د. لحرش عبد السلام

الشيخ محمد الغزالي في كتبه ومحاضراته أرعب الملاحدة والعلمانيين والمنافقين، والطغاة والظالمين، والجبابرة المستكبرين.

«عاش الشيخ الإمام رحمه الله عمره كله محاربًا للقوى المعادية للإسلام في الداخل والخارج، والتصدي لتياراتها، والعمل على هدم أوكارها، وهتك أستارها، وكشف عملائها، وهو هنا مقاتل عنيد، لا يستسلم ولا يطأطئ، ولا يلين يومًا.

وقف في وجه الاستعمار، وكشف عن حقيقته ودوافعه، وأنها (أحقاد وأطماع).

وفي وجه الصهيونية التي اغتصبت الأرض المقدسة وشردت الأهل، وخططت لهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل سليمان على أنقاضه.

وفي وجه التنصير الذي يريد أن يسلخ المسلمين من عقيدتهم، ليصبح المسلمون عبيدًا للصليبية الغربية.

وفي وجه الشيوعية التي سماها (الزحف الأحمر) ونبه على خطرها من قديم، واكتساحها للجمهوريات الإسلامية في آسية.

وفي وجه الحضارة المادية وإباحتها الجنسية، وعصبتيها العنصرية، ومحاولتها للسيطرة الإمبريالية، وإن لم ينكر ما فيها من عناصر إيجابية يمكن الاستفادة منها.

وفي وجه العلمانية اللادينية, التي تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، تريد الإسلام عقيدة بلا شريعة، وسلامًا بلا جهاد، ودينًا بلا دولة، واتباعًا أعمى للغرب (شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع).»

كتاب الغزالي (الإسلام والاستبداد السياسي) هو عبارة عن محاضرات ألقاها أيام كان في السجنعلى إخوانه في حكم الملك فاروق سنة 1948م، وصدرت في كتاب سنة 1949م.

يقول المعتني بالكتاب واصفًا قيمته: “هذا الكتاب من أخطر الكتب التي تناولت الاستبداد السياسي دراسة واقعية معاصرة جريئة امتزجت بالأسانيد الشرعية والمرويات التاريخية..

وليست قوة الكتاب فيما احتوى من معلومات فهذه ليست غريبة أو بعيدة عن مقدرة الشيخ الغزالي، وإنما مكمن قوته في جرأته البالغة في توجيه صفعة شديدة للطغيان في وقت كان السجن والتنكيل مصير رائدي الأقلام الحرة والضمائر الصاحية.. وكانت الرقابة على الصحف والكتب توعد بحياة الأحرار والشرفاء وتقصف بأقلامهم.

سُئل يوما عن كتابه هذا فقال: «أشهر كتبي عندما هاجمت فيها الطغيان وفساد الحكم وأسميته (الإسلام والاستبداد السياسي) وكان ذلك في أواخر الأربعينيات وكان هذا اليوم من أهم أيام حياتي، واعتبره نقطة انطلاق لى…

بمجرد أن نزل الكتاب إلى الأسواق فوجئت بالحكومة كلها تهتز وتصدر قرارا بمصادرة الكتاب.

وأحسست أن القصر الملكي اهتز بشدة من هذا الكتاب وقُبض علىّ وقُدمت للمحاكمة بتهمة مهاجمة الحكومة.. وخرجت من هذه القضية بدون أن يثبت على شيء

وعندما سُئل عن قصده من الكتاب قال: «ليس الكتاب لفئة دون فئة أو نظام دون آخر إنه لكل العصور وكل الأنظمة.. لقد طالبني رجال المباحث في العصر الجمهوري بتغيرات معينة وتحديدات خاصة، فرفضت ونالني ما نالني…»”

***

وفي هذ المقال نُجري حوارًا افتراضيًا مع الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، حول الاستبداد السياسي وخطورته، وسبل مواجهته، انطلاقا من كتابه (الإسلام والاستبداد السياسي) وبعض كتبه الأخرى

متى كرهت الاستبداد؟

كنت أكره الاستبداد قبلًا كرجل خلقه ربه حرًا، فلما لعقت مرارة القلة والاستضعاف والاختطاف، ووجدت زمامي يلعب به السفهاء كما كان صبية مكة يلعبون قديمًا بالحبل الذي رُبط فيه بلال بن رباح رسبت مشاعر الحقد في أعماق قلبي، وفهمت كيف أن اندحار الأعداء يشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم.

وهل ستتوقف يومًا ما عن مواجهة الاستبداد؟

نحن لن نتوانى عن أداء واجبنا الذى يسرنا الله له، وأعاننا عليه وسنظل نساند قضايا الحق، ونناصر أهله حتى نلقى الحق جل شأنهصادقین أوفياء.

