الانتخابات

تمثلت أبرز مستجدات الملف الانتخابي في التطورات الآتية:

اتفاق كلٍّ من صالح والمشري، في 5 يناير، بالقاهرة، على قاعدة دستورية للانتخابات، على أن تُحال إلى التصويت عليها داخل كل مجلس، مع الاتجاه نحو طرح المواد الخلافية للاستفتاء الشعبي. ثم عودة عقيلة صالح إلى مهاجمة المشري ومجلس الدولة، حيث أشار إلى أن الاتفاق مع المشري كان لفظياً فقط، فضلاً عن معاودته التأكيد على الصفة الاستشارية لمجلس الدولة، مقابل اختصاص مجلس النواب بالمهام التشريعية.

وأخيراً إعلان صالح، في جلسة مجلس النواب بتاريخ 17 يناير، عن أنه إذا لم يتم التوصل إلى شيء قبل نهاية مارس فإن البلاد ستكون مُعرضة للتقسيم أو التدخل الأجنبي.

تنامي المؤشرات على وجود توافق حول استبعاد سيف القذافي من الانتخابات الرئاسية؛ حيث كشف المشري عن أن أحد بنود القاعدة الدستورية المتفق عليها هي ألّا يكون رئيس الدولة قد صدر بحقه حكماً قضائياً وإن لم يكن نهائياً. ومن ناحية أخرى، حذر الفريق السياسي لسيف الإسلام من خطورة اقصائه من الانتخابات؛ كما حذر المشاركون في مؤتمر الفعاليات الاجتماعية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني بفزان من أن إقصاء سيف الإسلام قد يترتب عليه عدم إجراء الانتخابات.

السيناريوهات المحتملة

تتوقف السيناريوهات المستقبلية المحتملة على التفاعل بين العوامل الآتية:

  • قدرة واشنطن على إدارة التناقضات الإقليمية في ليبيا، ومدى استعدادها لاستخدام أدوات قسرية في تنفيذ أجندتها.

  • قدرة موسكو على توفير الدعم العسكري الكافي لحفتر.

  • قدرة الأطراف الإقليمية والمحلية على توظيف التناقضات الدولية لتوسيع هامش المناورة وعلى تحييد ديناميات الصراع الليبي عن الخطوط الحُمر الأمريكية.

وفي ضوء التفاعل بين العوامل الثلاثة، يمكن توقع أحد السيناريوهات الثلاثة الآتية:

السيناريو الأول: التسوية الشاملة

يتضمن هذا السيناريو تحقيق تقدم نوعي في الملفات الأربعة المشار إليها، بحيث تُمكَّن حكومة واحدة من الإشراف على إجراء الانتخابات في جميع أنحاء ليبيا، سواء أكانت حكومة الدبيبة في صورتها الحالية أو بعد تعديلها أو بالتوافق على حكومة جديدة؛ كذلك يجري إقرار إطار دستوري وقانوني للانتخابات، مع توحيد المؤسسة العسكرية، واستقرار إنتاج النفط وتصديره.

ويتفرع عن هذا السيناريو أحد مسارين

1. المسار السلمي بالكامل، الذي يتحقق السيناريو خلاله بالتوافق بين أطرافه، والشرط الأساسي لذلك هو قدرة واشنطن على رعاية معادلة تضمن تحقيق الحد الأدنى من مصالح اللاعبين الرئيسين في الصراع، مع وجود توافق بين هؤلاء اللاعبين على استبعاد موسكو وحلفائها الأقرب، ممثلين في تيار سيف الإسلام القذافي، من هذه المعادلة.  

2. لجوء واشنطن إلى استخدام الأدوات القسرية لتطويع مواقف الأطراف المناوئة دون إقصاء التيارات الداعمة لهم بشكل كامل، مثل استخدام أداة العقوبات ضد بعض الزعامات السياسية أو إبعاد البعض الآخر من المشهد تماماً، وربما استخدام الأدوات العسكرية أو الأمنية بشكل محدود

ولعل الشرط الأساسي لتحقق هذا السيناريو في صيغته الأكثر عنفاً هو سعي بعض اللاعبين (وتحديداً حفتر) إلى إدارة الصراع وفق نفس الحسابات التي كان يدار بها في السنوات السابقة على الحرب الأوكرانية، فيما لم يَعد التوازن بين روسيا والغرب يسمح باللجوء إلى الإغلاقات النفطية أو الاعتماد على الدعم العسكري الروسي على مستوى التسليح والعنصر البشري، في الحفاظ على المكاسب العسكرية القائمة أو تحقيق مكاسب جديدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكبُّد خسائر كبيرة، ربما تصل في أسوأ الحالات إلى الخروج من المشهد بالكامل.

السيناريو الثاني، التوصل إلى معادلة أمنية جديدة

يتمثل هذا السيناريو، وهو الأكثر ترجيحاً، في تحقيق تقدم في الملفات ذات الطابع الأمني دون الطابع السياسي، فتكون أهم ملامح السيناريو ضمان استمرار تدفق النفط الليبي إلى الأسواق العالمية، وتحييد هذا الملف عن تجاذبات الأطراف المتصارعة؛ وتعاون كل الأطراف مع الولايات المتحدة على المستوى الأمني والعسكري، لاسيما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وضبط موجات الهجرة غير النظامية؛ وإبعاد المقاتلين الأجانب، ولاسيما عناصر منظمة فاجنر الروسية، مع التقدم التدريجي في تشكيل قوات مشتركة تعمل في مناطق وسط وجنوب البلاد.

