاعة المحبة والوئام بين الناس، على اختلاف عقائدهم وألوانهم وثقافاتهم ونظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويتحقق السلم الاجتماعي، من خلال إعلاء صوت العقل، واحترام الاختلاف، وتعزيز العيش المشترك، والإقرار بالتنوع، الذي يضمن حريات الإنسان وحقوقه، وحين نفقد السلم الاجتماعي في المجتمع، فإننا نفقد الحقوق الأخرى أيضًا.
وإذا كان البحث أو النضال من أجل العدل، يبرر القتل والعنف والخصومة والكراهية، والاحتراب الداخلي، والتهجير القسري والإفناء المتبادل، فإن البحث عن السلم الاجتماعي، والنضال من أجله، هو أيضًا بحث عن حق الحياة للناس أجمعين، فلا مبررات دينية ولا إنسانية، تقدم أياً من الحقوق على حق الحياة وكرامة الإنسان، وحق السلم الاجتماعي هو الذي يحفظ الأنفس والأعراض والعقول والمعتقدات، ويحقق الوئام بين الناس.
إن قواعد فقه السلم الاجتماعي، قائمة على أساس أن «دَرْء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح»، ومن هنا، تصبح مسألة إشاعة مفهوم السلم الاجتماعي بين الناس مدخلاً ناجعاً للعيش المشترك، وتنمية التوافق والمشتركات، ولرفض الحيف والظلم.
فلنتأمل معنى السلم والسلام في صلواتنا وعباداتنا وسلوكنا، باعتبار أن السلام هو ميزان السعادة الإنسانية، وقد ذكر السلام في القرآن الكريم إحدى وأربعين مرة، وذكرت كلمة الحرب، ثلاث مرات فقط، أما كلمة السيف، فلم ترد في القرآن الكريم مطلقاً.
وأدعوا الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه خير الوطن وناسه ويهيئ لنا من أمرنا رشدًا ويهدينا إلى طريق الخير للبلاد والعباد.
_________
انتهى