خالد خميس السحاتي

الأزمةُ الليبيَّةُ: واقترابُ مرحلة الحسم السِّيــاسيِّ:
إنَّ المراحل الانتقاليَّة المُتعاقبة التي عاشتها الدولة الليبية مُنذُ سُقُوط نظام القذافي عام 2011م، تسبَّبتْ في هدر كثيرٍ من الوقت والجُهد والثَّروات (المادِّيَّة والبشريَّة) لهذا البلد، وأدخلتهُ لمرَّاتٍ عديدةٍ في أتُون حُرُوبٍ شرسةٍ، لعبت فيها الأطرافُ الإقليميَّةُ والدَّوليَّةُ أدورًا بارزةً.
ومع فشل تحقيق الاستحقاق الانتخابي المنتظر تتزايد التحديات المحدقة بالدولة الليبية، وتدخل هذه الأزمة مرحلة جديدة مليئة بملامح الإخفاق، ومشُوبة بخيبة الأمل من تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ووفقًا لهذا السِّياق، فإنَّ صراعات المحاور تبْدُو أكثر حدَّةً في المشهد الرَّاهن؛ لسببٍ جوْهريٍّ يصعُبُ تفاديه، وهُو “تعارُضُ المصالح”، فالأطرافُ المعْنيَّةُ بصياغة قواعد العمليَّة السِّياسيَّة، عبر البرلمان أو المجلس الأعلى للدَّولة، أو المُشاركين في منْحها صكَّ المشْرُوعيَّة عبر المُلتقى السِّياسيِّ، هُمْ أنفُسُهُم مُرشَّحُون أو مُمثلُون للقوى التي ستترشَّحُ في الانتخابات المُقبلة.
وبالتَّالي يسعى كُلُّ طرفٍ إلى هندسة المُخْرجات لصالحه، وهُو ما يُفسِّرُ صُعُوبة التوافُق على القاعدة الدُّسْتُوريَّة، لاسيما ما يتعلَّقُ بتراتُبيَّة الاستحقاقات: (الاستفتاءُ على الدستُور– الانتخاباتُ الرِّئاسيَّةُ والتَّشريعيَّةُ بالتَّزامُن أم بشكلٍ مُنفصلٍ– آليَّةُ انتخاب الرَّئيس وصلاحيَّاته).
البرلمانُ الليبي وملامحُ “خارطة الطريق”:
أصدرت هيئة رئاسة مجلس النواب الليبي 23/12/2021 م، قرارًا بتشكيل لجنةٍ مُكوَّنةٍ منْ عشرة أعضاء بالبرلمان للعمل على إعداد مُقترحٍ لخارطة طريق ما بعـد 24 ديسمبر، بعد أنْ لاحت في الأفق ملامحُ الإخفاق في تحقيق ذلك الاستحقاق الانتخابي.
وكانت المُفوَّضيَّة العُليا للانتخابات في ليبيا اقترحت تأجيل الانتخابات شهرًا آخرًا، وإجراء الاقتراع يوم 24 يناير المُقبل، بعد تعثُّر مرحلة الطُّعُون بسبب النزاعات القانُونيَّة والسِّياسيَّة، وهُو ما أدَّى إلى استحالة إجرائها في موعدها المُقرَّر. كما سيطرت الأجواءُ المُتوتِّرةُ على الميدان بعد تهديد ميليشيات مُسلَّحةٍ بمنع الانتخابات، ما أثار مخاوف من إمكانيَّة أنْ يُؤدِّي إجراؤُها إلى ضرب الاستقرار وتهديد عمليَّة السَّلام في البلاد.
وكان رئيس مجلس النواب المستشار “عقيلة صالح” في جلسة 7 فبراير، أعلن اعتماد المجلس “خارطة الطريق”، التي تنص على أن تُجرى الانتخابات خلال 14 شهرًا من تاريخ تعديل الإعلان الدستوري.
وفي 10/2/2022م عقد البرلمانُ جلستهُ الرَّسْميَّة، حيثُ تمَّ التَّصْويتُ على إقرار التَّعديل الدستُوريِّ الثاني عشر، (بعد إقراره منْ لجنة خارطة الطريق بالبرلمان وكذلك لجنة المجلس الأعلى للدَّولة المُختصَّة بهذا الصَّدد والتَّوافُق على هذا التَّعْديل).
وكانت نتيجة التصويت: إقرار التعديل بـ(126) صوتًا من أصل النواب الحاضرين، الذين تجاوز عددُهُم 147 نائبًا. وجاء في المادة الأولى من التعديل المشار إليه: تُعدَّلُ الفقرة (12) من المادَّة (30) من الإعلان الدُّستُوريِّ بحيثُ يجري نصُّها على النَّحْو التَّالي:
-
تشكل لجنة من 24 عُضوًا من الخُبراء والمُختصِّين مُمثلين بالتساوي للأقاليم الجغرافية التاريخية الثلاث، يتم اختيارهم من قبل مجلسي النواب والدولة مُناصفةً، مع مُراعاة التنوع الثقافي، تتولى مراجعة المواد محل الخلاف في مشروع الدستور المُنجز من قبل الهيئة التأسيسية، وإجراء التعديلات المُمكنة عليه، ولها في سبيل إنجاز مهمتها الاستعانة بمن تراه مناسبًا.
-
في أول اجتماع لها خلال أسبوعين من تاريخ إصدار هذا التعديل أو برئاسة أكبر الأعضاء سنًّا تنتخب بطريق الاقتراع السري رئيسًا لها ونائبًا ومُقرِّرًا، وتضع اللائحة الداخليَّة المُنظمة لعملها.
