ثانيًا: تغيير محافظ المصرف المركزي:

أعلن المجلس الرئاسي، في 18 أغسطس 2024، عن اتخاذه قرارًا بالإجماع يقضي بتنفيذ قرار مجلس النواب رقم 3/2018 بشأن انتخاب محافظ جديد لمصرف ليبيا المركزي وتشكيل مجلس إدارة جديد.

وكان المجلس الرئاسي قد أصدر قرارًا بتعيين محمد الشكري محافظًا لمصرف ليبيا المركزي في قراراه 19 لسنة 2024 إلى حين الاتفاق على تسمية محافظ وفقًا للتفاهمات السياسية التي خلص إليها الحوار الليبي – الليبي برعاية الأمم المتحدة.

وقد قوبلت هذه الخطوة بالرفض الشديد من قبل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي أكد، في 19 أغسطس 2024، استمرار محافظ المصرف المركزي الليبي الصديق الكبير في منصبه إلى حين الاتفاق مع المجلس الأعلى للدولة في ملف المناصب السيادية.

وأكد صالح أن صلاحيات المجلس الرئاسي محددة وفقًا لمخرجات ملتقى الحوار السياسي (اتفاق جنيف 2021) الذي تشكل بموجبه المجلس الرئاسي، و”ليس منها تعيين أو إعفاء محافظ المصرف”، مشيرًا إلى أن تعيين شاغلي المناصب السيادية (منها محافظ المصرف المركزي) “يكون بالاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة”، كما أعتبر عقيلة صالح أن صلاحية الرئاسي تعد منتهية، مشيرًا إلي أن مجلس النواب قرر بالجلسة السابقة انتهاء عمل السلطة التنفيذية المتمثلة في حكومة الوحدة والمجلس الرئاسي.

والجدير بالذكر هنا، أن قرار المجلس الرئاسي يأتي بعد أيام من إعلان مجلس النواب إيقاف العمل بقراره تكليف محمد عبدالسلام الشكري محافظًا لمصرف ليبيا المركزي.

حيث أعلن المجلس أن إيقافه العمل بالقرار رقم (3) لسنة 2018 الذي تم بموجبه تعيين الشكري “وذلك لمضي مدة تكليفه وعدم مباشرة مهام عمله من تاريخ صدور قرار تكليفه” كما أعلن في ذات السياق استمرار العمل بقرار هيئة رئاسة مجلس النواب رقم (25) لسنة 2023 القاضي بتكليف الصديق عمر الكبير محافظًا لمصرف ليبيا المركزي ومرعي مفتاح رحيل البرعصي نائبًا للمحافظ.

وبالتوازي، أصدر المجلس الأعلى للدولة، في 19 أغسطس 2024، بيانًا أعلن فيه رفض قرار المجلس الرئاسي بشأن تغيير محافظ المصرف المركزي الليبي، معلنًا استمرار الكبير في منصبه إلى حين التوافق مع مجلس النواب في شأن شاغلي المناصب السيادية، مشيرًا إلى جملة من نصوص الوثائق الدستورية التي تحصر التفاهم حول شاغلي المناصب السيادية بين مجلسي النواب والدولة.

من جانبه، أكد قائد قوات الشرق الليبي خليفة حفتر، خلال اجتماعه مع القائمة بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني خوري في 27 أغسطس 2024، على عدم السماح بالمساس بمؤسسة مصرف ليبيا المركزي العريقة، مشيرًا إلى ضرورة احترام الجهات الشرعية والدستورية المخولة بالنظر في المناصب السيادية ومن بينها منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي.

وذلك وفقًا لمخرجات الاتفاق السياسي الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، معربًا عن رفضه للإجراءات غير القانونية التي قامت بها أطراف سياسية فاقدة للشرعية ولا تملك أي صلاحيات بالخصوص (المجلس الرئاسي)، محملًا إياها المسؤولية الكاملة عن الأزمات التي يعاني منها الشعب الليبي بسبب تلك القرارات.

ولكن وعلي الرغم من هذه الحالة الكبيرة من الرفض، فقد أصر الرئاسي على موقفه وكلف لجنة لاستلام مقر المصرف المركزي وتمكين الشكري من منصبه حتى لو استدعى الأمر استخدام القوة. وبالفعل، أعلن مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي المكلف من المجلس الرئاسي استلامه مهام إدارة المصرف بشكل كامل. في حين رفض الصديق الكبير إقالته وأغلق مقر المصرف ومنح الموظفين إجازة مفتوحة وعطل المنظومة المصرفية.

فيما أعلنت الحكومة الليبية، المدعومة من البرلمان في بنغازي، عن تعليق الإنتاج والتصدير النفطي من جميع الحقول والموانئ النفطية الليبية، مستندة إلى حالة القوة القاهرة؛ لمنع تحويل الإيرادات النفطية إلى المصرف المركزي.

