خالد خميس السحاتي

موقـفُ روسـيا من الحـوار الليبي ومُخرجـاته:

تسعى موسكو للتدخل في التفاعلات الليبية لاستعادة نفوذها، فقد تلاشى نفوذها في ليبيا عقب سقوط نظام القذافي..

وفي هذا السياق، تبرُز مساعٍ لتنشيط الدور الروسي في ليبيا، وخاصة بدعم الجيش الوطني الليبي لمُحاربة التنظيمات الإرهابية العابرة للحُدُود، ووفقًا للسِّياسة الرُّوسيَّة المُعلنَة، فإنَّ موسكو تدعمُ الحُلُول السِّياسيَّة التي يتوصَّلُ إليها أطرافُ الصِّراع الليبيِّ، وتحرصُ على ضرُورة احترام الشَّرعيَّة، وعدم الاعتراف بحُكُومةٍ لا تحظى بثقة البرلمان، أو وفاقٍ سياسيٍّ لا تُرافقُهُ تعديلاتٌ في الدستُور الليبيِّ، وخُطوات لتوحيد كُلِّ الليبيين لمُواجهة التنظيمات الإرهابيَّة في جميع أنحاء البلاد، بما فيها التيَّاراتُ السِّياسيَّةُ العنيفة.

وقد رحَّبت رُوسيا بنتائج اختيار المجلس الرئاسيِّ والحُكُومة الجديدة،
وذكرت الخارجيَّةُ الرُّوسيَّةُ، في بيانٍ، “إنَّهُ يجبُ أنْ تُصبح ثمارُ عمل مُلتقى الحوار السِّياسيِّ الليبيِّ خُطوةً مُهمَّةً ومحوريَّةً في سبيل تجـاوُز الأزمـة الحـادَّة التي طال أمـدُها في البـلاد”.

وأعرب نائب وزير الخارجية الروسي المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط وأفريقيا “ميخائيل بوجدانوف” عن دعم بلاده للمجلس الرئاسي الجديد في ليبيا، وأكد المسؤول الروسي في اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي الجديد “محمد المنفي” عن أمل بلاده أن يصبح انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة معلَما على طريق تجاوز الأزمة الليبية، وجدد بوجدانوف التأكيد على نية موسكو تكثيف وتعزيز التعاون الروسي الليبي متعدد الأوجه على أساس مبادئ الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة وتقاليد الصداقة.

وفي ذات السياق، التقى رئيس المجلس الرئاسي “محمد المنفي” ونائبه موسى الكوني، يوم 2/3/2021 في طرابلس، القائم بأعمال رئيس البعثة الدبلوماسية الروسية في ليبيا، “جامشيد بولتايف”، وبحث المُجتمعُون أوجُه التَّعاوُن المُشترك بين البلديْن في العديد من القضايا المُهمَّة. إذا روسيا أيدت هذه الخطوة، وهي انتخاب المجلس الرئاسي الجديد، ورئيس الحكومة، وواصلت اهتمامها الواضح بالأزمة الليبية، انطلاقًا من موقفها المتعلق بالاهتمام بالمنطقة العربية، والحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية في ليبيا.

وفي 19/8/2021 توجهت “نجلاء المنقوش” وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية إلى موسكو في زيارة رسمية، وأعرب “لافروف” وزير الخارجية الروسي في مُستهلِّ مُحادثاته مع المنقوش والوفد المُرافق لهاعن سعادته باستقبال أول امرأة تتولى منصب وزير الخارجية في تاريخ ليبيا، وشدد الوزير الروسي على أن هذا الاجتماع يأتي في لحظة مهمة جدًا يجري فيها تقرير مصير ليبيا المستقبل، وقال: “إنه من المهم جدًا لروسيا نظرًا لدورها النشط في هذه المساعي الدولية، الاطلاع على تقييمات الحكومة الليبية المؤقتة لمُستجدات الوضع في البلاد، وتطلعاتها بشأن كيفية استمرار المجتمع الدولي في الإسهام على نحو فعال في تطبيق الاتفاقات المبرمة في جنيف في الخريف الماضي”.

