بعد توصله لقناعات “سلامة” وفي ظل الاستعصاء الداخلي وما يجري اقليميا
علي اللافي

هناك خلاصة رائجة خلال الأيام الماضية في ليبيا ومناطقها الثلاث مفادها أن “كل الأمور قد تعود للنقطة الصفر” وهو ما يعني أن الأمل في هندسة خارطة طريق توافقية وجامعة ومن ثم الذهاب للانتخابات خلال الشطر الثاني من السنة الحالية قد يتضاءل كأمل وكمسار.
وربما قامت تلك الخلاصة على حقيقة أن التعديل الدستوري الأخير لم يضف أي جديدخاصة وأن مواده لم تُحدد سوى شروط الترشح للانتخابات البرلمانية التي لا توجد خلافات حولها أصلاً.
تُركت شروط الترشح للرئاسة إلى حين إصدار القوانين الانتخابية وهو ما يعني عود على بدء الخلافات القائمة منذ إصدار تلك القوانين، وأنه لم يحدث شيء سوى ذر للرماد في العيون، ولا جديد سوى التفاف جديد على الخلافات حول شروط الترشح للرئاسة، ما سيمكّن المجلسين من البقاء أكثر في المشهد الليبي.
ولا أدل على ذلك وأكثر وضوحاً من المضي في تعيين شاغلي المناصب السيادية، ويرى فريق من المتابعين أن ملامح ما يجري وما يُعد له مجلسا الدولة والنواب، يؤكد أن الانتخابات لا تزال مؤجلة، وأن ملف الانتخابات تحوّل إلى وسيلة تخدم مصلحة المجلسين في البقاء أطول مدة.
وربما المتغيّر الوحيد الذي سيتجه له المجلسان هو حسم ملف الخلاف الحكومي تحت شعار “حكومة موحدة من أجل الانتخابات” لاستكمال سيطرتهما على كامل مفاصل الدولة، ولكن ما هي خلفيات تركيز المبعوث الأممي “باتيلي” على التواصل مع الأطراف الدولية والإقليمية وهل تراه توصل لنفس قناعات المبعوث الأممي الرابع غسان سلامة عندما قال ذات يوم سنة 2018 لمكونات المجتمع المدني في مدينة الزاوية “لا يكفي ان تتفقوا كليبيين ليوجد الحل بل يجب أولا ان يتفق المجتمع الدولي…”؟
** حول خلفيات تركيز “باتيلي” على التواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية
أولا، قام المبعوث الأممي”عبدالله باتيلي” بجولة خارجية في محاولة لحشد الدعم الدولي باتجاه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا نهاية العام الجاري، وتأتي جولة المبعوث الأممي قبل أيام من جلسة خاصة ستعقد في مجلس الأمن الدولي (مبرمجة ليوم 27 فبراير الجاري)، وهي ستخصص لبحث التطورات في ليبيا، وستتضمن إحاطة سيقدمها “باتيلي” قد يتطرق فيها إلى الأطراف الليبية المعرقلة للانتخابات.
وأجرى المبعوث الأممي الاثنين 13 فبراير مباحثات مع وزيرة الخارجية الفرنسية “كاثرين كولونا” داعيا المجتمع الدولي من خلالها إلى توحيد جهوده لدعم إجراء الانتخابات.
وعقب ذلك اللقاء في باريس قال “باتيلي” عبر تويتر إنه ناقش معها “آخر التطورات السياسية والأمنية في ليبيا وضرورة دعم عملية سياسية ليبية – ليبية تُسهل إجراء انتخابات شاملة وشفافة في عام 2023…”.
وجدد المبعوث الأممي دعوته “لكل الأطراف الدولية المعنية بالشأن الليبي إلى تنسيق مواقفهم وتوحيد كلمتهم دعما لإجراء الانتخابات وتحقيق تطلعات الليبيين إلى السلام والاستقرار”.
وزار باتيلي فرنسا ضمن جولات خارجية شملت الجزائر والكونغو والمغرب و مصر و إيطاليا، ويرى مراقبون أن جولة “باتيلي” تستهدف بحث سبل اعتماد آليات بديلة بعد أن ثبت عدم إمكانية استمرار الرهان على توافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة على القاعدة الدستورية.