وقد كاد الأمر أن يصل إلى الانجرار إلى مواجهة مسلحة داخل طرابلس في 23 أغسطس 2024. عندما اصطفت بعض التشكيلات المسلحة التي تؤمن مقر المصرف إلى جانب محافظ المصرف الحالي الصديق الكبير الرافض لقرار الرئاسي، وأخرى اصطفت إلى جانب الرئاسي، وكانت على وشك اقتحام مقر المصرف لتمكين مجلس إدارة المصرف، الذي كلفه الرئاسي، البدء بأعماله. لكن عدة وساطات محلية، إلى جانب البعثة الأممية، استطاعت تهدئة الوضع.

ويمكن القول بأن أزمة تغيير محافظ المصرف المركزي تكاد تكون كاشفة لجميع الخلافات بين الأطراف الليبية، وهو ما يمكن توضيحه كما يلي:

1- من يملك صلاحية تعيين المناصب السيادية:

حيث يؤكد مجلسا النواب والأعلى للدولة بطلان قرار المجلس الرئاسي بشأن تغيير محافظ المصرف المركزي لعدم امتلاكه صلاحية تعيين شاغلي المناصب السيادية التي تحصرها المادة الـ 15 من الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات (2015) في مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلا أن المجلس الرئاسي يستند في قراره إلى صلاحياته الرئاسية التي منحها له اتفاق جنيف لعام 2021، خصوصًا المادة الثانية منه التي تسمح له بالتعيين في المستويات القيادية لمؤسسات الدولة في حال إعلان الطوارئ، وحتى تحرج مجلس النواب وتثنيه عن عرقلتها استندت إلى قرار مجلس النواب السابق بعزل الكبير من منصبه.

2- من يملك حق تنفيذ الميزانية المالية:

فعلى خلفية تنازع حكومتي ليبيا، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس (حكومة عبدالحميد الدبيبة) والحكومة المكلفة في مجلس النواب ببنغازي (حكومة أسامة حماد)، على حق تنفيذ الميزانية المالية للدولة، شكل المجلس الرئاسي بالتنسيق مع البعثة الأممية في يوليو 2023 لجنة مالية عليا برئاسة المنفي، وبعضوية ممثلين عن أطراف الصراع كافة بهدف الاتفاق على هيكلة لميزانية موحدة للبلاد، قبل أن يعلن ممثلو مجلس النواب باللجنة، بعد أربعة أشهر من عملهم باللجنة، انسحابهم من عضويتها واتهامهم للمنفي بسوء إدارة اللجنة ووضع آلية لا تضمن تصميم ميزانية موحدة.

وبعد انسحاب ممثليه من عضوية اللجنة المالية، اتجه مجلس النواب لترميم علاقته بمحافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، بعد سنوات من القطيعة بسبب موالاة الأخير للحكومة في طرابلس ومنحه لها حق تنفيذ الميزانية المالية، فأصدر في ديسمبر 2023 قرارًا تراجع فيه عن قراره السابق عام 2018، بشأن إقالة الكبير من منصبه، وفوض إليه الاستمرار في منصبه، على أن يكون مرعي البرعصي، أحد أبرز ممثلي مجلس النواب المنسحبين من عضوية اللجنة المالية العليا، نائبًا له.

وبدأ توتر مجلسي الرئاسي والنواب في ليبيا منذ ذلك الحين يظهر بشكل أكثر وضوحًا. فإثر إعلان مجلس النواب، مطلع يوليو 2024، إقرار الميزانية المالية للعام الحالي لصالح الحكومة المكلفة منه بالتنسيق مع الكبير، أصدرت اللجنة المالية العليا برئاسة المنفي بيانًا على الفور أعلنت فيه رفضها إصدار قرار الميزانية دون موافقتها، لاختصاصها باتفاق جميع الأطراف بوضع هيكلية وأبواب الميزانية وموافقتها قبل إصدار أي قرار بشأنها، لكن مجلس النواب أصر على المضي في قراره دون أي تعليق على اعتراض المجلس الرئاسي.

3- من يمثل الحكومة الشرعية:

اتفق المصرف المركزي مع البرلمان على اعتماد ميزانية قيمتها 180 مليار دينار ليبي (الميزانية مقترحة من حكومة حماد، وهي من ستشرف علي إنفاقها) نصفها لحكومة الدبيبة ونصفها لحكومة حماد وهو ما يعترض عليه الدبيبة ويرى أن حكومته هي الشرعية الوحيدة بالبلاد.

