تحقيق: جمال جوهر

«سجون ومخدرات ومظالم»

شهادات عديدة ووقائع مختلفة ترفع منسوب التخوف من استخدام هذه «الورقة لأغراض سياسية مستقبلية» من قبل ساسة ليبيا. فما أطلعنا عليه «رامي أبو محمد»، كان أقل مأساوية مما تحدث عنه «منذر أبو خالد» (اسم مستعار) المقاتل السوري الذي جاء مع فوج آخر من ريف حلب.

يروي «أبو خالد» لـ«الشرق الأوسط» في إفادة مكتوبة، وهاتفياً عبر «واتساب»، تجربته التي وصفها بـ«المميتة»، وتخللها «كثير من الإذلال، والتهديد بالتصفية».

يقول: «فور وصولنا إلى طرابلس، تسلمنا أحد القياديين وأدخلنا معسكر (سوق الخميس)، وما كان أحد يخالفه الرأي إلا ويسجنه في زنازين مخصصة لمعاقبة العناصر، أو يسلط عليه مرافقيه ليكدِّروه».

«أبو خالد» وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من العودة إلى أهله في سوريا بعد، تحدث إلينا من طرابلس عن معاناته وما يلاقيه رفاقه في معسكر «الخميس» حالياً: «هناك الآلاف من المقاتلين. لا يسمحون لنا بالخروج إلى الشارع إلا في حدود ضيقة. نحن في سجن». ويضيف: «هناك عناصر يقبعون هنا من سنتين وثلاث لا يستطيعون العودة إلى سوريا ولا يحصلون على رواتبهم. الأكل والشرب قليل للعناصر، لكنه متوفر بوفرة للقادة».

وتابع قوله: «أكلوا علينا نصف أجورنا. كان الاتفاق قبل الانتقال إلى ليبيا أن نتقاضى 1800 دولار شهرياً، لكنهم لم يعطونا إلا 500. كان يصلنا سلفة شهرية قدرها 300 دولار ترسل إلى الأهل، لكنهم لاحقاً أخذوها ومنعوها بالتعنيف والتهديد».

وعلمت «الشرق الأوسط» في تلك الأثناء أن قيادة فصيل «السلطان مراد» اعتقلت نحو 20 عنصراً في معسكر «اليرموك»؛ «بسبب رفضهم تسلُّم نصف مستحقاتهم المالية، بعدما ساوموهم على البقية».

وتشابه ما رواه «أبو خالد»، مع حديث ابن موطنه «رامي أبو محمد»، حول «التغرير بهم، واستغلالهم، وتخفيض أجورهم، وعن تهريب المخدرات»، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قيادات الفصائل تتربح من وراء المقاتلين، ويتاجرون بالسلاح، والمخدرات».

ويضيف: «قادة الفصائل يعملون على تغييب عقول المقاتلين بالمخدرات وحبوب الهلوسة التي يبيعونها لهم كما يهرِّبون المخدرات إلى طرابلس عندما يتم تبديل مجموعات المقاتلين من العاصمة إلى سوريا والعكس».

ويوصف عام 2024 بأنه الأسوأ للمقاتلين السوريين، لكون آلاف منهم مُنعوا من مغادرة طرابلس، حسب المصادر.

العودة إلى ريف حلب

ودَّع «رامي أبو محمد» طرابلس، بعد نحو عامين قضاهما بين جبهات الاقتتال بجنوب طرابلس ومعسكر الإقامة في عين زارة، ليعود إلى ريف حلب الشمالي تاركاً وراءه رفاقاً لا يزالون مرهونين في معسكرات بغرب ليبيا.

نجا «رامي» من الموت، ولم ينجُ من الذكريات الأليمة التي لا تزال تسيطر على عقله، يقول: «كثير من زملائنا قُتلوا على محاور القتال، وغيرهم غرقوا في البحر بعدما فروا من المعسكرات بقصد الهروب إلى أوروبا».

الهروب إلى البحر

مع توقف الحرب، بدأ آلاف المرتزقة المجمعين في معاقلهم بطرابلس وما حولها، يضجُّون من حجب مستحقاتهم، أو تخفيضها إلى ما دون الـ200 دولار أميركي، ما دفعهم أكثر من مرة للإضراب والخروج إلى الشارع.

وأظهرت في أوقات سابقة مقاطع فيديو، تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خروج مجموعات من معسكري «اليرموك» و«سوق الخميس» جنوب العاصمة، للتظاهر في الشوارع، وإضرام النيران في إطارات السيارات، بجانب إغلاق بعض الطرق، وسط غضب المواطنين.