-
تنتهي اللجنة من إجراء التعديلات خلال خمسة وأربعين يومًا بدءًا من أول اجتماع لها خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ صدور هذا التعديل، ويحال مشروع الدستور المعدل مباشرة إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات للاستفتاء عليه، وإذا تعذر إجراء التعديلات بعد انتهاء هذه المدة تتولى لجنة مشكلة من مجلسي النواب والدولة –خلال مدة أقصاها شهر– إعداد قاعدة دستورية وقوانين انتخابية ملزمة للطرفين لدورة رئاسية وبرلمانية واحدة، ويحال النظر في مشروع الدستور المنجز من قبل الهيئة التأسيسية إلى السلطة التشريعية الجديدة.
-
يصدر مجلس النواب قانون الاستفتاء وقوانين الانتخابات العامة بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة وفق الأساس الدستوري. يعاد تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ويصحح وضعها القانوني، وتتولى إجراء الاستفتاء والانتخابات العامة تحت إشراف القضاء الوطني وبمراقبة محلية ودولية.
-
تعتمد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات النتائج النهائية للانتخابات، وتعلنها وتباشر السلطة التشريعية الجديدة عملها بعد مضي ثلاثين يومًا من إعلان نتائج الانتخابات النهائية، وفي أول جلسة لها يحل مجلس النواب والدولة وتقوم السلطة التشريعية الجديدة بأداء مهامها وفقًا للدستور.
كما تمَّ في هذه الجلسة التَّصويت على منح الثقة للسيد فتحي باشا آغـا، بإجماع النواب الحاضرين، وذلك بعد أن استمع إلى برامج المترشحين لرئاسة الحكومة، وعددهم اثنان، ممن استوفوا متطلبات الترشح.
وكان رد فعل الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية هو رفضه لتسليم السلطة لرئيس الحكومة الذي تم منحه الثقة من البرلمان، بحجة أنه سوف يسلم السلطة لجهة منتخبة. وأنه لايزال يمارس عمله وفق مدد خارطة الطريق المحددة بـ18 شهرًا، وقال باشا آغا: “نحن اليوم نبدأ صفحة وطنية جديدة عنوانها السلام والمحبة لا مكان فيها للأحقاد وسأعمل على أن أكون عند حسن الظن”.
وفيما استعرضت ميليشيات موالية لرئيس حكومة “الوحدة” الوطنية، عبد الحميد الدبيبة_ قوتها في العاصمة طرابلس، دافع رئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري” عن قرار مجلس النواب تنصيب فتحي باشا آغا لرئاسة حكومة الاستقرار الجديدة في البلا،.
وقال المشري في بيان متلفز: “إن تنصيب باشا آغا تم بالتوافق مع مجلس النواب والنص المصاحب للتصويت بمنح الثقة في مارس الماضي لحكومة الدبيبة، على أن تنتهي مدتها في 24 ديسمبر 2021 م”.
من جانبها، سعت المبعوثة الأممية الخاصة “ستيفاني ويليامز” إلى الوساطة؛ حيث اجتمعت مع الدبيبة بمقر حكومته في طرابلس، وأوضحت أنهما استعرضا العملية الجارية، لافتة إلى أنها أكدت مجددًا أهمية أن تعمل جميع الأطراف الفاعلة والمؤسسات ضمن الإطار السياسي وأن تحافظ –قبل كل شيء– على الهدوء على الأرض من أجل وحدة ليبيا واستقرارها.
كما أكدت ويليامز في اجتماعها مع من وصفته برئيس الوزراء المكلف “فتحي باشا آغا”، ضرورة المضي قدمًا بطريقة شفافة وتوافقية من دون أي إقصاء، مشيرة إلى أنها شددت على الحفاظ على الاستقرار في طرابلس وفي جميع أنحاء البلاد، وأنه يتوجب مواصلة التركيز على إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة وشاملة في أقرب وقت ممكن.
الخـاتمـة:
نخلُصُ ممَّا تقدَّم إلى أنَّ الأزمة السِّياسيَّة الليبيَّة (المُعقَّدة ومُتعدِّدة الأبعاد) مرَّت بعدَّة محطَّاتٍ مُهمَّةٍ( سياسيَّةٍ، ودُستُوريَّةٍ،…)، وتباينت حولها رُدُودُ الأفعال الإقليميَّة والدوليَّة، تبعًا لمصالح الأطراف المُختلفة التي انخرطت في هذه “الأزمة” عبر مراحلها المُختلفة.
وعلى ما يبدُو فإنَّ التَّوافُقات الهشَّة بين الفُرقـاء الليبيين، والحوارات السِّياسيَّة المُتتالية، برعايةٍ أُمميَّةٍ ودوْليَّةٍ، لمْ تُثمر حُلُولًا سياسيَّة ناجعةً، ولمْ تُحقِّق توافُقًا سياسيًّا حقيقيًّا، فما يزالُ تناقُضُ المصالح، وصراعُ المحاور، والبحثُ عن الغنائم من الكعكة الليبيَّة هُو سيِّدُ الموقف حتَّى هذه اللحظة.. وأمام معطيات ما بعد منح الثقة للسيد باشا آغا كرئيس للحكومة الجديدة، وسيره قدمًا نحو تشكيل حكومته، ورفض عبد الحميد الدبيبة تسليم السلطة لهذه الحُكُومة تُشيرُ
كُلُّ الدَّلائل إلى أنَّ هذه الأزمة ستشهــدُ مزيدًا من التَّطوُّرات المُهـمَّة في الفترة القريبة المُقبلة..
_________________