
شهـدت السَّـاحةُ الليبيَّةُ مُؤخَّـرًا مجمُوعةً من التَّطوُّرات المُهمَّة محلِّيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، ألقت بظلالها على المسارات المُختلفة لتسوية الأزمة السِّياسيَّة المُعقَّــدة التي تشهـدُهـــا البلـدُ مُنذُ عــدَّة سنــــواتٍ.
فتلك الأزمة بالأساس هي نتيجةٌ لعوامل داخليَّة وأُخرى خارجيَّة، حيثُ يُلاحظُ أنَّ العديد من القوى الإقليميَّة والدُّوليَّة أيَّدت في البداية ثورة فبراير2011 ضدَّ نظام القذافي، ثُمَّ تغيَّرت مواقفُ بعضها مُنذُ عام 2014، ومع أنَّ ليبيا شهدت عمليَّة تحوُّل ديمقراطيٍّ ملحُوظة خلال السَّنوات (2012-2014)، إلَّا أنَّ الحرب الدَّاخليّة التي اندلعت في البلاد في تلك الفترة قد زادت الأزمة تعقيدًا.
وتبدُو الأوضاعُ في ليبيا حاليًّا مُرشَّحةً للمزيد من عدم الاستقرار السِّياسيِّ رغم ما تقُومُ به حُكُومة الوحدة الوطنيَّة المُؤقتة والمجلس الرئاسيِّ من خُطواتٍ وقفزاتٍ في اتِّجاهاتٍ مُختلفةٍ، ورُبَّما مُتناقضةٍ في بعض الأحيان. تسيرُ البلادُ في طريقٍ تبدُو معالمُهُ غيرَ واضحةٍ، وهُو ما يطرحُ سيلًا من الأسئلة حول الواقع وآفاق المُستقبل القريب.
في هذا الإطار، تتناولُ هذه المقالة المحاور التالية:
أوَّلًا: خصـائصُ الصِّراع السِّياسيِّ في ليبيا،
ثانيًا: دورُ القـوى الكُبرى في الأزمة الليبيَّة،
ثالثًا: أبرز التطـوُّرات الرَّاهِـــنَةِ للأزمة الليبيَّة.
***
أولًا: الخصائصُ الرَّئيسة للصِّـراع في ليبيا:
وهي كما يلي:
-
الصِّراعُ الليبيُّ صراعٌ مُمْتدٌّ ومُتجذِّرٌ، وليس صراعًا فقط على السُّلطة، بل على الثروات والهويَّات الدِّينيَّة، والمناطقيَّة، والاجتماعيَّة.
-
انتشارُ القُوَّة في الدَّاخل بدُون فاعلٍ مركزيٍّ يُمكنُهُ السَّيطرةُ على قواعد اللعبة، ومنْ ثمَّ صياغةُ بناءٍ سياسيٍّ أو أمنيٍّ أو اجتماعيٍّ داخل ليبيا، وهُو ما يُقابلُهُ انتشارٌ للقُوَّة في الخارج؛ فالسَّاحةُ الليبيَّةُ تشهدُ محاور إقليميَّة مُتعـدِّدة ومُتناقضة.
-
تعثُّرُ الانتقال السِّياسيِّ لمراحل ما بعد ثورة2011 م في ليبيا، على الرغم منْ تحقيق عدَّة استحقاقاتٍ انتخابيَّةٍ مُهمَّةٍ، مثل: انتخابات المُؤتمر الوطني العام في2012 م، ومجلس النواب، ولجنة صياغة الدستُور في 2014م، كما استمرَّتْ وتيرةُ الانتخابات البلديَّة بعد 2014 م، حيثُ تمَّ انتخابُ العديد من المجالس.
-
أدَّت الأزمة الليبيَّة إلى أزماتٍ فرعيَّةٍ على المُستويات الوطنيَّة، مثل: الأزمات الاقتصاديَّة والماليَّة والإنسانيَّة والماليَّة.
-
أدَّت الأزمةُ الليبيَّةُ إلى تحالُفاتٍ جديدةٍ، وإعادة تحالُفاتٍ بين القوى الإقليميَّة والعالميَّة، على أساس المصالح المُتبادلة، وترتيباتٍ مُختلفة لتوازُن القــوى.
