عبد الرفيع زعنون

مداخل تكريس فعلية الحق في الولوج إلى المعلومات

تُثبِت الدروس المستفادة من التجارب السابقة أن الحصول على المعلومات لا يتحقق بمجرد وضع مجموعة من الوثائق الشكلية والثانوية في متناول المواطنين، وإنما بإتاحة المعطيات الحساسة ذات الأهمية البالغة في حياتهم.

لذا يتعين جعل قوانين الحصول على المعلومات بالمنطقة العربية أكثر انسجامًا مع المعايير الدولية، كالتقليل من الاستثناءات التي تحتمل تأويلات ضيقة تؤثر على درجة التمتع بهذا المبدأ الدستوري، مع تدقيقها بضوابط واضحة تساعد على الملاءمة بين ضرورات صيانة الأمن القومي وبين ضمان التدفق الحر للبيانات العمومية.

بالإضافة إلى اتخاذ تدابير أكثر جدية لإرغام الإدارات على الالتزام بمبدأ الكشف الأقصى ، وذلك بإتاحة كافة قواعد البيانات العمومية للجمهور، على اعتبار أن النشر الاستباقي هو المعيار الأساسي لدمقرطة الوصول إلى المعلومات في ظل الصعوبات الإجرائية التي تكتنف مسار النفاذ إلى المعلومة بناء على طلب.

إن رهانات التقنين لا يجب أن تقتصر على الجانب الكمي بنشر أقصى قدر من المعلومات بغض النظر عن جِدَّتها وجودتها، بل باشتمالها على المواصفات المطلوبة المحدَّدة بموجب بعض المرجعيات الدولية على غرار مبــادئ تشــواني وفي مقدمتها شرط الاكتمال، بأن تتضمن البيانات الضرورية معزَّزة بالتفاصيل اللازمة كي تصبح قابلة للاستثمار بشكل فعال في حماية الحقوق والحريات وفي مراقبة السلطات العمومية، وذلك بإتاحتها بأشكال متنوعة وتقديمها بكيفية مبسطة تجعلها في متناول الجميع.

وبالنظر لمحورية البعد الزمني في ضمان فعالية المعلومات العمومية، يتعين إقرار إلزامية النشر الفوري لجميع الوثائق الرسمية مع التحديث الدوري للمعطيات المتغيرة، كما يتوجب تقليص الآجال المقررة للبت في طلبات الحصول على المعلومات والطعن في قرارات الرفض.

إلا أن الانضباط للإطار المعياري الدولي لا يقتضي مجرد تعديل القوانين الخاصة بالولوج إلى المعلومات، بل يجب أن يشمل تحسين مجمل المنظومة القانونية المُؤطِّرة للحق في الوصول إلى المعلومات، وذلك بتطهير التشريعات النافذة من كل التقييدات التي تكبح وصول الأفراد إلى المعطيات العمومية، كإزالة القيود على الحق في الحصول على المعلومات المضمنة بقانون حماية وثائق وأسرار الدولة رقم 50 لسنة 1971 بالأردن، وإعادة صياغة الفصل 18 من قانون الوظيفة العمومية بالمغرب الذي طالما كبل حرية الموظفين في كشف المعلومات العمومية وتبليغها بداعي الحفاظ على السر المهني، بما يتوافق مع المقتضيات الدستورية، والمادة 12 من القانون 31.13 التي تنص على إعفاء الأشخاص المكلفين بمهام تلقي طلبات الحصول على المعلومات من واجب كتمان السر المهني.

وفي الكويت أضحت الحاجة ماسة أكثر من ذي قبل لمراجعة جميع النصوص التي تحظر الاطلاع على المعلومات لضمان توافقها مع متطلبات الشفافية الإدارية التي نص عليها القانون رقم 12 لسنة 2020. بينما يتعين تسريع المساعي الرامية إلى استكمال ومراجعة الإطار القانوني المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة في تونس؛ من أجل تنقيحه من النقائص التي ينطوي عليها.

