
نقاط أساسية
-
تشهد ليبيا حالياً حراكاً دولياً كثيفاً، تسعى واشنطن من خلاله إلى ترجمة التحول في التوازن الدولي بين الغرب وروسيا إلى إعادة رسم خارطة النفوذ في ليبيا. وتتمثل الملفات الرئيسة للمباحثات في تشكيل حكومة موحدة، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإدارة الملف النفطي، والانتخابات.
-
تتمثل الخطوط الحمراء الأمريكية في استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، وتعاون مختلف الأطراف في مكافحة الإرهاب، وإبعاد مقاتلي فاجنر إلى خارج ليبيا، وحصار وكلاء روسيا سياسياً، ممثلين في أنصار سيف الإسلام؛ فيما تتراجع أولوية الجوانب السياسية، لتتمثل في حدها الأدنى في تحقيق الاستقرار السياسي، عبر وجود حكومة موحدة في حال تعذُّر إجراء الانتخابات.
-
من المرجح أن تعمل الأطراف المعارضة للرؤية الأمريكية على عدم الانسياق في مسار يخل بالتوازنات الراهنة، فيتم الالتزام بالخطوط الحمراء الأمريكية على المستوى الأمني والاقتصادي. لكن مع إدراك الأطراف الليبية والإقليمية المرتبة المتأخرة للأهداف المتعلقة بالانتخابات والدستور في قائمة الأولويات الأمريكية، قياساً بالأهداف الأمنية والاقتصادية.
-
يتوقف نجاح واشنطن في تحقيق أهدافها على قدرتها على الموازنة بين تغيير خارطة النفوذ المرتبطة بالتوازنات الدولية في ليبيا مقابل جمود التوازنات الإقليمية، ومن ثمّ استيعابها مصالح اللاعبين الإقليميين والمحليين داخل المعادلة الجديدة المزمع تأسيسها
***
شهدت الأسابيع الأولى من عام 2023 حراكاً دولياً متزايداً في الملف الليبي، بدأتْه مصر عبر استضافة لقاءات شارك فيها كل من عقيلة صالح، وخالد المشري، ومحمد المنفي، وخليفة حفتر، رؤساء مجالس النواب، والدولة، والرئاسي، والقائد العام للجيش على الترتيب.
وأعقب ذلك لقاءات أجراها كبار المسؤولين الأمريكيين المعنيين بالملف الليبي، حيث التقى رئيس وكالة المخابرات الأمريكية ويليام بيرنز، في 12 يناير، كلاً من المشير حفتر، ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة في بنغازي، وطرابلس؛ والتقى ليزلي أوردمان، القائم بأعمال السفير الأمريكي في ليبيا، بعقيلة صالح، في طبرق، في 17 يناير.
كما التقى أوردمان خليفة حفتر بحضور نائب قائد القوات الجوية في قيادة الأفريكوم جون دي لامونتاني في 18 يناير.
وفي 17 يناير التقى رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان بكلٍّ من الدبيبة، والمنفين والمشري، ورئيس المصرف المركزي الصديق الكبير في العاصمة طرابلس. إلى جانب لقاءات دولية أخرى بين أطراف معنية بالصراع، مثل استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ويليام بيرنز في 23 يناير، واستقباله قبلها بيوم وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني.
وتطرَّقت المباحثات التي جرت خلال اللقاءات المذكورة إلى أربعة ملفات رئيسة، هي: الحكومة، والنفط، وتوحيد المؤسسة العسكرية، والانتخابات.
***
ترصد هذه الورقة وتُحلل التطورات في الملفات الأربعة، تمهيداً لاستشراف السيناريوهات التي قد يسلكها الصراع الليبي مستقبلاً.
