عبدالله الكبير

موجات من السخرية راجت بين قطعان المستوطنين في فلسطين المحتلة، عقب الهجوم الذي نفذته حكومة الاحتلال على إيران، فالرد لم يكن بمستوى التهديدات التي سبقته من قادة حكومة نتنياهو، بل كان محسوبا بدقة، وكشفت وسائل إعلام شهيرة عن ابلاغ إيران مسبقا بالمواقع التي سيتم قصفها، ولم يكن من بينها المنشآت النووية والنفطية.

 أمريكا ضبطت بدقة إيقاع الحرب، ورسمت حدودها منذ البداية عقب عملية 7 أكتوبر، وكان خطها الأحمر الوحيد تقريبا هو عدم انفجار حرب كبيرة في الشرق الأوسط، فلم تسمح لكيان الاحتلال باستهداف منشآت حيوية في إيران قد تدفعها للانتقام، ثم أعلنت أنها لم تشارك في الهجوم، بينما صرحت السلطات الإيرانية أن الهجوم تم احباطه ولم يلحق بها ضررا كبيرا.

 من أهم نتائج الهجوم الذي جاء ردا على قصف إيران كيان الاحتلال بنحو مائتي صاروخ، هو انهيار مبدأ الردع لدى كيان الاحتلال، فالعقيدة التي قام عليها الاحتلال هي الرد المفرط في العنف لردع كل من يفكر أو يخطط لاستهداف الكيان.

لكن الرد هذه المرة كان ناعما، ولم تجرؤ عصابات الاحتلال على توجيه ضربات كبيرة تطال مواقع حيوية في إيران، لأن تهديدات إيران كانت جدية برد أشد قوة وأكثر تدميرا، وحرصا على مصالحها في منطقة الخليج ضبطت أمريكا إيقاع التصعيد بين إيران وكيان الاحتلال.

فتم تفادي سيناريو استهداف كيان الاحتلال بمئات الصورايخ دفعة واحدة، تعجز معها دفاعاته الجوية عن تدمير جزء منها، فتصيب منشآت الطاقة ومحطات الكهرباء وقواعد عسكرية وغيرها من المواقع التي سيتسبب تدميرها في شل حركة الكيان.

يرى كثير من المراقبين أن القصف المباشر المتبادل بين إيران وكيان الاحتلال انتهى، فإيران لن ترد ولكنها ستواصل استهداف الكيان عبر حزب الله في جنوب لبنان، والفصائل المسلحة في سوريا والعراق وانصار الله في اليمن، ليستمر مأزق الاحتلال وغرقه في أتون حرب لا تبدو نهايتها قريبة.

ولم يحقق أي حسم في أي من جبهاتها، وهذا مؤشر واضح على قرب نهاية كيان الاحتلال ثم زواله نهائيا، وكذلك تراجع الهيمنة الامريكية على المنطقة وباقي العالم.

 قدمت أمريكا وباقي الحلفاء الغربيين دعما صلبا لكيان الاحتلال على مدى شهور الحرب، فزودت الكيان بالأسلحة والدخائر والمساعدات المالية لاسناده اقتصاديا، ووفرت له الغطاء السياسي والدبلوماسي، وكانت شريكا في هذا العدوان الهمجي الوحشي على غزة ثم جنوب لبنان، وأرسلت أساطيلها البحرية لردع أي دولة تفكر في الهجوم عليه.

ولكن كل هذا الدعم لم ينقذ كيان الاحتلال، الذي وقف عاجزا عن تحقيق أي هدف من الأهداف التي أعلنها عشية عدوانه، ومايزال عالقا في ميادين القتال، يعود جنوده وضباطه من الجبهات إما جرحى أو في توابيت، مايؤكد ليس عجزه فحسب، وإنما فشل أمريكا في إنقاذه من حتمية زواله، وتحطم المشروع الأمريكي بالهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط والمنطقة العربية، بتوكيل كيان الاحتلال والدول المتواطئة معه قيادته، لتتفرغ هي لحربها الكبرى مع الصين وروسيا.

 لن تكون النهاية قريبة بالطبع، بل سوف تستغرق وقتا يقدر بالعقود وليس بالسنوات، فطور النهاية للإمبراطوريات يستغرق مابين قرن إلى قرنين، انهيار الامبراطورية الرومانية استغرق مائتي عام، وكذلك الامبراطورية العثمانية، ولكن المتابع المدقق في صعود وهبوط الامبراطوريات عبر التاريخ، سيرى بوضوح مؤشرات بداية أفول أمريكا ونهاية هيمنتها على النظام الدولي.

_____________

مواد ذات علاقة