كما ينبغي إصدار تشريعات جديدة تكميلية لتأطير المجالات ذات الصلة بالبيانات المفتوحة وتدبير الأرشيف العمومي وحماية الملكية الفكرية والمعطيات الشخصية وحماية المبلغين والشهود. فضلًا عن تعزيز شفافية مسطرة اعتماد وتفعيل القوانين المالية التي تعد الأساس الصلب لانكشاف السياسات العمومية.

ولتفادي حالات التشتت والتداخل التي تطبع النظام القانوني لحرية المعلومات؛

من المحبَّذ وضع مدونة شاملة للشفافية في ضوء التجارب المميزة بدول الجنوب التي أدمجت المقتضيات الخاصة بالحق في الوصول إلى المعلومات ضمن مدونات تشريعية متكاملة لانكشاف الحياة العمومية، كقانون شفافية الإدارة العمومية في بنما، وقانون الشفافية والوصول إلى المعلومات العامة الحكومية بالمكسيك (2002)، وقانون الشفافية والوصول إلى المعلومات بتشيلي (2008).

وكان في الإمكان تحقيق هذا المطلب عربيًا منذ سنوات لو استجابت الحكومات لمطالب المجتمع المدني؛ إذ سبق لجمعية الشفافية الكويتية التقدم بمقترح قانون لتأطير الأحكام الخاصة بالشفافية ومحاربة الفساد والولوج إلى المعلومات ضمن نص تشريعي موحد.

كما ما فتئ النسيج الجمعوي بالأردن يطالب بتغيير قانون الحصول على المعلومات ليتضمن كافة المقتضيات التشريعية المرتبطة بالحق في النفاذ إلى المعلومة وبالشفافية.

ارتباطًا بذلك، تُطرح ضرورة تدعيم الإطار المؤسساتي بتقوية صلاحيات تدخل اللجان المكلفة بمراقبة الوصول إلى المعلومات، مع الارتقاء بضمانات إسهامها في تحقيق فعلية الحق في المعلومة، كالتنصيص على إلزامها بتقديم تقارير منتظمة إلى البرلمان مع نشرها على أوسع نطاق للوقوف على الجهود المبذولة في سبيل التنفيذ الفاعل لحق الوصول إلى المعلومات.

إلى جانب إخضاع التقارير السنوية التي تصدرها الهيئات المذكورة لنقاش موسع داخل البرلمان وعبر وسائل الإعلام بما يكفل اطلاع المواطنين عليها وإثراء الحوار العمومي بشأن جهود التمكين للحق في المعلومة.

كما يتعين الإقرار بإلزامية القرارات والتوصيات الصادرة عن هيئات مراقبة الحصول على المعلومات في ضوء بعض تجارب دول الجنوب التي راكمت ممارسات فضلى في هذا المجال، كالمكسيك، إذ تعتبر قرارات المعهد الفيدرالي للوصول إلى المعلومات العامة مُلزِمة لجميع الجهات الحكومية وواجبة النفاذ.

والهند، التي منحت قرارات الهيئة المركزية للمعلومات الطابع المُلزِم للقرارات، وأتاحت لها صلاحيات شبه قضائية جعلتها تحظى باحترام كافة الإدارات والمقاولات العمومية، كاستدعاء الشهود، وفحص الوثائق، وإجراء أعمال البحث والتحري وإصدار العقوبات.

موازاة مع التهيئة التشريعية والمؤسساتية، يتعين تدعيم آليات التفعيل، بداية بتطوير الأنظمة المعلوماتية الكفيلة بتيسير ولوج الجميع إلى المعلومات، على اعتبار أن جزءً من محدودية المجهود العمومي في النشر الإلكتروني للمعلومات العمومية يرتبط بتعدد المنصات الرقمية؛

ولذلك يتعين ربط مختلف المواقع الإلكترونية الخاصة بنشر البيانات العمومية ببوابة مركزية تشكل جسرًا لوصل مختلف مستودعات المعطيات التي تتحصل عليها الإدارات والمؤسسات العمومية والمحلية، الأمر الذي سيساعد بدوره على دمقرطة الولوج إلى البيانات الوطنية، ويحد من العراقيل الإدارية المقيدة للحق في المعلومة.