وتحدث رئيس «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، لـ«الشرق الأوسط»، لاحقاً عن «هروب عدد كبير» من المرتزقة من معسكراتهم بطرابلس، دون تحديد أعدادهم، لكنه قال إن بعضهم فرّ إلى مناطق ليبية مختلفة بقصد العمل، أو للهجرة إلى أوروبا.

وفي 20 سبتمبر 2023، تحدث المرصد عن هروب نحو 3 آلاف «مرتزق سوري» من القواعد العسكرية في ليبيا، باتجاه أوروبا.

طرد المرتزقة

على مدار السنوات الأربع التي تلت حرب طرابلس، اختلفت انتماءات وتبدلت ولاءات؛ لذا لم تعد النظرة الشعبية في ليبيا للمرتزقة كما كانت حينما كان حفتر على أبواب المدينة. فهؤلاء باتوا محاصَرين مُطارَدين، ومُهانين أيضاً من فئات شبابية قسَّمت السياسة توجهاتهم، بين مؤيد للدبيبة، ومعارض.

شيء من هذه الكراهية ظهر عندما احتشد عشرات الليبيين نهاية أغسطس 2023، أمام كلية الشرطة بمنطقة صلاح الدين بالعاصمة؛ حيث يتحصن مرتزقة سوريون، وطالبوا بطردهم.

وتمكن المحتجون من اقتحام كلية الشرطة، وأشعلوا النار في إطارات السيارات، وأغلقوا الطرق المحيطة، وهتفوا بعد ملاسنات مع المقاتلين السوريين في داخلها: «رانا جايينكم يا سوريين لتطلعوا من ليبيا».

ويقول الساعدي رضوان، من منطقة الهضبة، في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «سبق ومنحناهم مهلة لمغادرة ليبيا، ولم يفعلوا. إن لم تتحرك الأجهزة العسكرية في طرابلس فسنباغتهم ونطردهم»، متهماً حكومة الدبيبة بـ«منحهم أموالاً من خزينة الدولة».

حالة الرفض الشعبي المتزايدة لوجود المرتزقة في ليبيا تعكس إلى أي مدى أضحت هذه العناصر كعصف مأكول، هرسته «آلة السياسة» بعدما قضت منها وطراً. وكما ينطبق الأمر على السوريين الموالين لتركيا، ينسحب أيضاً على العناصر التابعة لروسيا.

وكان الاتحاد الأفريقي، نهاية أكتوبر 2024، أعلن عن مشروع يتعلق بالمقاتلين الأجانب في ليبيا وكيفية إدارة ملفهم. وسبق ذلك ببضعة أشهر كلام الممثل الدائم لموزمبيق لدى الأمم المتحدة، ورئيس مجموعة الأعضاء المنتخبين بمجلس الأمن، بيدرو كوميساريو أفونسو، عن أن انسحاب جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة من ليبيا بات «أمراً ملحاً».

«جرائم في الزاوية»

أنتج عمل المرتزقة في ليبيا تعاوناً مع الميليشيات المحلية، تمثل في استخدام عناصر من جنسيات أفريقية لـ«ترويع وتعذيب» الليبيين، لحساب المتناحرين في مدينة مثل الزاوية بغرب البلاد.

ولمس ليبيون، بالمنطقة الغربية، أن بعض عناصر المرتزقة من جنسيات «أفريقية» باتت تستمد نفوذاً من الميليشيات المسلحة، ما عزّز مطالب أطياف متعددة من بينها «حراك تصحيح المسار الزاوية الكبرى» بإخراج المرتزقة جميعهم.

وفي نهاية أبريل 2023، استيقظت الزاوية على عملية تعذيب، وُصفت بأنها «بشعة»، جرت لمواطنين ليبيين على يد «عناصر أفريقيين»، على خلفية نزاع بين ميليشيات تتقاتل دوماً بالمدينة.

وقائع عملية التعذيب التي أودت بحياة شاب تسببت في خروج مظاهرات إلى الشوارع، وتم توثيقها في مقطع فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي رغم قسوة المشاهد. كثيرون يرون الآن أن السلطات في طرابلس تراهن على نسيان المواطنين هذه الواقعة، لكن الأوضاع المتصاعدة في الزاوية ضد وجود المرتزقة تبقى جمرة تحت رماد.

من ليبيا إلى توغو

لا تتوقف قضية المرتزقة السوريين في ليبيا عند كونهم قوة «مُخزنة» في قواعد عسكرية مجهولة المصير، فالنزاعات التي تشهدها القارة الأفريقية حولت ليبيا إلى محطة «ترانزيت» لـمرتزقة جدد.

