
مداخلة الدكتور عمر زرموح
تم أعطيت الكلمة إلى الدكتور عمر زرموح أستاذ الاقتصاد بالإكاديمية ورئيس منظمة الحوار الوطني، جاء فيها:
مداخلتي اليوم لا تتحدث عن كيفية تحويل الاقتصاد الليبي إلى اقتصاد متقدم كدول أمريكا وأوربا بل سأكتفي بالحديث عن كيفية الوصول بالاقتصاد الليبي إلى وضعه الذي كان في سنتي 2012ـ2013 حيث كانت جميع المؤسسات الاقتصادية والسياسية موحدة ولم تكن هناك أي سوق سوداء للنقد الأجنبي ولا أي مشكلة في السيولة بل بالعكس كانت المصارف التجارية في هاتين السنتين لديها من فوائض السيولة ما يدعو إلى البحث عن وسائل لتوظيف هذه الفوائض المالية.
بإلقاء نظرة عامة على الوضع الاقتصادي في ليبيا يمكن القول أنه لإحداث التغير الاقتصادي المطلوب ووضع القطار على السكة شرطان: شرط ضروري وشرط كاف.
الشرط الضروري:
ويتكون هذا الشرط من نقطتين تتمثل الأولى في ضرورة فتح النفط حقولا وموانئ وتتمثل الثانية في تحقيق الاستقرار الأمني.
ويمكن القول من متابعة أعمال اللجنة العسكرية تدعو للتفاؤل فقد أخرج المرتزقة من حقول وموانئ النفط ورفعت القوة القاهرة وبدأ إنتاج النفط في التزايد تدريجياً حتى وصل الإنتاج إلى 800 ألف برميل في اليوم. كذلك فإن من مقررات اللجنة العسكرية فتح الطريق الساحلي والطرق بين المدن التي أغلقت بسبب الحرب وإزالة الألغام والمفخخات، وكلها مؤشرات تدعو للتفاؤل في في تحقق عودة النفط والاستقرار الأمني تدريجياً إذ دون ذلك لا يمكن الانطلاق لأي إصلاح اقتصادي.
الشرط الكافي:
فإذا تحقق الشرط الضروري فإن هناك شرطاً كافياً يتكون من جملة من النقاط كل نقطة تمثل قضية قابلة للنقاش.
أولاً: إعادة الفرع المنشق لمصرف ليبيا المركزي إلى حضن المصرف الأم:
وأقصد بذلك فرع البيضاء الذي تمرد منذ عام 2016 بإقدامه على طباعة أوراق نقدية بطريقة مشكوك في وجود تغطية مالية لها كما يشترط قانون المصارف رقم (1) لسنة 2005 علاوة على أن الإدارة المختصة بالإصدار تقع في طرابلس في المقر الرئيس للمصرف.
إن هذه الوضع لا يمكن، من وجهة نظري، وصفه إلا نوعاً من العبث المرفوض بكل المقاييس العلمية والقانونية. لذلك فهذا الوضع لا يمكن قبول استمراره تحت أي مبرر، وأن هذه التجاوزات لن تكون مقبولة في دولة واحدة مثل ليبيا خاصة وأن المادة الثالثة من قانون المصارف رقم (1) لسنة 2005 قد نصت صراحة على أن المقر الرئيس لمصرف ليبيا المركزي هو مدينة طرابلس.
إن الأمر يستوجب اتخاذ خطوات جادة لمعالجة هذا الخلل. ولذلك دعا السيد محافظ مصرف ليبيا المركزي إلى إجراء مراجعة وتدقيق لحسابات الفرع. لكن كردة فعل غير موضوعية طالب البعض بأن يسري التدقيق على المصرف الأم أيضاً بل تجاوز البعض ذلك إلى ان اعتبر أن المصرف الأمر هو الآخر فرع مما يدعو للسخرية.
كما أن عملية التدقيق يجب أن تبدأ من عام 2014 وهو تاريخ انشقاق الفرع إلا أن البعض حورها إلى عام 2011 لأسباب شخصية كما يبدو وكردة فعل غير مبررة. ومما يؤسف له أن البعثة الأممية لم تكن جادة في تنفيذ المراجعة والتدقيق إلا مؤخراً وبعد مضى وقت طويل في التجاوزات دون حسيب أو رقيب.