من جانبها أكدت د. نجلاء المنقوش على تفعيل الاتفاقيات والبروتوكولات السابقة مع موسكو لتعجيل عجلة الاقتصاد في ليبيا، لافتة إلى التعويل على الدور الروسي في المساعدة من أجل توحيد المؤسسة العسكرية، وأضافت أن هناك توافقًا على دفع عجلة الاستقرار في ليبيا، وتنفيذ مخرجات مؤتمري برلين الأول والثاني، وتعزيز التواصل الدبلوماسي بين البلدين.

أما الرئيس الروسي “بوتين”، فقد دعى المُجتمع الدولي إلى مُواصلة الحوار مع كل الأطراف السياسية التي تتمتع بنفوذ في ليبيا. وقال بوتين، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المستشارة الألمانية “ميركل” في موسكو21/8/2021، إنَّ: “مُؤتمر برلين الثاني الذي انعقد في يناير الماضي بمُشاركتهما توصَّل إلى قراراتٍ أسهمت في تحسين الأوضاع على الأرض في ليبيا”.

ونعتقدُ الآن أنَّ على المُجتمع الدَّوليِّ أنْ يُواصل الحوار مع كُلِّ القوى السياسية التي تتمتعُ بنُفُوذٍ في ليبيا للحفاظ على هذه النتائج الإيجابيَّة وتطويرها إلى المُستوى الذي لمْ يتمَّ تحقيقُهُ بعْدُ”.

وبعد تأجيل الانتخابات قال النائب الأول للممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة “ديمتري ألكسيفيتش بوليانسكي”: إن “تأجيل العملية الانتخابية، يمكن أن يهدد بعواقب وخيمة”، مشددًا على أن بلاده تعتزم مواصلة المشاركة بنشاط في الجهود الدولية لتعزيز تسوية سياسية في ليبيا، سواء من خلال العمل الهادف مع الأطراف الليبية نفسها أو في صيغ متعددة الأطراف”.

ثالثًا: أبرز التطـوُّرات الرَّاهِـــنَةِ للأزمة الليبيَّة.

رصْـدٌ مُوجزٌ لمحطَّات الأزمة السِّياسيَّة الليبيَّة في عـــام 2021:

أدلى أعضاءُ مُلتقى الحوار السِّياسي الليبيِّ بأصواتهم صباح يوم الجمعة 5/2/2021م، على القوائم الأربعة لمُرشَّحي المجلس الرِّئاسيِّ المُكوَّن منْ: ثلاثة أعضاء ومنصب رئيس الحُكُومة، والتي قُدِّمت، واستوفت عـــدد التَّزكيـــات المطلُوبة المنْصُوص عليها في آليَّة الاختيـــار، وتتألف القائمة الفائزة من: “محمد يونس المنفي”، رئيس المجلس الرئاسي، “موسى الكوني”، عضو المجلس الرئاسي، “عبد الله حسين اللافي”، عضو في المجلس الرئاسي، و”عبد الحميد محمد دبيبة”، رئيس الحكومة.

بمُجرَّد فوز هذه القائمة، بدأت المُشاوراتُ حول تشكيل الحُكُومة الجديدة، وأعلن السيدُ رئيس الحكومة أنه سلم يوم 25/2 مُقترح معايير ومشرُوع تشكيل الحُكُومة لرئيس مجلس النواب “عقيلة صالح” بعد انتهاء المُهلة التي اقترحتها لجنة الحوار في جنيف لتسليم حُكُومته لمجلس النُّوَّاب لنيل الثقة.

وتمَّ اختيارُ مدينة سرت لعقد جلسة البرلمان المُخصَّصة لمنح الثقة للحُكُومة، وبالفعل تمَّ عقدُ الجلسة يوم 8/3/2021م. وقد تمَّ تأجيلُ التَّصويت مرَّتان؛ بسبب طلب البرلمان من رئيس الحُكُومة إجراء تعديلاتٍ عليها، منْ جهته تعهَّد الأخيرُ بإجراء التَّعديلات المطلُوبة، واستكمال تسمية الحقائب الشاغرة.

