بهي الدين حسن

تُرجع الدراسات الأكاديمية فشل الدول إلى ثلاثة عوامل أساسية، سنلاحظ أنها تنطبق على أغلبية الدول العربية بدرجات متفاوتة (العامل الأول منها لا ينطبق على بعض الدول المصدرة للنفط في منطقة الخليج):
-
ضعف القدرة أو تلاشيها على تلبية حاجات المواطنين الأساسية والخدمات العامة.
-
انهيار القانون والنظام،
إما بسبب استخدام مؤسسات الدولة لقمع مواطنيها وإرهابهم بشكل مفرط، أو فقدان الدولة لاحتكار شرعية استخدام العنف وعدم قدرتها على حماية مواطنيها.
-
فقدان المصداقية أمام المجتمع الدولي.
أحد أبرز عوامل فشل مشروع الدولة الوطنية تكمن في عدم تثمين نظم الاستقلال الوطني في العالم العربي للأهمية المركزية لتحقيق الاندماج القومي بين مختلف الأعراق والطوائف الدينية في الدولة، وأن ذلك لا يمكن أن يتحقق بالقسر والقهر، بل يجب أن يجري في سياق عملية حوار مجتمعي استراتيجي بعيد المدي.
لكن ذلك لم يكن من خصائص أغلبية الحكام الذين أنجزوا استقلالًا وطنيًا هشًا لا يرتكز على مشروع اقتصادي تنموي مستدام ولا اندماج قومي؛ بل جرى قمع من طالبوا بذلك باعتبارهم أعوانًا للاستعمار وعملاءً للغرب الساعي لتفتيت وحدة المجتمعات في العالم العربي. لا يعني هذا أن التوتر مع الدول الاستعمارية السابقة وممارساتها العدائية قد توقف، لكن ذلك «يكاد يكون نقطة في بحر كارثية الأنظمة العربية».
فتحت رايات شعارات هوجاء غير مدروسة، ولم يجر حولها أي حوار مجتمعي؛ شنت دول مستقلة حديثًا مغامرات عسكرية باهظة التكلفة، بشريًا وماديًا (الجزائر مع المغرب، مصر في اليمن واستفزاز إسرائيل للحرب في مايو 1967، العراق مع إيران وغزو الكويت، تدخل سوريا العسكري في لبنان ضد اللبنانيين والفلسطينيين).
وأجرت بعض نظم الاستقلال الوطني أعمال قمع منظم ضد الأمازيغ في المغرب والجزائر، وضد الأقليات الأفريقية في السودان، وضد الأغلبية الشيعية في العراق والبحرين، وضد الأكراد في سوريا والعراق، وضد السنة في سوريا، وضد الشيعة في السعودية.
بل اتخذت في بعض الدول أشكال حروب الإبادة (العراق وسوريا والسودان). التفسخ الذي أصاب كيانات عدة دول في سياق الربيع العربي هو أحد تجليات الحصاد المر لفشل الاندماج القومي. حتى أن مصر، إحدى أكثر دول المنطقة تماسكًا عبر التاريخ، لم تعد محصنة وفقًا لروبرت سبرينجبورج.
أتفق مع الأكاديمي المصري عمرو حمزاوي في الدور الحاسم الذي لعبه ما يسميه نمط «القيادة المُدمِّرة» في فشل الدول العربية بشكل خاص،
فرغم أن الخلل البنيوي والتوترات الاجتماعية مهمة لتفسير انهيار الدولة وفشلها، إلا أن هذه الظاهرة هي من صنع الإنسان إلى حدٍّ كبير، ذلك أن أخطاء القيادة تدمّر الدول القابلة للحياة أو تمنعها حتى من الظهور، وغالبًا لأسباب الكسب الشخصي.
والحال أن سلسلة القرارات التي يتّخذها الحكام والكادرات الحاكمة هي التي تُفرغ بالتدريج قدرات الدولة من مضمونها، وتفصل الدولة عن المجتمع، وتولّد حركات المعارضة أو تشعل لهيب الحرب الأهلية.
الواقع أن الحالة البائسة التي انتهي إليها العالم العربي بعد سبعة عقود من الاستقلال لم يكن من الممكن حدوثها لولا ابتلاء عدد من دوله «بزعماء مدمرين»، بل مصابين بجنون العظمة، من أمثال جمال عبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي وغيرهم.