الحكومة الموحدة
مع تعمّق الانقسام بين الشرق والغرب الليبيين، أصبحت مسألة وجود حكومة موحدة يمكنها العمل في جميع أنحاء البلاد ضمن القضايا التي تتصدر قائمة أولويات الإدارة الدولية للملف الليبي. ويظهر ذلك في بيانات مجلس الأمن الأخيرة حول ليبيا، والتي شددت على ضرورة التوافق على حكومة قادرة على العمل في جميع أنحاء البلاد، ومن ثم الإشراف على تنظيم الانتخابات. وفي هذا السياق ثمة توجهان متنازعان بشأن تحقيق هذا الهدف:
الأول، استبدال حكومة الدبيبة، والتوافق على تشكيل حكومة جديدة
وتُعد مصر من أكثر اللاعبين الخارجيين حماسة لهذا التوجه، وهو ما يتسق مع علاقتها السلبية بحكومة الدبيبة منذ شهور طويلة.
أما على المستوى الداخلي فيُعد كل من رئيسَي مجلسيّ النواب والدولة الطرفين المعنيين بالتوافق على هذه الحكومة الجديدة؛ وكان هذا الهدف يمثل البند الرئيس في الاجتماعات المشتركة بينهما خلال الشهور الماضية، وآخرها اجتماعهما في القاهرة بتاريخ 5 يناير.
الثاني، عدم الذهاب نحو تشكيل حكومة جديدة
التركيز على أولوية إجراء الانتخابات تحت إشراف حكومة الدبيبة، تجنُّباً لضياع الوقت في فترات انتقالية جديدة، ولعدم مزاحمة هذه المسألة لهدف إجراء الانتخابات، والذي يمثل أولوية قصوى لدى أصحاب هذا التوجه.
وتُعد البعثة الأممية من أكثر الأطراف حماسة لهذا التوجه، والتي نفى رئيسها، المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، وجود أي مقترح لدى البعثة لتشكيل حكومة جديدة؛ وهناك أيضاً الموقف الأمريكي الداعم للدبيبة، وفق ما يمكن استنتاجه من لقاء بيرنز بالدبيبة في طرابلس.
وعلى الرغم من عدم غلبة توجه على آخر خلال الفترة الماضية، وتوازن الاحتمالات بين إمكانية إنفاذ أحد السيناريوهين، فإن ثمة تطورات شهدتها الأيام الماضية، عززت بقوة حظوظ سيناريو بقاء الدبيبة، أهمها:
-
التغير الذي طرأ في العلاقة بين صالح والمشري؛ حيث كشف صالح عن أن التقارب مع المشري كان لفظياً فقط ولم ينتج عنه أي شيء، وأن مجلس الدولة مجرد كيان استشاري، بينما مجلس النواب يظل هو الطرف المعني بسنّ التشريعات.
-
تهدئة الأجواء بين المشري والدبيبة، بعد شهور من العداء المتبادل بين الرجلين على المستوى الخطابي. وقد جرت التهدئة بوساطة من رئيس المخابرات التركية خلال زيارته إلى طرابلس في شهر يناير.
-
الدفعة القوية التي مثّلها لقاء بيرنز (وهو أرفع مسؤول أمريكي يزور ليبيا منذ إطاحة القذافي) مع الدبيبة، وما نشرته تقارير إعلامية عن فحوى لقاء بيرنز بحفتر، والذي طالب خلاله بيرنز بتمكين حكومة الدبيبة من العمل في مناطق سيطرة حفتر.
الملف النفطي
بحكم مكانته المركزية في الصراع، يمثل النفط موضوعاً رئيساً في التحركات الدولية الجارية حالياً. ويمكن توضيح ذلك من خلال النقاط التالية:
-
من المحددات الأساسية في تفاعل مصر مع الملف الليبي خلال الشهور الماضية، موقفها السلبي من الاتفاقية التي وقّعتها حكومة الدبيبة مع الحكومة التركية حول النفط في أكتوبر الماضي، وفي شكل زاد من تمسُّك القاهرة بهدف تشكيل حكومة جديدة في طرابلس. وكان ذلك أحد دوافع التحرك المصري نحو تعيين الحدود البحرية بينها وبين ليبيا من طرف واحد في ديسمبر الماضي؛ وهو الإجراء الذي لم يلقَ دعم أي طرف ليبي، بما في ذلك حلفاء القاهرة في شرق البلاد الذين تراوحت مواقفهم ما بين الرفض أو التزام الصمت.
