علي اللافي

أعلن مجلس النواب الليبي عن إقرار تعديل على الإعلان الدستوري (الدستور المؤقت) ليكون أساساً لقاعدة دستورية لإجراء الانتخابات المؤجلة منذ أكثر من عام، بعد يوم فقط من إنجاز المجلس الأعلى للدولة دوره في ملف المناصب السيادية، وفي نفس الوقت كان واضحا ان لجنة 5+5 قد توصلت الى انجاز ما هو مطلوب منها.
وكلا الامرين وبغض النظر عن الخلاف في الجزئيات يحيل الى وضوح الأفق السياسي وخاصة بعد لقاءات في السودان والنيجر وتشاد لمعالجة موضوع المرتزقة ومعلوم أن لباتيلي موعدين مهمين ورئيسيين خلال الأيام القادمة وهما:
ـ لقاء له مع دول مجموعة 3+2+3 (أي الأطراف الدولية والاقليمية المتداخلة في الملف الليبي)
ـ افادته المبرمجة أمام المجس الامن يوم 23 فبراير الحالي والتي سيعرض من خلالها الخطوط الكبرى لخارطة طريق جديدة والتي ستتضمن ضرورة تحديد موعد مقترح للاستحقاقات الانتخابية.
وبناء على ذلك وفي ظل توضح معالم المسارات الأربع (الاقتصادي/الاجتماعي – العسكري/الأمني – الدستوري – السياسي/التنفيذي) يمكن القول أن أغلب الغام الملف الليبي قد فُككت وان الهوامش التي كانت متاحة للأطراف الإقليمية للتشويش قد أُزيلت تماما وأن وظيفية أطراف ليبية لتلك القوى قد جُمدت بأشكال مختلفة وهو ما يحيل فعليا الى سؤال: هل أصبحت أفق الحل السياسي متضمنة في إفادة باتيلي بعد أقل من أسبوعين؟
** التعديل الدستوري رقم 13 وكنه تفاصيله وخلفياته
أولا، بعد مصادقة المجلس النيابي في بنغازي عليه من المرجح أن يحال التعديل الدستوري إلى مجلس الدولة ليصوت عليه ويصبح نافذاً، ويتم المرور إلى مرحلة إعداد القوانين الانتخابية، وإعلان المجلسين أنهما انتهيا من توضيح الإطار العام للانتخابات وتفاصيلها,
كما أنه من المرجح أن يقرر المجلسان دفع التعديل الدستوري، بعد اعتماده قاعدة دستورية للانتخابات، للاستفتاء عليه من قبل الشعب، بهدف تحصينه أمام أي طعون.
ولا شك أن الكثير من الجوانب في هذا التعديل لا يزال يحيط بها الغموض، ومنها لماذا تم نقل بنود الوثيقة الدستورية، التي تم التوافق عليها بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، في القاهرة الشهر الماضي، لتكون ضمن “الإعلان الدستوري”؟
ثم الولوج إلى أسئلة أخرى تتعلق بشكل التعديل، خصوصاً في مادة السلطة التشريعية المقبلة وكيفية توزيع مقاعدها عند انتخابها بالتساوي بين “طرابلس وبرقة وفزان”، في غرفتين يجمعهما مسمى “مجلس الأمة”.
ثانيا، المطالع على هذا التعديل سيدرك لأول وهلة أن عملية استنساخ جرت فيه من دستور ليبيا عند استقلالها في العام 1951، على ثلاث ولايات (طرابلس، وبرقة، وفزان)، على الرغم من أنه تم تعديل دستور الاستقلال عام 1963، بعد أن توحدت الأقاليم الثلاثة، وصارت البلاد وحدة واحدة.
فلماذا تمت العودة إلى المربع الأول، وما الغرض من ذلك؟
ومعلوم أن مبدأ المحاصصة قد ظهر بين الأقاليم الثلاثة منذ انتخاب اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور في 2012، استنساخاً للجنة التي كتبت دستور الاستقلال قبل 1951، بواقع 20 نائباً عن كل إقليم، وسميت بذات الاسم القديم: لجنة الستين، وتالياً، ومع تزايد حدة الصراع كان مبدأ المحاصصة الحل، وكأن الصراع هو بين أطراف ليبيا الثلاثة.
وكان آخر تلك المحاصصات، حول ملف المناصب السيادية خلال لقاءات مجلسي النواب والدولة في أبوزنيقة المغربية، وهو الملف الذي ضغط عقيلة صالح بكل قوة ليكون تمريره من جانب مجلس الدولة شرطاً للتقدم في ملف الانتخابات وإطارها الدستوري.
ثالثا، التطور الجديد هو أن التعديل الدستوري الجديد لم يستخدم التوصيفات والتعبيرات السابقة “الجهات الثلاث”، بل ضمن أسماء هذه الجهات بكل صراحة، طرابلس، وبرقة، وفزان، في مواد التعديل، في خطوة أكثر مجاهرة نحو تكريس هذا المفهوم وتعميقه ليصبح واقعاً.