غير أن هذا المسار «الاستعماري الوطني» توغل لأصعدة خيالية لم تخطر ببال رواد التحرر الوطني في النصف الأول من القرن الماضي. ففي سياق قمع ما يُعرف بـ«الربيع العربي» جلب «نظام التحرر الوطني» في سوريا قوات أجنبية روسية وإيرانية وميلشيات لبنانية وعراقية ومرتزقة من باكستان وأفغانستان للمعاونة في قمع تطلعات الشعب السوري للحرية.
وأتاح نظام الحكم الطائفي في العراق لإيران ممارسة تأثير مباشر على القرار اليومي السياسي والأمني والعسكري في العراق، بما في ذلك قمع تطلعات الشعب للحرية والتحرر من نفوذ إيران في سياق الموجة الثانية للربيع العربي 2019. كما استعان نظام الحكم الملكي في البحرين بقوات من السعودية والإمارات العربية لقمع الانتفاضة الشعبية 2011.
اليوم التالي
لقد استنفدت حقبة التحرر الوطني في العالم العربي أغراضها منذ عدة عقود. ما تعاني منه المنطقة ليس مجرد فشل شامل مزمن في كل المجالات، بل أيضًا حالة تعفن للنخب السياسية –حكامًا ومحكومين– ونكوص للخلف يتضافر على جذب المجتمعات صوبه حكام وفاعلون متعددي الخلفيات العقائدية والسياسية.
في ضوء العرض السابق، فإن الحركة الحقوقية في العالم العربي بحاجة لأن تعيد تفحص الأرض التي تقف عليها بعناية، وكذا مهامها المستقبلية وأولوياتها واستراتيجياتها، وعلى رأسها كيف «تتمكن من إحداث تغيير جوهري مهم في رؤي ومحاور حركة وممارسات قوي اجتماعية رئيسية» في بلادها، على النحو الذي يحث عليه محمد السيد سعيد، وألا تحاصر نفسها أو تسمح بأن يحاصرها فاعلون آخرون في مربع واعظ تبشيري أو أن تصير مجرد «فضاء أخلاقي».
وما يجعل عملية إعادة التقييم أكثر إلحاحًا التطورات الهامة الجارية في المنطقة –منذ هجمة حركة حماس في 7 أكتوبر الماضي وحرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة في غزة–وانعكاسات ذلك على تفاقم الموقف السلبي لدى الرأي العام في العالم العربي تجاه القانون الدولي، نتيجة ازدواجية معايير الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الغرب.
جدير بالتأمل أن الرأي العام العربي ذاته لا يكترث بالمآسي الجارية بالتوازي في الوقت نفسه في السودان، مثلما لم يكترث منذ نحو عقدين من الزمان بالتطهير العرقي في دارفور وجنوب السودان، وكما لم يكترث لعمليات الإبادة في سوريا في سياق الربيع العربي، أو في العراق ضد الشيعة والأكراد في زمن صدام حسين ثم غزوه الكويت واحتلالها، وكذلك بالمأساة الإنسانية المتواصلة في اليمن منذ عدة سنوات. جدير بالملاحظة أيضًا؛ أنه في المآسي السالف الإشارة إليها لم تكن إحدى دول الغرب متهمة بارتكابها أو بحماية مرتكبيها.
بل كان الغرب في قفص الاتهام بسبب انتقاد دوله هذه الجرائم، وتبنيه موقف أخلاقي وسياسي صحيح بشكل عام. هذا النمط من الازدواجية يعيد تسليط الأضواء على السؤال الذي انطلق منه هذا المقال، أي المهمة الغائبة للحركة الحقوقية في العالم العربي، بل ومستقبل قضية حقوق الإنسان ذاتها؟
من ناحية أخرى، فإن زيادة عمق الهوة بين الحكومات العربية وبين الشعوب المحبطة من موقف حكوماتها، ومن تقييد حريتها في الاحتجاج علي حرب الإبادة في غزة قد لا يستمر إحباطا معها؛ إذ ليس من المستبعد أن يقود ذلك التراكم في الإحباط الجماعي والشعور بالعجز لتمرد واسع النطاق في دولة أو أكثر.
هذا بالطبع قد يحمل معه –إذا حدث– تحديات نوعية جديدة تتعلق بمستقبل المنطقة أو بعض دولها. وبالطبع يحمل أيضًا تحديًا إضافيًا لحركة حقوق الإنسان، وينقل الرد على سؤال «ما العمل» لمستوى نوعي آخر، بصرف النظر عن مدى صواب تنبؤات بعض المحللين لليوم التالي في العالم العربي.
***
بهي الدين حسن ـ مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
_____________