ثانيًا: دورُ القـوى الكُبرى في الأزمة الليبية:
كان العـامـلُ الخـارجيُّ في الأزمة الليبيَّة–مُنذُ بدايتها عام 2011- مُهمًّا ومُؤثِّرًا وحاسمًا بشكلٍ واضحٍ، فمُنذُ تدخُّل حلف (الناتو)، وإسقاط نظام القذافي، عُقدتْ كثيرٌ من المُؤتمرات الدُّوليَّة والإقليميَّة حول ليبيا، وطُرِحَتْ العديدُ من المُبادرات لحلِّ هذه الأزمة، وُصُولًا إلى مُؤتمر برلين(1) في 19 يناير 2020، وإعلان القاهرة في 6/يونيو/2020، ومُؤتمر برلين(2) في 23/يونيو/2021..
وكان هناك حالة من الشد والجذب بين الولايات المتحدة وروسيا فيما يتعلق بالأزمة الليبية؛ حيث اتهمت الإدارة الأمريكية موسكو–أكثر من مرة–بانخراطها في تلك الأزمة إلى جانب الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، عبر إرسال بعض المُقاتلين الروس، مُعتبرةً أنَّ ذلك منْ شــأنه تـأجيج الصِّراع، وتهديد حالة الاستقرار في ليبيا، وهُو ما تنفيه موسكو بشكلٍ قــاطعٍ.
وكانت الدولتان قد أكدتا موقفهما الداعي لأولوية الحلول السلمية عقب إعلان المشير حفتر في 12/ديسمبر/2019م بدء حسم معركة “طوفان الكرامة”، ودخول قواته إلى قلب العاصمة طرابلس.
موقـفُ الولايات المُتحدة من الحـوار الليبي ومُخرجـاته:
استبقت إشاراتُ إدارة الرَّئيس جو بايدن بشأن الملف الليبيِّ، مُحادثات مُهمَّة برعاية الأُمم المُتحدة في جنيف، حول ترتيبات المرحلة الانتقاليَّة في ليبيا.
الدَّعوة التي وجَّهها رئيسُ البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة “ريتشارد ميلز جونيور”، بـ”الشروع فورًا في سحب القوات التركية والروسية من ليبيا.. بما فيها جميع العناصر المرتزقة والمندوبين العسكريين الأجانب”_ تعتبر تحولًا ملحوظًا في سياسة الإدارة الجديدة مقارنة بسياسة الرئيس السابق دونالد ترامب؛ ذلك لأنها دعوة صريحة لـ”جميع الأطراف الخارجية، إلى احترام السيادة الليبية والوقف الفوري لجميع التدخلات العسكرية”.
وتحمل هذه الخطوة، تحريكًا للملف الليبي إلى سُلَّم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، في الشرق الأوسط. وتأكيدًا على قلق واشنطن من تداعيات الأزمة الليبية على ملفات استراتيجية أخرى منها 🙁متطلبات أمن مناطق نفوذ حلف شمال الأطلسي، وإمدادات النفط والغاز، واستقرار منطقة الساحل والصحراء.
وعقب انتخاب عبد الحميد دبيبة، يوم 5/2/2021م، كرئيس للوزراء للفترة الانتقالية، وفوز محمد المنفي برئاسة المجلس الرئاسي، من قِبَلِ المُشاركين في الحوار بين الفرقاء الليبيين في سويسرا برعاية الأمم المتحدة، تمهيدًا للانتخابات المُقرَّرة في ديسمبر 2021، أكد سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا “ريتشارد نورلاند” خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي_ دعم واشنطن للمجلس والحكومة الجديدة لتأدية مهامِّهما.
وسبق أنْ أكد نورلاند، فور انتخاب السُّلطة الجديدة أنَّ: “تفاعُلًا أكثر قادمًا منْ واشنطن”، مُضيفًا: “في الوقت الحاليِّ نُقدِّمُ تهانينا الحارَّة لجميع الليبيين والمُشاركين في مُلتقى الحوار السِّياسيِّ الليبيِّ، والقادة القادمين والمُغادرين على التزامهم بمُستقبل ليبيا السِّلميِّ”.