ولعل الشرط الأهم الذي يكاد يتوفر في هذا السيناريو هو عدم وجود تناقضات جوهرية بين أغلب اللاعبين الرئيسين وبين الولايات المتحدة على المستوى الأمني، باستثناء ارتباط حفتر عسكرياً بروسيا، وهي العقبة الوحيدة في هذا السيناريو، والتي لا يُعد تجاوزها أمراً مستحيلاً رغم ما تمثله من صعوبة.

كما أن هذا السيناريو يمثل نقطة التقاء بين أولوية الأهداف الأمنية لواشنطن على الأهداف السياسية من جهة، ومن جهة أخرى بقاء هامش لإدارة الصراع بين بقية اللاعبين على المستوى السياسي وبأدوات غير عنيفة؛ فتستمر المناورات اللانهائية في المسارات الخاصة بتشكيل حكومة موحدة والتوافق على المناصب السيادية وصياغة القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية.

السيناريو الثالث، تعميق الانقسام

يتمثل هذا السيناريو في عدم تحقق تقدم على مستوى الملفات الأربعة، مما يعمق حالة الانقسام الليبية. ولعل الشرط الأساسي لتحقق السيناريو هو محاولة واشنطن ترجمة التوازنات الدولية الجديدة في مواجهة موسكو إلى معادلة جديدة لا تستوعب مصالح الأطراف المحلية والإقليمية التي كانت متعاونة مع موسكو في ليبيا خلال السنوات الماضية، دون أن تكون هذه الأطراف رهينة للدعم الروسي رغم ذلك

بتعبير آخر، فإن كلاً من القيادة العامة للجيش الليبي ومصر وفرنسا لا تزال قادرة على تعطيل أي مشاريع سياسية لا تحقق مصالحها في ليبيا، وقد يؤدي تجاهل هذه الحقائق إلى تعميق الانقسام القائم حالياً وفق أكثر من مسار، قد يتمثل أحدها في تقديم دعم حقيقي لحكومة مستقلة تدير مناطق سيطرة قوات حفتر بعيداً عن سلطة طرابلس، وفق ما هدد به حفتر صراحةً في خطابه بأجدابيا، في 5 ديسمبر الماضي، أو العودة إلى سياسة الإغلاق النفطي، وربما أيضاً اللجوء إلى سيناريو التصعيد العسكري، ومن ثم انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بعد أكثر من عامين من الالتزام به.

استنتاجات

تبدو فرص نجاح واشنطن في ترجمة التحوّل في التوازنات الدولية بين الغرب وروسيا، على وقع تفاعلات الحرب في أوكرانيا، إلى تغيير في خارطة النفوذ بين الطرفين على الساحة الليبية تفوق نسبياً فرص الفشل في إحداث تغيير في هذه الخارطة.

ويتمثل المحك الرئيس لنجاح واشنطن في تحقيق هذا التغيير في إدراك الفارق بين حركية التوازنات الدولية وتغيُّرها مقابل جمود التوازنات الإقليمية. ومن المهم لواشنطن في هذا السياق استيعاب مصالحها القائمة داخل المعادلة الجديدة التي تسعى إلى إرسائها في ليبيا، دون تغليب طرف على آخر

وقد ينعكس الحراك الحالي على خارطة النفوذ الدولي في ليبيا، دون أن يعني ذلك بالضرورة فرصاً أكبر لتحقيق التسوية الشاملة للصراع، والتي ستظل رهينة بالعديد من التناقضات بين اللاعبين الرئيسين على المستويين المحلي والإقليمي.

من الأمور اللافتة في زيارة بيرنز إلى ليبيا، نشر صورة له تجمعه بالدبيبة، وعدم نشر أي صورة للقائه مع حفتر، وهو ما قد يعكس رمزياً مستوى أكبر من الدعم الأمريكي للدبيبة قياساً بحفتر. ويلاحظ أيضاً أن ثمة غموضاً معلوماتياً بخصوص ما إذا كانت زيارة بيرنز إلى ليبيا قد تضمنت فعلاً لقاءً مع حفتر في بنغازي، إذ شكك موقع أفريكا إنتلجنسالفرنسي في حدوث الاجتماع، استناداً إلى عدم توافر معلومات رسمية حول الاجتماع.

لكنْ في المقابل، أقرَّ العديد من وسائل الإعلام ذات الثقل بحدوث الزيارة، مثل وكالة الأناضول، التي لديها مصادر خاصة بها بكل تأكيد.

كما أن الحديث في الإعلام على نطاق واسع حول حدوث المقابلة كان من المفترض أن يقابله تكذيب يقدمه طرف واحد على الأقل من طرفيّ الاجتماع، وهو ما لم يحدث لا من قبل القيادة العاملة ولا من قبل المخابرات المركزية الأمريكية.

وأخيراً فإن حدوث لقاءات بين حفتر وبين مسؤولين أمريكيين كبار مَعنيين بالملف خلال الأيام التالية يعزز التحليل حول وجود ترتيبات جديدة تسعى الولايات المتحدة لإحداثها.

___________

مواد ذات علاقة