محمد نعيم

في مقطع فيديو على منصة تيك توك، نقلت من خلاله حفل زفاف ابنة رئيس اتحاد يهود ليبيا، روفائيل لوزون، أعادت الأمازيغية سفيرة ليبيا لدى المكسيك سناء المنصوري، جدلاً في أوساط ليبية وعربية حول طبيعة العلاقات بين حكومات ليبيا واليهود ذوي الأصول الليبية، ومدى ارتباط تلك العلاقات بقنوات اتصال ليبيةإسرائيلية غير معلنة (أحياناً)، قبل ثورة 15 شباط/ فبراير 2011، وبعدها.

قبل عام تقريباً من واقعة المنصوري، عقدت وزيرة الخارجية السابقة في حكومة الوحدة الوطنية نجلاء المنقوش، لقاءً في روما مع نظيرها الإسرائيلي إيلي كوهين. وبرغم استبعاد روفائيل لوزون، إمكانية عقد اللقاء من دون تلقّي ضوء أخضر من رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، آثر الأخير إقالة الوزيرة هرباً من صخب الشارع الليبي، خاصةً بعد تسريب الخارجية الإسرائيلية أنباء اللقاء، وقال معلّقاً: “ما حدث في روما أمر جلل حتى وإن كان اللقاء بين المنقوش ونظيرها الإسرائيلي هامشياً“.

حساسية الملفات غير المعلنة بين طرابلس وتل أبيب

وبين لقاء المنقوش نظيرها كوهين، سرّاً في روما، ونقل المنصوري حفل زفاف ابنة لوزون، لم يغب حضور رئيس اتحاد يهود ليبياعن الكواليس؛ وفيما رأى بصفته عرَّاب العلاقات السرّية بين ليبيا وإسرائيل، أن توقيت عقد لقاء روما لم يكن مناسباً، أقرّ بالتزامه دور همزة الوصل، والخروج بعدها من الصورة، وهو ما يشي بحساسية القضايا ذات الصلة بالجانبين.

الباحث الإسرائيلي اليهودي ذو الأصول الليبية، مدير معهد دراسات وأبحاث يهود ليبيا، يعقوب حجاجي ليلوف، يتفق مع لوزون حول حساسية الملفات غير المعلنة بين طرابلس وتل أبيب؛ ونقلت عنه صحيفة ماكوريشونالإسرائيلية ما نسبه إلى المنقوش، حول دواعي تطبيع العلاقات مع إسرائيل: “إسرائيل تطالب ليبيا بتسديد تعويضات بقيمة 200 مليار دولار لصالح اليهود الذين غادروا عام 1967، لكنها تعهَّدت بالتنازل عن التعويضات مقابل تطبيع علاقات رسمية مع طرابلس، وعدّت تنازلها مجرد نقطة بداية“.

وفي محاولة لترسيخ ما يوصف بحقوق يهود ليبيا في التعويضات، عاد ليلوف إلى وصول معمر القذافي إلى رأس السلطة عام 1969: “حينها اتخذ قراراً بوضع أموال اليهود الليبيين تحت الوصاية لمدة 15 عاماً. بعد انتهاء المدة، ناشده اليهود بالإفراج عن الأموال“.

ويضيف الباحث الإسرائيلي: “التقيت بثالث أقوى شخصية في نظام القذافي، من أجل وضع حلّ للمسألة، وتلت اللقاء اجتماعات أخرى، لكنها لم تسفر عن نتائج على الأرض“.

ولم يستنكف ليلوف، في المقابل اعترافاً باهتمام القذافي البالغ باليهود ذوي الأصول الليبية، فعكف على التواصل الدائم معهم، وابتكر حلّ الدولة الواحدة إسرائيل وفلسطين، وفقاً لسياسة الكتاب الأخضر“.

وفي إطار اجتماعات القذافي مع صديقه اليهودي المقرّب روفائيل لوزون، أمدّه ليلوف بكتاب من تأليفه عن يهود ليبيا، وأعرب في الإهداء عن حلمه بالعودة إلى ليبيا في منصب أول سفير إسرائيلي لدى طرابلس.

تورط نتنياهو في صفقات غير مشروعة مع القذافي

تلقّى ليلوف، من القذافي، دعوةً لإلقاء محاضرة أمام طلاب جامعة طرابلس، لكنه لم يمتلك في حينه جواز سفر بجنسية غير الإسرائيلية لتتسنى له تلبية الدعوة، ومن ثم إلقاء المحاضرة.

ويضيف لصحيفة ماكوريشون“: “حرص القذافي على توعية الطلاب بدور اليهود الليبيين، تماماً مثل حرصه خلال إحدى زياراته للعاصمة روما على لقاء اليهود الليبيين الذين استقرّوا في إيطاليا بعد مغادرة ليبيا“.