وفي أواخر شهر أبريل 2021 طالبت الولاياتُ المُتحدة السُّلطات الليبيَّة بإعادة فتح الطريق السَّاحليِّ “مصراتة– سرت” على الفور، كخُطوةٍ أساسيَّةٍ للتَّنفيذ الكامل لاتِّفاقيَّة وقف إطلاق النار”.
وقالت السَّفارةُ الأمريكيَّةُ لدى ليبيا في بيانٍ لها: “تدعمُ الولاياتُ المُتحدةُ، إلى جانب بعثة الأمم المُتحدة للدَّعم في ليبيا، بقُوَّةٍ اللجنة العسكريَّة المُشتركة 5+5 ودعوتها لإعادة فتح الطريق السَّاحليِّ على الفور”. واعتبرت أنَّ إعادة فتح هـذا الطَّريق “خُطوةٌ أساسيَّةٌ للتنفيذ الكامل لاتِّفاقيَّة وقف إطلاق النَّار”.
من جانبه، وصف وزير الخارجية الأمريكية بالوكالة “جـوي هـــود” ليبيا بـ”الدولة الفاشلة”، مُؤكِّدًا على ضرُورة خُرُوج القُوَّات الأجنبيَّة من ليبيا، مُؤكِّدًا أنَّ بلادهُ: “تُريدُ إجراء انتخاباتٍ ليبيَّةٍ في موعـدهـــا المُحدَّد في: 24 ديسمبر2021م”، وأضاف: “اختلفنا في الكثير من الأمور، لكننا متفقون على ضرورة مُغادرة القوات الأجنبية“.
كما اتضح الاهتمام الأمريكي بالشأن الليبي من خلال تمرير الكونجرس لقانون استقرار ليبيا في سبتمبر 2021، الذي يستهدف معاقبة الجهات الخارجية التي تتدخل في الشأن الليبي، مع معاقبة داعمي المرتزقة والميلشيات، ومنتهكي الحظر الأممي للأسلحة وحقوق الإنسان.
من ناحية أخرى، كثفت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) من تحركاتها الرامية نحو مواجهة وجود المرتزقة والقوات الأجنبية في الأراضي الليبية، على أمل أن يساهم ذلك في تجاوز فوضى السلاح.
وقد أكدت “ستيفاني ويليامز” أنه: “من الناحية الجيواستراتيجية تُعدُّ ليبيا مصلحة قومية حيوية للولايات المتحدة”، لذلك تُلقي واشنطن بثقلها خلف إجراء الانتخابات في موعدها. وفي ضوء ذلك، من المرجَّح أن تسعى واشنطن لاستخدام كل أدوات الضغط الدبلوماسية والاقتصادية لطرد روسيا من ليبيا، وإبعادها عن الجناح الجنوبي لحلف الناتو.
وذلك يعني أن الضغط قد يطول بعض حلفائها في المنطقة، وقد أشار”بايدن” إلى أنه سيكون أقل تسامحًا مع انخراط حلفاء الولايات المتحدة في صراعات تقوض أهداف واشنطن، وربما كان تجميد صفقة بيع طائرات “إف35” للإمارات قد جاء ردًّا على بعض التفاهمات التي تمت بين أبو ظبي وموسكو في ليبيا خلال السنوات السابقة.
وبعد تأجيل الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في ديسمبر 2021 عبر السفير الأمريكي في ليبيا “ريتشارد نورلاند”، عن “خيبة أمله” إزاء هذا التأجيل، مؤكدًا أنه: “يجب أن يكتسب العمل باتجاه الانتخابات أولوية، بما يتماشى مع رغبات عموم الليبيين القوية”.
و”يجب على القادة الليبيين التعجيل بمعالجة جميع العقبات القانونية والسياسية أمام إجراء الانتخابات”. ممَّا يعني الانخراط الكامل منْ قبل إدارة بايدن في الملف الليبي، بعكس توجُّهات إدارة ترامب، التي آثرت الابتعــاد، والتركيز فقط على مُكافحة الإرهـــاب.
…
يتبع
________________