ثانيا، أغلب المتابعين للتطورات في بلد عمر المختار يروا أن أي اختراق يتطلب تحقيق توافق بين القوى الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، والتي يدعم كل منها أطرافا متنافسة في ليبيا، وهو ما يعيه المسؤول الأممي ويتحرك على ضوئه وطبعا هو يعي مثل كل العارفين بأسرار الليبي بحقيقتين أساسيتين:
حقيقة أولى: ان الصراع في ليبيا ومنذ 2014 ما هو في الحقيقة الا حرب بالوكالة خاضتها أطراف ليبية لصالح أذرع إقليمية وان هذه الأخيرة ما هي الا أطراف وظيفية لقوى الدولية والتي تخوض طبعا صراع نفوذ لا في ليبيا فقط بل وفي كل القارة السمراء.
حقيقة ثانية: أن التقدم الحاصل والهدوء وتقدم المسارين الاقتصادي/الاجتماعي والعسكري/الامني هو نتاج طبيعي لما اسميناه في تقارير ومقالات ودراسات سابقة بتوازن الضعف (أو توازن القوى) محليا واقليميا ودوليا.
ثالثا، كل الأطراف الدولية تعي طبيعة أهمية الملف الليبي وهو ما حدا نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي “أنطونيو تاياني” الى القول إن القضية الليبية هي”الأكثر تعقيدًا” وجاء ذلك بعد أيام من عرضه على “باتيلي” خلال لقاء في روما مقترح “ميثاق سيادة ليبيا” الهادف إلى إنشاء جبهة موحدة من اللاعبين الدوليين الرئيسيين لدعم الوساطة الأممية.
وقد قال “تاياني” مخاطبا المنتدى الدبلوماسي لجامعة لويس غويدوكارلي الخاصة بالعاصمة الإيطالية، إن “إيطاليا تريد أن تكون همزة وصل بوسعها إعادة الأطراف المتنازعة إلى الحوار وإعادة اكتشافهم للوحدة”، بحيث يمكن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في المستقبل القريب.
ورأى “تاياني” أنه من الممكن حل القضية الليبية “إذا تمكنا أيضًا من جمع تركيا ومصر حول طاولة حوار مثالية…”، ومنذ أن تسلّم مهامه في أكتوبر الماضي يواجه “باتيلي” صعوبة في الحصول على موقف دولي موحد نتيجة صراع المصالح بين القوى المتدخلة، وهو ما تستغله الأطراف الليبية للتهرب من استحقاقات المرحلة وفي مقدمتها الاتفاق على قاعدة دستورية.
رابعا، يعي “باتيلي” جيدا أنه يجب ان يكون حاسما في افادته القادمة أمام مجلس الأمن وهو إما ان يقدم خارطة طريق جديدة وأن تحضى بالدعم وإما ان يعدد الأطراف المعرقلة ومن ثم فهو يسعى للخيار الأول عبر ترتيب توافق عليه كل الأطراف الاقليمية والدولية خاصة بعد توصله لنفس قناعات المبعوث الأممي الرابع “غسان سلامة” والتي مفادها ان الاشكال يكمن في عدم توافق بين الاطراف الدولية وما تم بين 2018 واليوم هو أن تلك الأطراف سلمت بالذهاب لحلول (وهي بالأحرى تسعى لمسكنات حلول لا غير).
ولكن التجسيد فيه كثير من المنغصات وكثير من التقاطعات وخلال اليومين الماضيين بحث “باتيلي” في برلين ولندن رؤية العاصمتين للملف الليبي وكيفة دعمه:
الألمانية “أنالينا بيربوك”بحثت معه سبل مساعدة ليبيا على إيجاد مخرج من المأزق السياسي والتحرك نحو الانتخابات، وكيف يمكن لعملية برلين أن تدعم جهود البعثة الأممية مؤكدة دعم برلين للأمم المتحدة وخلال الندوة الصحفية المشتركة طالبا المؤسسات الليبية بالتركيز على التحضير للانتخابات في العام الجاري 2023، وشجّعا المجتمع الدولي على توحيد جهوده لدعم تطلُّع الشعب الليبي إلى اختيار مؤسسات.
في لندن، وجّه “باتيلي” رفقة مسؤولي الملف الليبي ببريطانيا خلال لقائه بهم نداءً مشتركًا للجهات الليبية الفاعلة لتسريع الاستعدادات للانتخابات في العام الجاري 2023، داعين شركاء ليبيا إلى الالتفاف على العملية الانتخابية.