ثانياً: توحيد المؤسسات:
وأقصد بذلك ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الأمن بعدم التعامل مع المؤسسات الموازية وهي القرارات التي بقيت حبراً على ورق حتى الآن. لكن في إطار التطورات الأخيرة ربما تصبح الأمور أكثر جديدة في هذا الخصوص.
ثالثاً: توحيد سعر الصرف:
ليس هناك خلاف بين الاقتصاديين في ضرورة توحيد سعر الصرف وإنهاء السوق السوداء للنقد الأجنبي بل لا يوجد اقتصادي من يدعو لتعدد أسعار الصرف. أضف إلى ذلك فإن ليبيا كانت قد تعهدت منذ عام 2003 لصندوق النقد الدولي بالالتزام بسعر صرف موحد.
أخذا في الحسبان كل ذلك فإنه، وإن كان من الضروري إنجاز عملية توحيد سعر الصرف في أقرب وقت ممكن، إلا أن ذلك يجب أن يكون دون ارتجال، فليس كل توحيد لسعر الصرف مرحبا به فلا يقبل أن يكون ذلك بأي ثمن لأن في ذلك خطأ كبيراً ألا وهو الوقوع فريسة للتضخم.
لذلك فإن الحكمة تقتضي اتباع آليات لتخفيض سعر صرف النقد الأجنبي تدريجياً للوصول إلى أدنى سعر صرف توازني للنقد الأجنبي. ومثل هذه الآليات طبقت أعوام 1999-2001 ونجحت كما طبقت عامي 2018-2019 وفشلت بسبب العدوان على طرابلس وإغلاق الحقول والموانيء النفطية. لذلك فمن الواضح أنه لا يمكن السير قدماً في أي إصلاح اقتصادي إلا بتحقق الشرط الضروري المذكور أعلاه.
رابعاً: تطوير الإنتاج
لا يختلف اقتصاديان في أن زيادة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تؤدي إلى نجاحات ملموسة في جانب الضغط على التضخم، وازدياد الصادرات وتحسين وضع ميزان المدفوعات للدولة مما يعزز من قيمة عملتها.
لذلك فالمسألة ليست محصورة في التحكم في عرض النقود النقود بتقليصه بل بالعكس إذ يمكن أن ينمو عرض النقود بمعدل لا يزيد على معدل نمو الناتج ومع ذلك يتحقق الاستقرار النقدي وتتحقق السيطرة على التضخم.
إن زيادة الإنتاج غير مرتبطة بمشروعات الحكومة فقط ولا مشروعات القطاع الخاص فقط بل إنها مرتبطة بكليهما. إن ما يميز فترة ما بعد ثورة فبراير أنها أعادت الثقة للمواطن فلم يعد من المتوقع أن تستولى الحكومة على أملاك الناس تحت أي مبرر ولا تأميم مشاريعهم، ولذلك إذا تحقق الاستقرار الأمني فإن العملية الإنتاجية ستنطلق دون حدود.
ولقد رأينا كيف أن صندوق النقد الدولي يضع وزناً أكثر لعملة الدولة التي تحقق صادرات أكثر مما يجعلها من العملات الدولية العملات الدولية الاحتياطية التي تستخدم في المدفوعات الدولية مثل الدولار والجنيه الإسترليني واليورو والين والإيوان.
خامساً: الدين العام
لقد بدأت بعض وسائل الإعلام تتحدث عن 50 مليار دينار دين عام لم ترد في تقارير مصرف ليبيا المركزي ولا نعلم لها مبررا. لذلك أؤكد هنا على الآتي:
– إن الدين العام يجب أن يصدر به قانون كما هو الحال غالباً عند إصدار قانون الميزانية العامة للدولة أو ما يعرف بالترتيبات المالية.
– لا يجوز لأي كان أن ينفق أي مبلغ ويطالب بجعله ديناً عاماً ليحمل به خزانة الشعب. إن الحكومة يجب ألا تملك أن تدفع شيئاً سوى وفق المخصصات المعتمدة بالميزانية.
– إن الشعب الليبي يجب ألا يحمل بتكاليف حرب فرضت عليه، بل بالعكس يجب تحميل دول العدوان بهذه التكاليف مع تحميلها أيضاً بتعويضات عادلة نظير القتل والتشريد والدمار الذي سببته الحرب.