وإذا اعتمدت إسرائيل في التقارب مع ليبيا على إحراز مكاسب اقتصادية، فلا ينبغي القفز على واقعة استفادة بنيامين نتنياهو، بشكل شخصي، من ثمار تعاون غير شرعي مع ليبيا القذافي، تحدّى به الطرفان حينذاك العقوبات الأمريكية المفروضة على ليبيا، إذ تورط نتنياهو في فضيحة كبيرة حول علاقته بشركة سيدريفت كون وهي شركة إسرائيلية تتخذ من ولاية تكساس مقرّاً لها.

وكان يملكها في السابق ابن عم رئيس الوزراء الإسرائيلي ناثان ميليكوفسكي.

حقق نتنياهو عائداً يزيد على 700% من أسهم الشركة التي اشتراها عام 2007، وباعها في 2010؛ وبحسب تقرير لموقع هافينغتون بوست، اتهمت وزارة التجارة الأمريكية شركةً أخرى مملوكة لميلكوفسكي، ببيع أقطاب غرافيت (موصلات كهرباء) لليبيا في عهد معمر القذافي، خلال العامين 2007 و2008، وعدّت واشنطن الخطوة انتهاكاً للوائح حظر الانتشار النووي. خلال تلك الفترة، كانت، المورّد الرئيسي للمواد الخام لشركة، ما يعني أن نتنياهو استفاد من صفقات مبيعات الشركة لليبيا.

لولا النفط لما اهتمّ أي شخص في العالم بدولة ليبيا

حتى بعد ثورة 15 شباط/ فبراير 2011، لم يغب بصيص علاقات الظلّ وعوائدها بين ليبيا وإسرائيل، وحضر أيضاً دور يهود ليبيا في ترتيب لقاءات بين دوائر الجانبين.

وتفيد وثائق تحصَّلت عليها صحيفة كلكاليستالإسرائيلية، بأن شركتي AMES (الشركة الشقيقة لـNexa في دبي)، و Intelexa، اللتين يديرهما قادة سابقون في هيئة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عرضتا من خلال يهود ليبيين في شباط/ فبراير 2019، تقنيات لتعقب أجهزة الهواتف الخليويَّة على نظام المشير خليفة حفتر، في بنغازي، إلا أنه بعد مداولات طويلة اقتصر توقيع الصفقة على تقنيات تنصُّت على المكالمات الهاتفية، واعتراض شبكات الإرسال الخليوي.

وبينما يقرّ رئيس اتحاد يهود ليبياروفائيل لوزون، بأنه لولا النفط لما اهتمّ أي شخص في العالم بليبيا، بحسب حواره مع قناة أخبار 14″ الإسرائيلية، لم تخرج ثروات ليبيا من جدول طموحات إسرائيل، لا سيما صندوق الاستثمار الحكومي السرِّي، الذي تصفه الكاتبة الإسرائيلية دفنا ماؤور، بـمفتاح إعادة بناء ليبيا بعد انتهاء القتال، وكلمة السرّ في تنمية مستقبل الاقتصاد الليبي“.

وفي تقريرها في صحيفة ذي ماركرالإسرائيلية، أشارت ماؤور، إلى أن أصول الصندوق الليبي تبلغ 70 مليار دولار، بما في ذلك ممتلكات مربحة للغاية في شركات غربية.

ووفقاً لصندوق النقد الدولي، تمتلك ليبيا أصولاً أجنبيةً في البنك المركزي وهيئة الاستثمار بقيمة 152 مليار دولار، اعتباراً من نهاية عام 2010، وهو مبلغ يمثل 160% من ناتجها المحلي الإجمالي، ويمتلك أصولاً تصل إلى 70 مليار دولار، وهو ما يعادل 75% من حجم الاقتصاد بأكمله.

كما يمتلك الصندوق استثمارات في مجموعة من الشركات الأوروبية الكبرى، من بينها بنك يونيكريديتالإيطالي، ودار النشر البريطانية شركة بيرسون” 

وفيما لا ينشر الصندوق، الذي يبلغ حجمه نفس حجم صندوق الثروة السيادي القطري، أي معلومات تقريباً، نظراً إلى أن موقعه الإلكتروني لا يزال قيد الإنشاء، أظهر تقرير سنويّ نادر صدر عام 2009، سيولة الصندوق الذي يحتفظ بأكثر من 78% من الأدوات المالية قصيرة الأجل في الخارج، ويستثمر 8 مليارات دولار فقط في استثمارات طويلة الأجل في شمال أفريقيا وآسيا وأوروبا.

يتبع

***

محمد نعيم ـ صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائيلية وعضو في نقابة الصحافيين.

______________

مواد ذات علاقة