وبالفعل، أعلن رئيس الوزراء أسماء حُكُومة الوحدة الوطنية أمام مجلس النواب، مُطالبًا بمنحها الثقة للعمل على إعادة توحيد المُؤسَّسات، مُشيرًا إلى أنَّ الحُكُومة مُؤلَّفةٌ من(26 وزارة و6 وزراء دولة ونائبين)، وأعلن الدبيبة أنَّهُ جرى الاتفاق مع المجلس الرئاسي أنْ يتولَّى وزارة الدفاع رئيس الحُكُومة مُؤقتًا؛ نظرًا لوُجُود صراعٍ مُحتدمٍ على هذه الحقيبة.

وفي10/مارس، عقد مجلسُ النواب جلسته برئاسة رئيس المجلس، وتمَّ التَّصويتُ على منح الثقة للحُكُومة بأغلبيَّة 132 صوتًا، وبذلك نالت حُكُومة الوحدة الوطنية الثقة. وقد أدى رئيس حكومة اليمين الدستورية أمام البرلمان في ذات التاريخ المُشار إليه في مدينة طبرق، المقــرِّ المُؤقَّت للمجلس.

ورُغم إخفاقه المُتكرِّر في إقرار قانُون الميزانيَّة العامَّة للدَّولة 2021، عقد مجلسُ النُّوَّاب جلسةً مُهمَّةً لمُساءلة حُكُومة الوحدة الوطنيَّة يوم 8/9/2021م، وشملت نقاطُ الاستجواب عددًا من الملفَّات؛ بينها (الكهرباءُ، وجائحةُ كورونا، وتوحيدُ المُؤسَّسات، وإخراجُ المُرتزقة، وقطاعُ النفط الليبيِّ)، وسلطت المُذكَّرةُ المُحالةُ من مجلس النُّوَّاب إلى الحُكُومة_ الضَّوء على استمرار انقطاع الكهرباء لفتراتٍ طويلةٍ، فضلًا عن عدم الوفاء بالتَّعهُّدات المُتكرِّرة لحلِّ تلك المُشكلة، ووجَّهت لجنة الدفاع والأمن القومي أسئلة حول “إجراءات تسمية وزير الدفاع”، والتي طالب بها البرلمانُ مُسبقًا.

يُشار إلى أن الخلاف على الميزانية التي فشل البرلمان في تمريرها بعد ثماني جلسات، يشكل عنصرًا أساسيًّا في التوتر المتزايد بين الأطراف السياسية في ليبيا، حيث يتهم الدبيبة البرلمان بـ”التعمد” في تعطيل عمل الحُكُومة، مُوضِّحًا أنَّ مُبرِّرات النواب بعدم المُوافقة على مُقترحاته المُتكرِّرة للميزانيَّة “غير حقيقيَّة وواهية”، وأنَّ حُكُومتهُ أعدَّت “برنامجًا تنمويًّا منْ أجل ليبيا، لكنَّ البرلمان عطَّل بشكْلٍ مُتعمَّدٍ خُططها”، كما أعلن رفضهُ تهديدات البرلمان بسحب الثقة من الحُكُومة التي يقُـودُهــا.

وفي جلسة استجواب الحُكُومة 8/9/2021، أكَّد الدبيبة احترامه المساءلة، والالتزام بالشفافيَّة، وفي ملف “إخراج المُرتزقة” قال الدبيبة: “نحنُ كليبيين لا نقبلُ بهم، لكن نحنُ كحُكُومةٍ تسلَّمْنا وهُم موْجُودُون، لمْ نأْتِ بهم، لكن لا نقبلُ بهم في كُـلِّ رُبُـوع ليبيا”.