ثم جاء دور الدكتور أيوب المازق في كلمة جاء فيها:
إن ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي سيعقد في تونس في 9 نوفمبر المقبل، برعاية الأمم المتحدة، ليمثل مرحلة مهمة من أجل استعادة ليبيا لسيادتها، وكذلك لاستعادة الشرعية الديمقراطية للمؤسسات الليبية خصوصا أن هذا الملتقى يأتي بعد اجتماعات خاضها الإخوة الليبيون (المنقسمون) في عواصم أوروبية وعربية مختلفة.
يهدف الحوار الليبي في تونس إلى وضع خارطة طريق تهدف إلى “تحقيق رؤية موحدة حول أطر وترتيبات الحكم التي ستفضي إلى إجراء انتخابات وطنية في أقصر إطار زمني ممكن”
وبالرغم من أهمية ملتقى الحوار الليبي، الذي يأتي في مرحلة حرجة من عمر ليبيا, ظهرت أصوات لها تأثير هام في المشهد الليبي تنادي برفض ومقاطعة ملتقى الحوار الليبي قبل بدايته.
استعرض الباحث
أولا: أهم الأسباب الباعثة على رفض و مقاطعة ملتقى الحوار الليبي في تونس:
-
رفض أي حوار قبل البت في بعض الملفات الهامة والحساسة وعلى رأسها
-
(1) المقابر الجماعية.
-
(2) خروج المقاتلين الأجانب والمرتزقة.
-
(3) تدمير المدن.
-
(4) الخطف والتهجير.
-
(5) الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.
-
-
رفض طريقة اختيار البعثة الأممية لفريق الحوار؛ حيث إنها تجاهلت مدنا ليبية عدة في التمثيل. وكذلك عدم دعوة العديد من الشخصيات ومنظمات المجتمع المدني، بل حتى إنها تجاهلت بعض الفصائل العسكرية التي كان لها دور هام في حرب طرابلس الأخيرة.
من ناحية أخرى استعرض الباحث أهم الأسباب التي يمكن أن تفسر تشاءم بعض الليبيين من هذا الملتقى وإمكانية فشله. وهي:
-
تفكيك ملف الأزمة الليبية و تقسيمها إلى عدة مسارات (دستوري، أمني عسكري, اقتصادي و سياسي) قد يؤدي إلى تعميق الخلاف و التنافس و إطالة عمر الأزمة, خاصة أن هذه المسارات المتعددة ترعاها عواصم عربية و أوروبية مختلفة, و كل دولة من هذه الدول لها مصالح خاصة. كل هذا يؤثر بالسلب على ملف الأزمة الليبية بشكل عام وعلى ملتقى الحوار الليبي السياسي بشكل خاص.
-
التخوف من أنه قد لا تساوي البعثة الأممية في تعاملها مع كل أعضاء الحوار, فقد تغلب مؤسسة على فرد، أو شخصية عامة على أخرى دون الأخذ في الاعتبار مبدأ الشفافية و الانفتاح على جميع أعضاء الحوار دون تمييز.
في الختام ينبه الباحث إلى أنه في الأساس يشجع الحوار الليبي. كما أنه يفهم جيدا أنه من المستحيل إعداد قائمة مثالية لفريق الحوار دون أن يرفضها أحد. إلا أنه يرفض إعادة تدوير نفس الوجوه و والأشخاص و تلميعها و ثم فرضهم كممثلين للشعب الليبي.
أخيرا ينبه الباحث إلى نقطة قانونية مهمة, وهي أنه يجب على البعثة الأممية و فريق الحوار السياسي الليبي الأخذ بعين الاعتبار الإعلان الدستوري الليبي و الاتفاقات الأخرى الملزمة (قبل هذا الحوار) إّذا إن تجاهل هذه الأمور قد يعرقل –مستقبلا– أي اتفاق أو مخرجات.
كما ينبه أيضا إلى ضرورة التئام مجلس النواب الليبي المنقسم؛ إذ أنه لا يمكن مثلا القيام بأي تعديل دستوري أو قانوني دون حصول النصاب القانوني المحدد لإجراء التعديل و هذا أمر لا يتصور دون التئام مجلس النواب الليبي.
وعلى إثر ذلك، تم فتح باب النقاش من المشاركين في الندوة.
______________