** طبيعة الخلافات ورؤية رئيس “المبادرة الوطنية” للازمة وآليات حلها
أولا، يتركز الخلاف بين مجلسي النواب والدولة حول مشاركة العسكريين ومزدوجي الجنسية في الانتخابات، وفي خطوة بدت وفق مراقبين محاولة للهروب إلى الأمام، أقر مجلس النواب والذي يتخذ من طبرق مقرا له مؤخرا تعديلا على الإعلان الدستوري، واعتبر أنه يشكل بديلا عن القاعدة الدستورية.
وواضح أن “المجلس الأعلى للدولة” يلتزم الصمت حيال هذا التعديل، لكن متابعين يرون أن الأخير يتحفظ على إبداء أي موقف بشأن الإعلان المعدل إلى حين انعقاد جلسة مجلس الأمن، وعقبها سيعلن عن موقف رافض أو يطالب بتعديلات إضافية، ما يعني البقاء في ذات الحلقة المفرغة.
ويقول نشطاء ليبيون إن هناك عملية توزيع أدوار بين رئيسي المجلسين عقيلة صالح وخالد المشري لعرقلة أي توافقات قد تقود إلى إجراء الانتخابات في ظل خشية الطرفين من فقدان مراكز نفوذهما.
ثانيا، تختلف الآراء في الداخل الليبي حول ذلك وخاصة في التفاصيل وفي قراءاتها لدور الأمم المتحدة والأطراف الدولية وفي ذلك الإطار يقول محمد شوبار المتحدث باسم المبادرة الوطنية الليبية إنّ رئيس البعثة الأممية هو مسؤول في الأمم المتحدة، وبالتالي ما يقوم به يمثل رؤية المجتمع الدولي وقرارته.
وأضاف “أنه بعد فشل كل المؤسسات التي انبثقت عن ملتقى الحوار السياسي الليبي المبرم بجنيف في تنفيذ ما أوكل إليها من مهام، فإن المجتمع الدولي لن يمنح فرصة أخرى لهذه المؤسسات للاستمرار في هذا العبث الذي أوصل وضع الليبيين إلى هذا المستوى من الفوضى، وأن جزء من المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة عازم على تحقيق الاستقرار في ليبيا خلال الفترة القريبة المقبلة”.
لافتا إلى أنه “من الواضح أنّنا على أعتاب اتخاذ قرارات مهمة سوف تتمثل في آليات بديلة لحل الأزمة الليبية، بعد أن تيقن الجميع أن هدف الطبقة السياسية المتواجدة في السلطة هو البقاء لأطول فترة ممكنة.”
ثالثا، رئيس المبادرة الوطنية الليبية لفت أيضا إلى أنّ إنهاء فوضى انتشار السلاح والتواجد الأجنبي يستوجب تشكيل قيادة وطنية قوية بوجوه جديدة، وهذا ما يعمل عليه المجتمع الدولي طبقاً للفقرة الرابعة من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2656، مؤكداً أنّ المرحلة المقبلة مهمة في تاريخ ليبيا، وستبدأ بفرض الأمن على كامل التراب الليبي، واسترجاع الأموال المنهوبة، وتحسين الوضع المعيشي والخدمي لليبيين، ومن ثم التمهيد لانتخابات حرة ونزيهة.
وشدد المتحدث باسم المبادرة الوطنية “إنّنا نعلم جيداً أنّ الدول المتورطة في جلب القوات الأجنبية والمرتزقة حاولت مراراً وتكراراً أن يظل ملف تواجد المرتزقة والقوات الأجنبية معلقاً، غير أنّه من الصعوبة في الوقت الحالي ترك هذا الملف دون حسم، كون المرحلة القادمة ينبغي أن تشهد فيها ليبيا خلواً كاملاً من السلاح والقوات الأجنبية، وستنفذ ذلك القيادة الجديدة بمساعدة دولية”.
** في افق الحلول والآمال في الحل في افق بداية مارس المقبل
أولا، خلاصة سنة كاملة أي نهاية فبراير 2022 فبراير 2023 ان هناك تقدم وختم لمسارين من أصل اربع مسارات (العسكري/الأمني – الاقتصادي/الاجتماعي) بينما المسارين التنفيذي والدستوري متعطلين وحولهما تجاذبات لا تحصى ولا تعد بل أنه ومنذ بداية مارس 2022 تتصارع على السلطة في ليبيا حكومتان إحداهما برئاسة فتحي باشاغا وكلفها مجلس النواب بطبرق (شرق) والثانية معترف بها من الأمم المتحدة وهي حكومة الوحدة برئاسة عبدالحميد الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة إلا لحكومة يكلفها برلمان جديد منتخب.