واستخدم في تسمية الإطار التشريعي ذات المسمى القديم “مجلس الأمة” عندما كانت البلاد مقسمة لثلاث ولايات، ولا يمكن تغييب أن السؤال الملح هو، هل كان وراء الوصول إلى هذه المرحلة تخطيط ما لوصول البلاد إلى مرحلة التقسيم؟
أم أن الحل الفيدرالي بات يفرض نفسه كحل واقعي لأزمة البلاد؟
** حول اختتام ونجاح لجنة 5+5 العسكرية
أولا، اختتمت اجتماعات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة “5+5” أعمالها أول أمس الأربعاء بحضور لجنة التواصل الليبية ونظيراتها من النيجر والسودان وتشاد في القاهرة، برعاية الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا عبدالله باتيلي.
وأقرت اللجان خلال مناقشاتها، التي استمرت يومين، اعتماد آلية متكاملة للتنسيق المشترك بشأن جمع وتبادل البيانات حول المرتزقة والمقاتلين الأجانب.
وأشاد باتيلي، في الجلسة الختامية، بجهود الحكومة المصرية في دعم الحوارات الليبية، وسعيها إلى مساعدة الليبيين على الخروج من الأزمة الراهنة، كما أشاد أيضاً بدور اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” والعمل الذي أنجزته لجان التواصل المشاركة خلال هذ الاجتماع، واصفاً إياه بأنه “تقدم إيجابي ضمن المساعي الرامية لتحقيق استقرار وسلام مستدامين في ليبيا، وفي دول الجوار والمنطقة عموماً”.
ثانيا، المبعوث الاممي اعتبر أنّ النتائج التي تم التوصل لها خطوة مهمة لخلق مناخ مواتٍ للعملية السياسية، بما في ذلك تنظيم الانتخابات في عام 2023، بحسب بيان نشرته بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا على موقعها الرسمي، وأشاد باتيلي بأجواء التعاون التي سادت الاجتماع والعمل الجاد الذي قام به المشاركون، قائلاً إنه “يعبر عن الرغبة المشتركة لدى ليبيا وجيرانها في إنهاء وجود المرتزقة والمقاتلين الأجانب على الأراضي الليبية، بما يضمن احترام سيادة ليبيا ووحدتها دون الإضرار بدول الجوار”.
من جانبها رحّبت السفارة الأميركية في ليبيا، في بيان لها، بالنتائج التي تم التوصل لها في القاهرة، كما أكدت دعمها لدعوة المبعوث الأممي لترحيل المرتزقة الأجانب من البلاد، مشددةً على أنّ وجود المرتزقة في ليبيا “يهدد الأمن ويقوض الاستقرار الإقليمي”.
وأصدر مكتب رئاسة مجلس النواب الليبي موخرا، قراراً يقضي بتشكيل لجنة للتواصل السياسي الداخلي والخارجي والدول التي لها علاقة بالملف الليبي برئاسة النائب فتح الله حسين السيعطي.
** الخلاصة، أو في افق الحل السياسي
منذ 2014 تحول الصراع في ليبيا الى حرب بالوكالة والتي خاضتها أطراف ليبية ضيقة الأفق الاستراتيجي لصالح اذرع إقليمية ومفاد أنها أذرع انها أيضا وظيفية لدى قوى دولية ومثلما اكد غسان سلامة سنة 2018 فانه لا حل في ليبيا الا عبر توافق الأطراف الدولية وهو ما تم أيضا سنة 1949 والذي أدى يومها الى اعلان استقلال ليبيا في 24-12-1951,
ومن ثم فان معادلة توازن الضعف – أو بالأحرى توازن القوى– محليا وإقليميا ودوليا وتفكيك الغام المسارات الأربع للازمة كما بينا ذلك أعلاه سيعني الذهاب للانتخابات بناء على خارطة طريق توافقية وجامعة ورغم أن تفاصيل عدة قد يتم تحويلها الى الغام فإنها هامشية الابعاد ولها حلول بديلة على غرار ملف الشخصيات الجدلية في موضوع الانتخابات الرئاسية والتي قد تعالج بنسخ ما تم في مصر (أي سنة 2011 عندما تم ابعاد عمر سليمان وخيرت الشاطر وحازم إسماعيل).
وفي الأخير ورغم انه في ليبيا بالذات لا يمكن الحديث بل عن مسكنات حلول فان اجراء الانتخابات بين يونيو وسبتمبر امر اصبح اقرب للواقع منه للحلم في ديسمبر 2018 وديسمبر 2021 لن يتم مستقبلا ولن يأتي 31 ديسمبر 2023 الا والليبيين لديهم مؤسسة تشريعية جديدة ورئيس منتخب.
***
علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية
______________