وبالتالي؛ فإن مجلس النواب ينظر إلي قرار المجلس الرئاسي بإقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، الذي يصنف بأنه بات حليفًا للبرلمان، ويدعم توجهات الأخير في إزاحة حكومة الدبيبة عبر فرض حصار مالي عليه، بأنه يعني اصطفاف المجلس الرئاسي مع حكومة الدبيبة.

وقد ترسخت هذه النظرة عقب إعلان المجلس الرئاسي تشكيل “المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني”، في 11 أغسطس 2024، لتكون جهة بديلة للمفوضية الوطنية للانتخابات، حيث تشرف علي ما يتعلق بالاستفتاء والانتخابات. وهو الإجراء الذي رفضه البرلمان، وعده باطلًا، بل وعده تجاوزًا لصلاحيات المجلس الرئاسي المنصوص عليها في “اتفاق جنيف”.

وقد أشارت بعض التقارير إلي أن المهمة الأولى لتلك المفوضية ستكون إجراء استفتاء لحل مجلس النواب، أو استفتاء على مشروع الدستور المؤجل منذ عام 2017. ومن المعروف أن التوجه لإجراء الاستفتاء على مشروع الدستور يتعارض مع توجهات البرلمان، الذي يعلن دائمًا جاهزية إجراء الانتخابات، وأن الأمر مرهون بتشكيل حكومة موحدة لعدم إمكانية إجرائها في ظل وجود حكومتين.

ولذلك؛ فقد أعلن مجلس النواب، في 13 أغسطس 2024، “إنهاء ولاية السلطة التنفيذية (المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية) التي جاءت بالمرحلة التمهيدية” لانتهاء مدة اتفاق جنيف منتصف عام 2022، واعتبار حكومة أسامة حماد هي الحكومة الشرعية الوحيدة في البلاد.

4- من يملك صلاحيات القيادة العسكرية:

كان لافتًا في قرار  مجلس النواب، في 13 أغسطس 2024، – ردًا علي محاولات المجلس الرئاسي الإطاحة بمحافظ المصرف المركزي – أنه أكد علي سحب صفة القائد الأعلى للجيش من المجلس الرئاسي ونقلها إلى رئيس مجلس النواب. وجاء سحب مجلس النواب صلاحية القائد العام للجيش من المجلس الرئاسي في أعقاب إصدار المجلس الرئاسي بهذه الصفة أوامره “بعودة القوات كافة إلى ثكناتها بشكل فوري” ومنع أي تحرك دون إذنه، لكونه القائد الأعلى للجيش، إثر تحريك خليفة حفتر مليشياته باتجاه مدينة غدامس الغنية بحقول الغاز والخاضعة للحكومة بطرابلس.

وفي المقابل؛ وعلي الرغم من رفض المجلس الأعلى للدولة لقرار المجلس الرئاسي بتعيين محافظ جديد بديلًا للمحافظ الحالي الصديق الكبير – وهو ما يتوافق مع موقف مجلس النواب ، إلا أن رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري تمسك ببطلان القرار الذي اتخذه مجلس النواب بشأن سحب صفة القائد الأعلى للجيش من المجلس الرئاسي، مشيرًا إلى استناده في ذلك إلى الفقرة الثانية من المادة الثامنة في الاتفاق السياسي (اتفاق الصخيرات 2015) التي أوكلت صلاحية القائد الأعلى للجيش إلى مجلس رئاسة الوزراء، قبل أن تنقل هذه الصلاحية في التعديل الحادي عشر للتعديل الدستوري عام 2018 حيث اسندت هذه الصلاحية للمجلس الرئاسي عند تكوينه في العام ذاته”.

وتتخوف الأطراف الفاعلة في الجبهة الغربية من أن يساهم الإنفاق السخي من قبل محافظ المركزي لصالح قوات حفتر – خاصة بعدما لوحظ مؤخرًا تقارب وتنسيق واسع بين الصديق الكبير ورئيس صندوق إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر الذي أصبح رئيس لجنة إعادة الإعمار في حكومة الشرق في ديسمبر 2023، والتي حولها برلمان الشرق، بعد شهرين، إلى صندوق إعادة الإعمار والتنمية لكامل ليبيا، وأزال عنها جميع أشكال الرقابة الإدارية والمالية – في استغلال ذلك من قبل حفتر في تحويل الفصائل الغربية ضد بعضها البعض عبر شراء دعم قادة بعض الميليشيات المختارين، أو المساهمة في استمرار شراء الأسلحة العسكرية كما حدث مؤخرًا عندما اعترضت السلطات الإيطالية شحنة من الطائرات المسيرة الصينية في طريقها إلى بنغازي ضمن جزء من صفقة يُزعم أنها تتعلق ببيع النفط الخام، أو حتي في تجهيز قوات حفتر ودفعها نحو احتلال العاصمة طرابلس، كما وقع العام 2019.

يتبع

______________

مواد ذات علاقة