من جهة أخرى، يتعين مراجعة الهندسة العامة لمنصات النشر التفاعلي، بجعلها تسمح بالاطلاع على الأجوبة التي قدمتها الهيئات المعنية، ما من شأنه المساهمة في تخفيف الضغط على الإدارة، وتكريس ثقافة الحصول على المعلومة لدى المواطن، إذ يمكن لنشر الأجوبة وتصنيفها الإسهام في إرساء قاعدة معطيات معلوماتية تشكل مرجعية مهمة للاسترشاد للراغبين في الحصول على المعلومات العمومية.

إضافة إلى ذلك، يتعين الوعي بالمخاطر الاجتماعية والمجالية للهوة الرقمية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار أثناء مراجعة المساطر الخاصة بمسار الحصول على المعلومة؛ اجتماعيًا بتنويع الحلول الخاصة باستقبال ومتابعة الطلبات لتكون في متناول جميع الفئات الاجتماعية، ومجاليًا بإمداد الإدارات المحلية بالمعدات والموارد المادية والبشرية الضرورية.

علاقة بذلك، يتعين إعداد الحامل البشري المؤهل، بمراجعة المساطر الخاصة بتعيين الموظفين المكلفين وفقًا لمعايير الكفاءة والتخصص والخبرة، مع خلق آليات دائمة لتقوية قدرتهم بشكل دوري، سواء بشكل حضوري عبر تنظيم ملتقيات سنوية، أو افتراضي بخلق مساحة إلكترونية لتبادل التجارب وتقاسم الخبرات، مع اتخاذ التدابير الضرورية لمواكبتهم في مهماهم، وجعلهم قادرين على الاستجابة لطلبات الحصول على المعلومات بالسرعة والفعالية المطلوبتين.

في هذا السياق، تبرز راهنية المدخل الثقافي في الارتقاء بكفاءة نظام الوصول إلى المعلومات، من خلال السعي لتغيير الثقافة المجتمعية والمؤسسية بما يساعد على رفع التحديات التي تكبح ديناميات الانفتاح.

سواء تعلق الأمر بالمنتفعين من خلال الفعاليات التواصلية والتدريبية الرامية إلى إشاعة ثقافة الحصول على المعلومات، أو بالموظفين عبر عمليات التحفيز والمواكبة والتدريب للمساعدة على إشاعة ممارسات إدارية تتغذى على الشفافية والإفصاح، وعلى القطع مع «العقيدة التدبيرية» التي تمجد التكتم والسرية خاصة في ظل كثرة القواعد التي تغذي الثقافة السرية السائدة والفهم الخاطئ للسر المهني الذي يحد من إسهام الإداريين في وصول المواطنين إلى المعلومات العمومية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية دمقرطة الإدارة العمومية في تعزيز الولوج المنصف والمنتج إلى المعلومات، من خلال سن التدابير ذات الأولوية للانتقال من إدارة «هيراركية» إلى إدارة تفاعلية، بما في ذلك إتاحة مكاتب بالهيئات العامة متخصصة في تلقي ومعالجة طلبات الحصول على المعلومات، وتقديم حوافز للموظفين الأكثر التزاما بمواكبة طالبي المعلومات، وكذا نشر القوائم السوداء والبيضاء لإبراز درجة تفاعل الهياكل الإدارية مع طلبات الحصول على المعلومات، الأمر الذي يتطلب إحاطة الرأي العام بحصيلة الجهود التي تبذلها الإدارات لهذا الغرض في ضوء بعض النماذج الدولية، كبلغاريا، التي تلزم جميع الوزراء بالإفصاح عن أعداد طلبات المعلومات التي تم تلقيها وتلك التي تم البت فيها ضمن تقرير مفصل يُرفع إلى مجلس الوزراء، الذي يعد وينشر تقريرًا تركيبيًا بشأن كافة الجهود المبذولة للتمكين من الحق في المعلومة.

