مقدمة

عرف المجتمع الدولي في العشرية الأخيرة أفول نجم الممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان وأضحت الحقوق والحريات الأساسية التي دافع الغرب على إحقاقها في تراجع واضح المعالم و تتحكم في ذاك محددات عدة هذا وقد ساهمت الأوضاع القمعية التي جاءت بها الظرفية الصحية المترتبة عن كوفيد 19 في دخول الحريات العامة في كنف الاندثار .

نفس الشيء مع المنظومة الديموقراطية التي أضحت تأخذ خطوات للوراء فالممارسة الديموقراطية بمعناها الذي كرسته الإرادة الكونية للشعوب أضحى يفقد بريقه ، ولا مناص من القول أن هدا الأخير أصبح يفقد أجزاءه وتركيبته الأساسية ، ويتحكم في ذاك مجموعة من العوامل ترجع اسبابها الى الفاعل والخاضع من بينها تراجع دور المعارضة وتضائل تأثيرها الى صالح هيمنة فعل الأغلبيات  الشي الذي شكل منطق جديد ، منطق يضع المعارضة في زاوية مهمشة،  بفعل تواطؤ الأغلبية مع المعارضة الزائفة لإضعاف المعارضة من الداخل ، الشي الذي أخرج المعارضة من اللعبة السياسية ، لعبة فقدت حركتيها داخل النسق ، مما خلق نوع من الروتينية و القابلية للتوقع.

الشيء الذي ألقى بضلاله على المواطن , الذي تولد لديه عزوف سياسي من المساهمة  في المسلسل الديموقراطي باعتباره الحلقة الأهم والابرز في هاته العملية لاسيما من خلال المشاركة الانتخابية.

في ظل جل هاته التحديات أصبحت الديموقراطية تعيش على وقع أزمة، أزمة مفاهيم ، أزمة إنتاجية ، أزمة فاعلية ،أزمة مستقبل حيت أصبح يُطرح السؤال هل الديموقراطية هي الخيار الأصح وعن اي مستقبل نتحدث في ظل عالم دون ديموقراطية وهل من براديغم حديث يزيح أسطورة الممارسة الديموقراطية عن الحياة السياسي .

الديموقراطية تقعيد للمفهوم

إن البحث في موضوع الديمقراطية هو بالضرورة بحث في طبيعة الدولة،  بجوهر التنظيم الاجتماعي الذي كان موضع بحث وجدل وخلاف في تاريخ الفكر الانساني مثل طبيعة العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم ، وأساس الطاعة السياسية أو الالتزام السياسي ، والتوازن المطلوب بين السلطة والحرية وبين الواجبات والحقوق وبين الحاكم والمحكوم ، والعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني ومدى تعبير الاولى باعتبارها شكلاً مؤسسياً وقانونيا عن البنى والقوى في المجتمع ، وبعبارة واحدة فإن البحث في موضوع الديمقراطية هو بحث في الشرعية . شرعية الدولة وشرعية النظم السياسية والاجتماعية .

ومن هذا المنطلق منطلق التدقيق في نشأت العلاقة التوافقية حول الخضوع المحكومين للحاكم تجد موطئ قدمها قبيل النشأت الأولى للجسم البشري ،فالطبيعة الإنسانية كما هي اجتماعية الأصل اي ان الجسم الإنساني يسعى للعيش داخل مجموعات ، إلا أن أيضا فالعنصر البشري يطمح باستمرار القوة والتحكم فهو كل ما سمحت له الفرص سيكون متحكما على أن يكون محكوما ، فعلاقة الخضوع هي علاقة غاية في التعقيد والحساسية ، حساسية ولدت صراعات ونزاعات في محاولة للسيطرة على سلطة الاخضاع التي كانت قائمة على القوة والإخضاع.

إلا أن تحول الواقع الأمر إلى منحى آخر منحى التوافق ، إلا أن دراسات ترجع جوهر العلاقة التوافقية حول الحكم نابعة من جوهر نظريتين للتطور الإنساني ، نظرية التطور العائلي والتي انتقلت فيها العلاقة الأبوية للأسرة الصغيرة نحو العلاقة مع الاغيار من خلال القبيلة والعشيرة والقرية و المدينة التي كان منطق حكم الفرد فيها قائما على أساس علاقة الاحترام والتقدير لمميزات (كبر السن، العلم والمعرفة، الغنى ، التدين ، فض النزاعات….) التي يمكن أن يمتاز بها شخص تخول له سلطة الاخضاع ، أو منطق يحكم فيه الفرد انطلاقا من عقد اجتماعي بين الأفراد لتكليف شخص بمهمة الحكم ، على أساس احترام مبدئي لرغبة المجموعة.