وفي يوم 21/9/2021 م، أستأنف مجلسُ النُّوَّاب جلستهُ الرَّسميَّة، التي خُصِّصتْ للتَّصويت على سحب الثقة من الحُكُومة، بناءً على الطلب السَّابق من 45 نائبًا، وبعد تنفيذ القانون رقم (4) لسنة 2014 من خلال الاستماع لجلسة المُساءلة للحُكُومة، وبعد توفُّر النِّصاب في الجلسة تمَّ التَّصويتُ على سحب الثقة من الحُكُومة بأغلبيَّة (89 صوتًا) منْ أصوات أعضاء المجلس الحاضرين فعليًّا في الجلسة، وهُمْ 113 نائبًا، لمْ يتم احتسابُ 11 صوتًا آخر مُطالبين بسحب الثقة من النواب الذين لمْ يتمكَّنُوا من الحُضُور، وبالتالي، “استمرت الحُكُومة بعد سحب الثقة في تصريف وتسيير الأعمال اليوميَّة”

الاستحقاقُ الانتخابيُّ في 24 ديسمبر 2021، وإشكاليَّاتُ التأجيل والتعثر:

رغم ما يبدُو منْ إجماعٍ ودعمٍ دوْليٍّ لإجراء الانتخابات في موعدها، فإنَّ السِّياقات السَّائدة تعكسُ التَّوجُّس وعدم الثقة بين الأطراف، وتضاؤُل احتمالات جلاء القُوَّات والمُسلَّحين الأجانب من البلاد، وبينما اتَّفق مُلتقى الحوار السياسي الليبى على أنَّ أولى مهام السلطات: التمهيد لإجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، فقد اقتصر دورها على الكلام دون الأفعال، بينما تؤكد مصادر مختلفة سعيها تمديد فترة ولايتها .إلى عامين على الأقل

كما أن المجلس الرئاسي الذى أوكلت له مهمة تحقيق المصالحة الوطنية انشغل في الزيارات الخارجية، ولم يتمكن من ممارسة دور القائد الأعلى للقوات المسلحة. هكذا يبدو واضحًا أن جوهر العوائق سياسي بالدرجة الأولى، ويرتبط بالصراع الدائر بمشاركة خارجية منذ 2011 م.

لقد عجز مُلتقى الحوار السياسي عن وضع قاعدة دستورية للانتخابات، فعاد مجلس النواب للمُداولة، وأعد مشروع قانون لانتخاب الرئيس مباشرة من الشعب، على أن يقوم بوضع قانون مشابه لانتخاب البرلمان القادم لاحقًا، لكن الفاعلين والديناميات المشار إليها سلفًا، عادت لتفعل فعلها، لتزيد المشهد إرباكًا وتُعزِّز التَّأزُّم.

هكذا، وضمن هذه الأجواء أصدر رئيسُ البرلمان قانُونًا لانتخاب الرئيس أعلنت مُفوضيَّة الانتخابات استلامها لهُ، تمْهيدًا للعمل الفعليِّ، ورحَّبت به البعثة الأمميَّةُ في ليبيا وعددٌ من الدُّول، لكنَّهُ لقي مُعارضة عددٍ من النواب لمُخالفته اللوائح الدَّاخليَّة، إضافةً إلى اعتراض مجلس الدَّولة الاستشاريِّ وأطرافٍ سياسيَّةٍ مُختلفةٍ.

ومع احتمال أن يعيد مجلس النواب النظر في القانُون المذكُور ليحظى بقبُول كُلِّ الأطراف تبقى العقبة الكأْداءُ هي أنَّ الأطراف الحاليَّة تخْشى أنْ تُحيلها تلك الانتخاباتُ إلى “التَّقاعُد الإجباريِّ”، أي الخُرُوج من المشهد نهائيًّا؛ ولذلك تسعى إلى العرقلة بحُججٍ مُخْتلفةٍ. وبصرف النَّظر عن ذلك فإنَّ هُناك أسبابًا للاختلاف بين الأطراف، بدْءًا من الهدف من الانتخابات.

وما إذا كانت تتضمَّنُ الاستفتاء على مُقترح الدستُور الدَّائم الذي أنجزتهُ، وسط مُعارضةٍ وشُكُوكٍ مُتعدَّدةٍ، الهيئةُ التَّأسيسيَّةُ لصياغة الدستُور، أمْ إجراء انتخاباتٍ لهيئةٍ تشريعيَّةٍ أو برلمانٍ جديدٍ، أم انتخابُ رئيس للدَّولة وبرلمانٍ جديدٍ في آنٍ واحدٍ، وانتهاء بالعلاقة بين السُّلطات وتحديد اختصاصاتها.

يتبع

________________

مواد ذات علاقة