إلى جانب الجهود الرسمية، يتعين دعم مبادرات المجتمع المدني التي يمكنها مساندة المؤسسات الحكومية في تجسيد الحق في الحصول على المعلومة بطريقة منظمة ومقبولة، من خلال تثقيف المواطنين بأهمية ممارسة حقهم في الوصول إلى المعلومات، وعبر التقييم الفعلي لأثر البرامج الحكومية والإدارية التي وضعت لتشجيع ولوج الجمهور إلى المعلومات.

فضلًا عن إسهامها في تأطير النشطاء المدنيين بشأن الرهانات الحقوقية والديمقراطية للحق في الحصول على المعلومة وشفافية البيانات الحكومية، وكذا تقديم الدعم للمنصات الموازية المحدثة من جانب المنظمات المدنية لرصد مآلات طلبات الوصول إلى المعلومات.

خاتمة

خطت الدول العربية موضوع الدراسة خطوات حثيثة على درب التمكين للحق في الوصول إلى المعلومات، عبر مقتضيات دستورية حددت ضمانات وكيفيات ولوج المواطنين إلى المعلومات، وما تلاها من نصوص قانونية وتنظيمية رامت تدقيق المساطر وإرساء البنيات والآليات الخاصة بنظام المعلومات العمومية، مع الارتكاز أكثر على التقنيات المعلوماتية في تكريس الشفافية الإدارية من خلال منصات متخصصة تم الرهان عليها في تعظيم فرص وصول المواطنين للبيانات الحكومية.

لكن في المقابل، لم ترتق الحصيلة إلى سقف التوقعات كما لم تنضبط بالشكل المطلوب للمعايير الدولية، جراء تراخي الجهات الحكومية في النشر المسبق للمعطيات المتاحة، وضعف تجاوبها مع طلبات الحصول على المعلومات في ظل وجود معوقات هيكلية تحد من ممارسة الحق في المعلومة، كمحدودية الضمانات التشريعية وهشاشة الإطار المؤسساتي لإنفاذ هذا الحق الدستوري.

بالإضافة إلى الصعوبات التقنية المرتبطة بتوظيف الرقميات، والسياسية أمام ضعف الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتدابير الرامية للارتقاء بكفاءة أنظمة الوصول إلى المعلومات، في ظل الإشراك المحدود لأصحاب المصلحة وضعف التزام الحكومات بالاستحقاقات الحقوقية للولوج إلى المعلومات العمومية.

فضلًا عن ذلك، لازالت ثمة فجوات مهولة تكرس حالة من النخبوية والانتقائية بعد مرور مهل زمنية وإعداد مخططات عمل مرعية دوليًا كان من المفترض بها تعزيز فعلية التمتع بالحق في المعلومة.

من أجل تجاوز هذا الوضع، يتعين سن إصلاحات جديدة لتدارك هذا التأخر، من خلال تكثيف جهود الكشف الأقصى للمعلومات سواء في إطار تدابير الإفصاح الاستباقي بإلزام كل الهيئات العمومية بنشر الوثائق والمعلومات التي تتوفر عليها، وبتعميم نشر البيانات المفتوحة مع تحسين جودتها.

أما فيما يخص النشر التفاعلي بناء على طلب، بتطوير البوابات الوطنية المخصصة لتلقي طلبات الحصول على المعلومات والرد عليها، على نحو يسمح بمواكبة طالبي المعلومات خلال مختلف المراحل، مع تبسيط الإجراءات الخاصة بالطعن في قرارات الرفض. بالإضافة إلى ذلك، يتعين الارتقاء بصلاحيات وأدوات تدخل هيئات مراقبة أنظمة الوصول إلى المعلومة، من خلال توسيع هامش استقلالها عن الحكومة، وتكريس إلزامية القرارات التي تصدرها في وجه الإدارة، مع إصدار تقارير دورية لفحص مدى نجاعة التدابير المتخذة لتدعيم الولوج إلى المعلومات العمومية في ضوء المعايير الدولية.

______________

مواد ذات علاقة