ما موقف الإسلام من الاستبداد؟

الإسلام والاستبداد ضدان لا یلتقیان، فتعاليم الدين تنتھي بالناس إلى عبادة ربهم وحده، أما مراسيم الاستبداد فترتد بهم إلى وثنية سياسية عمياء.

وقد راعني أن أجد كثرة كبرى من الرجال العاملين في الجبهة الإسلامية مذهولين عن إدراك هذه الحقيقة الخطيرة، وهم حين يدعون إلى الإسلام ينسون ما أفاده العالم من تجارب في صراعه للحكام الظلمة الذين أساءوا إليه، وعلموه أن يحدد علائقه بهم في دساتير مضبوطة وقوانين محكمة.

هناك من يقول لا توجد أحكام تفصيلية لمواجهة الاستبداد في الإسلام، فهل هذا صحيح؟

كلا.. ففي تعاليم الإسلام وفاء بحاجات الأمة كلها، وضمان مطمئن لما تشتهي وفوق ما تشتهي من حريات وحقوق، إنما بَطشت مخالب الاستبداد ببلادنا وصَبغت وجوهنا بالسواد، لأن الإسلام خُولف عن تعمد وإصرار، طُرحت أرضًا البدهيات الأولى من تعاليمه، وقام في بلاد الإسلام حكام تسرى في دمائهم جراثيم الإلحاد والفسوق والمنكرات فخرجوا سافرين عن أخلاقه وحدوده.

ومع ذلك فقد فَرضوا أنفسهم على الإسلام إلى يوم الناس هذا.. ولو أن الإسلام ظفر يومًا بحريته، وأمكنته الأقدار أن ينتصف لنفسه، لكان جمهور هؤلاء الحكام بين مشنوق ومسجون.

و”لا ريب أن هذه المناصب تغري النفوس الطامعة، وتجعل الكثيرين يتوقون إلى اعتلائها، فلما جاء الإسلام وبدأت هداياته تشرح الصدور بالحق، وأحست الشعوب بأنها كانت ضحايا لصوصيات كبيرة، وعرف أنه ما من حق إلا بإزائه واجب، وأن الحاكم فرد يختاره الجمهور ليأخذ منه أكثر مما يعطيه، وأن الحاكم يجب أن يحس بأثقال المصالح العامة التي نيطت بعنقه، وأنه لو عَقل لتهيّب أعباء منصبه فإنها أمانة؛ سوف يُسأل عنها، لا لذة عاجلة يراد انتهازها.

لما جاء الإسلام بدأ يتكلم بدقة ووضوح، فمحا ما يفهمه الناس عن الحكم من أنه متعة ومجد. إنه مسؤولية فادحة لا يتعرض لها فيُفرّط فيها إلا أحمق سيء الظن بالله، وفى ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:((إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ علَى الإمارَةِ، وسَتَكُونُ نَدامَةً يَومَ القِيامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وبِئْسَتِ الفاطِمَةُ)) [صحيح البخاري].

هذا و”إني لا أعرف دينًا صَبَّ على المستبدين سوط عذاب، وأسقط اعتبارهم، وأغرى الجماهير بمناوأتهم، والانتفاض عليهم كالإسلام. ولا أعرف مُصلحًا أدب رؤساء الدول، وکبح جماحهم، وقمع وساوس الكبرياء والاشتهاء في نفوسهم، كما فعل ذلك نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لقد كسر القيود وحرر العبيد، ووضع التعاليم التي تجعل الحاكم يتحرى العدل والمحكوم يكره الضيم.

واستقراء أحوال الأنبياء مع أقوامهم يؤكد حقيقة واحدة، لم تزدها الأيام إلا صِدقا، وهو أن الاستبداد الأعمى عدو الله، وعدو رسله، وعدو الشعوب، وأنه لا قيام لحق في هذه الحياة إلا إذا طمست صور هذا الاستبداد، وسويت به الأرض، ومشت عليها الأقدام.

إلى ماذا ترمز كبرياء الحكام؟

وكبرياء الحكام ترمز إلى ضرب من الوثنية السياسية له طقوس ومراسيم يتقنها الأشياع، ويتلقفها الرعاع على أنها بعض من نظام الحياة الخالد مع السموات والأرض. وحيث يسود الحكم المطلق تنتقص الإنسانية من أطرافها، بل من صميمها.

إن الحكام المستبدين كالحشرات القذرة لا تعيش أبدًا في جو نظيف، ولا تنصب شباكها للصيد والنهب إلا حيث الغفلة السائدة والجهالة القاتمة.

يتبع

***

د. لحرش عبد السلام _ أستاذ باحث، وكاتب ومُدوِّن مغربي، دكتوراه في الدراسات الإسلامية.

_______________

مواد ذات علاقة