ووفقا لمبادرة أممية، يُجري مجلسا النواب والأعلى للدولة (نيابي استشاري) مفاوضات منذ نحو عام للتوافق على قاعدة دستورية تقود إلى إجراء الانتخابات، لكن لا يبدو أن الطرفين جادّان في التوصل إلى تسوية.
ثانيا، فيما قد تكون محاولة لتوحيد الصف وتعميق التأثير في المشهد المعقد نشطت أخيراً عدة أحزاب وبرزت في صور تكتلات حزبية جمعت حتى بعض الخصوم، كحزبي تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء، اللذين سيطرا سابقاً على جزء كبير من مسار الجسم التشريعي إبان وجود المؤتمر الوطني العام (أي البرلمان السابق)، وفي مطلع سبتمبر 2022، أعلن الحزبان مع أحزاب: الجبهة الوطنية، والتغيير، وليبيا النماء والعمل الوطني، وتيار يا بلادي، وتكنوقراط ليبيا، عن تأسيس شبكة تواصل.
وقبل ذلك، في مايو 2022، أُعلن عن تأسيس “تجمع الأحزاب الليبية” من 24 حزبا، وعلى وقع مساع لم تنجح بعد لإعداد قاعدة دستورية أو قوانين انتخابية من قبل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
واستناداً إلى الضغط السياسي المتصاعد للمجتمع الدولي الذي يشدد على ضرورة أن تكون القواعد توافقيّة، بهدف إنهاء النزاع وإنتاج أساس دستوري مقبول يقود أطراف النزاع للتعجيل بإجراء الانتخابات، أجرى تكتل “تجمع الأحزاب الليبية” عدة لقاءات خلال الأيام الماضية، لبحث مصير العملية السياسية، بما فيها الانتخابات، وطالب التكتل، في بيان صدر عنه إثر انتهاء اجتماعاته، مساء أمس الثلاثاء، بأن تُشرّع أي قاعدة دستورية للانتخابات دور الأحزاب في العملية السياسية، باعتبار العمل الحزبي أساساً للممارسة الديمقراطية، مشككاً في أن تكون قوانين الانتخابات مقبولة “ما لم تقر مشاركة الأحزاب السياسية في العملية الانتخابية، وفق نظام القوائم الحزبية لأغلبية مقاعد البرلمان، وبما يضمن حق المستقلين في الترشح أيضاً”.
ثالثا، الخلاصة أن الاشكالات والعوائق دستوريا وتنفيذيا (يعني أي حكومة ستشرف على الانتخابات وباي تركيبة؟) لم ولن يعني انه ليس هناك تطورات ومفاجئات ومبادرات لإيجاد ترتيبات لوضع معالم حل قريب يضمن ضمن افادة باتيلي المرتقبة يوم 27 فبراير الجاري كما أن المجلس الرئاسي يتحرك ضمن مسارات المعادلات الإقليمية (حضور جلسة الاتحاد الافريقي في اديس أبابا أو لقاءات “الدبيبة” في أبو ظبي او لقاءات بعض فاعلين المعلنة وغير المعلنة في القاهرة) وطبعا لقاءات باتيلي في العواصم الغربية (باريس، روما، برلين، لندن) .
كل ذلك يعني أن العوائق ستذلل ومن ثم فان بعض خطوات قادمة خلال الساعات والأيام القادمة ستحدد سرعة الذهاب لهندسة خارطة الطريق التوافقية والجامعة.
ولكن هل سيستطيع “باتيلي” رسم الكثير من مربعاتها قبل افادته ذلك سيبقى مرتبطا بالكثير من المواقف والتقاطعات الدولية والإقليمية والمنعكسة بطبيعتها على التقاطعات المحلية اجتماعيا وسياسيا ومناطقيا؟
ومن ثم هناك الكثير من عميات التدافع وخاصة قبل 27 فبراير، خاصة وان ترتيب ملفات في بعض دول الجوار لم ولن تتم الا بعد ترتيب الحد الأدنى ليبيا ولعل ملفي تونس والسودان بدرجة أولى امر ثابت ومؤكد ثم تأتي ملفات أخرى على غرار لبنان والعراق واليمن في درجة ثانية.
***
علي اللافي – كاتب ومحل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية
____________