تحولت هاته العلاقة التوافقية الى علاقة تعاقدية يلتزم طرفاها بتحقق مطالب للأخر ، فالحاكم يلتزم بتحقيق المصلحة العامة للشعب ،فيما يلتزم المحكوم بالخضوع لسلطة الحاكم .

هاته العلاقة سرعان ما توسعت أخدت تخرج من علاقة ثنائية الى علاقة متعددة الأطراف والفاعلين داخل المنظومة السياسية تنضوي تحت لواء ما يعرف بالديموقراطية.

إن البحث في الديموقراطية اليوم هو بحث في الاساس حول المشروعية السياسية و التمفصلات الحديثة للسلطة وتمفصل المؤسسات ,فالنظام السائد في كل دولة في عمقه هو محصلة معطيات سوسيوتاريخية مرتبطة بالفضاء الاجتماعي والسياسي لكل دولة ومن هذا المنطلق فشكل ممارسة السلطة لا ينفصل عن البناءات السياسية والمجتمعية و الثقافية السائدة .

وبالرجوع الى الديموقراطية فحسب ويلسون تشرشل فإن الديموقراطية هي أسوء نظام حكم ، باستثناء جميع الأنظمة الأخرى التي تمت تجربتها في التاريخ ، فمن منطلق  رأيه فإن الديموقراطية نظام سيء لا كنها الأقل سوء بين جميع الأنظمة .

من هذا المدخل يمكن اعتبار على أن الديموقراطية هي نتاج راقي للتوافق حول الحكم أساسه اختيار شخص للحكم استنادا إلى موافقة الجماعة لا على اساس رغبة شخص واحد او مجموعة من الأشخاص.

فحسب الدستور الامريكي يعرف على أن الاستبداد هو تراكم او تجميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في نفس الأيدي، سواء كانت لشخص واحد أو مجموعة صغيرة أو كبيرة، سواء كان الأمر بالوراثة أو التعيين أو الانتخاب .

فهناك مفهومان للديمقراطية ,مفهوم ينظر إلى الديمقراطية كمؤسسات ديمقراطية، وهذا الاتجاه تمثله مدرسة القانون الدستوري و مفهوم ينظر إلى الديمقراطية كسلوك اجتماعي، وهذا الاتجاه يمثله علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي.

بل إن الديمقراطية الحقيقية، تظهر في مستوى وعي الأفراد وثقافتهم وليس في بناء المؤسسات ، فسلوك الفاعلين السياسيين اليوم بعيد كل البعد عن الديموقراطية لأكنه يصبغ بصبغة الديموقراطية هاته .

إن كثيرًا ما نسمع عبارة “تطبيق الديمقراطية”. لكن هذه الأخيرة ليست وصفة جاهزة للتطبيق الديمقراطية أبعد من كل ذلك؛ لأننا نتكلم عن مشروع مجتمعي قد يأخذ قرونًا يتم بناؤه تدريجيًا، وهذا المشروع مرتبط بمستوى وعي المجتمع، أكثر من ارتباطه بالاعتبارات القانونية أو السياسية.

وهذا يحيلنا نحو الرجوع الى مفاهيم الاساسية للديمقراطية وتعرف بأنها حكم الشعب نفسه بنفسه، لكن إذا كان الشعب غير واعٍ كيف سيحكم هذا يطرح مشكل أعمق ،من هذا المنطلق رفض الفيلسوفان سقراط وأفلاطون الديمقراطية، وعدّوْها حكم غوغاء (فوضوي) لأن الشعب الواعي هو فقط المؤهل لكي يحكم نفسه بنفسه.

وتجد فكرة الديموقراطية نفسها بشكل عام في انتخاب الشعب لمن يحكمه أو بالأحرى لمن يمتله فحسب لجنة حقوق الإنسان الأممية فإن العناصر الأساسية للديموقراطية تتجسد من خلال احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية الرأي والتعبير وحرية تكوين الجمعيات إمكانية الحصول على السلطة وممارستها بمقتضى سيادة القانون؛ عقد انتخابات دورية حرة وعادلة بالاقتراع العام وبالتصويت السري كوسيلة للتعبير عن إرادة الشعب؛ وجود نظام تعددية الأحزاب والمنظمات السياسية؛فصل السلطات؛استقلال القضاء؛الشفافية والمساءلة في الإدارة العامة؛حرية وسائط الإعلام واستقلالها وتعددها.

كل هاته المحددات تجعل من الدول على اختلاف اشكالها تصنف على انها ديمقراطية او غير ذلك .

يتبع

_______________

مواد ذات علاقة