يخبرنا شاب سوري (تحفّظ على ذكر اسمه) أن فرقة «السلطان مراد» جنّدت شقيقه (17 عاماً)، ودُفع به إلى ليبيا الصيف الماضي، ومنها إلى «توغو» للقتال.

ويقول: «تحدث إلينا من رقم هاتف تبين أنه من توغو. ولا نعرف إن كان فعلاً في توغو. هذا طفل، ولا نعرف كيف نتصرف».

أخَوان سودانيان على الجبهة

انتهت الحرب لكن فصول المأساة لا تزال مفتوحة على قصص كثيرة بعدد أصحابها من المقاتلين، فلكل منهم حكاية. ومن تلك القصص ما جرى لأخوين سوادنيين تم استقطابهما إلى الحرب، فقاتل الأول في صفوف قوات طرابلس، وأطلق الثاني مع «الجيش الوطني» من بنغازي باتجاه جنوب العاصمة.

في نهاية ديسمبر 2023، أعدنا التواصل مع الأسرة التي أجبرتها الحرب على النزوح إلى مصر، حاملة معها أحزانها على نجلها الأكبر الذي لا يزال مصيره مجهولاً، بينما نجلها الثاني تمكّن من الهرب من الكُفرة الليبية عبر الحدود التشادية حتى وصل إلى الفاشر.

تقول والدة الشابين التي التقيناها في مدينة السادس من أكتوبر، غرب القاهرة: «لم يتواصل معنا منذ 3 سنوات. في آخر مكالمة أخبرني بأنه ركَّب رجلاً صناعية بدلاً من التي قُطعت وهو يقاتل في طرابلس».

تحفّظت السيدة السودانية في بداية الأمر عن نشر أي معلومات عن ابنيها، خوفاً من «الوصم الاجتماعي» وأنهما من المرتزقة، فدافعت عنهما قائلة: «خطفوا واحداً وغرّروا بالثانيولم نجنِ شيئاً».

لم يكن الأخ يعلم أنه تم الدفع بأخيه ليحارب مع قوات حفتر. فقد قامت إحدى شركات الحراسات بتجنيد الأصغر فوجد نفسه مقاتلاً في بنغازي. «هكذا علمنا بهذه المصيبة؛ الأخ سيقاتل أخاه»، قالتها الأم بلهجة سودانية، قبل أن توضح: «لم نخبرهما بهذا الأمر حتى عاد الأصغر متسللاً من تشاد نهاية 2022».

بتحفظ شديد، أطلعتنا السيدة التي طلبت أن نسميها «أم البشير» على مقاطع_____________

الشرق الأوسط فيديو وصلتها من ابنها الأكبر، وقالت: «بعد أن قُطعت ساقه، احتجزته ميليشيات طرابلس في أحد مخازن السلاح وصيانة وتشحيم الدبابات».

بدا الشاب فتى نحيلاً مسنوداً على عصا، وتقول أمه وهي تغالب دموعها: «عمره الآن 27 عاماً. قبل أن تنقطع اتصالاته، أخبرنا بأن رجله قُطعت بسبب رصاصة بقيت شهرين بلا علاج، وبعد قطعها احتجزوه في مخزن يخدم في مسح الأسلحة الثقيلة».

تقول «أم البشير» إن أسرتها خاطبت أجهزة كثيرة في طرابلس، من بينها حكومة «الوفاق الوطني» التي كانت تدير المعركة في السابق، برسائل عبر صفحاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وظلت على هذه الحال نحو 3 أعوام من دون أن تتلقى رداً.

بعد اشتعال الحرب السودانية، عاد بعض المقاتلين الذين حاربوا مع قوات حفتر والسراج إلى بلدهم، مصحوبين بآخرين من تشاد. أسرة «أم البشير» هُرعت إلى من تعرفه منهم، لتعلم أن نجلها شُوهد في مدينة صبراتة الساحلية (70 كيلومتراً غرب طرابلس)، وسط اعتقاد بأنه ربما غرق خلال محاولته الهروب إلى أوروبا عبر المتوسط.

تحاشت الأسرة المكوّنة من 6 أفراد، وتقطن في وحدة سكنية ضيقة، الحديث عن المقابل المادي الذي تحصَّل عليه نجلاها من المشاركة في الحرب بشرق ليبيا وغربها، واكتفت بالقول: «خسارتنا كبيرة»، مختصرة بذلك مأساة عائلات وشبان ذهبوا وقود حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

_____________

مواد ذات علاقة