وتَمثل المتغير الجديد بصدور حكم عن محكمة استئناف طرابلس، في 10 يناير، بوقف العمل بالاتفاقية الموقعة مع تركيا، فيما يمكن أن يمثل عاملَ تهدئة بين القاهرة وحكومة الدبيبة، لاسيما مع التوجه الأمريكي لإبقائه في منصبه إلى حين إجراء الانتخابات.
-
يُعد الملف النفطي أحد القضايا الرئيسة التي تناولها بيرنز في لقائه مع حفتر، وفق ما ذكره بعض التقارير الإعلامية؛ حيث شدد على ضرورة عدم المساس بعملية إنتاج النفط وتصديره، فيما يعني عدم تسامح واشنطن مع أي تحرك من قبل حفتر لاستخدام الورقة النفطية في الصراع ضد خصومه السياسيين.
وعلى صعيد آخر، نقل التقرير أن الدبيبة، في لقائه مع بيرنز، أشار إلى عزم حكومته رفع إنتاج ليبيا من النفط إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وبغض النظر عن مدلول خطة السنوات الثلاث هذه بشأن رغبة الدبيبة في عدم ترك السلطة، إلا أن تركيز المباحثات التي أجراها بيرنز مع حفتر والدبيبة على النفط يعكس أهمية ليبيا في الإدارة الأمريكية لأزمة تراجع الاعتماد الأوروبي على النفط الروسي.
المؤسسة العسكرية
تمثلت أبرز مستجدات توحيد المؤسسة العسكرية في الآتي:
-
استمرار اجتماعات لجنة 5+5 في مدينة سرت، حيث انعقدت آخر تلك الاجتماعات في 15 يناير برعاية المبعوث الأممي. وعلى الرغم من إشادة باتيلي بالتقدم الحادث في هذا المسار، إلا أن الأمر لا يتجاوز التقدم البطيء جداً الذي تسير وفقه المباحثات في هذا المسار، إذ لم تخرج الاجتماعات بقرارات نوعية فارقة.
وتمثلت أهم مخرجات الاجتماع العاشر للجنة 5 + 5 في “المضي قدماً في تفعيل آلية مراقبة وقف إطلاق النار الليبية وسحب المرتزقة والمقاتلين الأجانب، وهي الآلية التي وُضعت بشكل مشترك بين المراقبين الليبيين ونظرائهم الدوليين“؛ فضلاً عن “مناقشة سبل إشراك التشكيلات المسلحة لخلق بيئة مواتية للسلام والأمن“.
-
وفق ما نقله موقع “الجزيرة نت“، استناداً إلى أحد المصادر المطلعة، فإن أحد المطالب التي نقلها بيرنز في لقائه مع حفتر كانت تشكيل قوات مشتركة بين قواته وقوات حكومة الدبيبة “تتولى حماية وتأمين منابع النفط والمياه والحدود في جنوب البلاد“.
وعلى صعيد آخر، كشفت السفارة الأمريكية، عبر صفحتها على تويتر، عن أن لقاء حفتر مع كلٍّ من القائم بأعمال السفير الأمريكي ونائب قائد القوات الجوية في أفريكوم، ناقش مسألة “توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية منتخبة ديمقراطياً، والتنسيق الأمني مع حفتر، بما في ذلك الطيران“.
-
قيام الولايات المتحدة بتصنيف منظمة فاغنر الروسية منظمة إرهابية، وفق ما أعلن البيت الأبيض في 20 يناير. ويحمل هذا الإجراء ضغوطاً إضافية على حفتر في اللحظة الراهنة؛
فبالنظر إلى اعتماد حفتر على قوات فاجنر لتثبيت سيطرته على بعض المناطق الاستراتيجية شرق البلاد وجنوبها من جهة، وتشديد المسؤولين الأمريكيين في لقاءاتهم معه على ضرورة توحيد القوات المسلحة تحت قيادة مدنية، يتضح أن واشنطن تُقدِّم لحفتر عرضاً ذا سقف منخفض، تضمن له بموجبه البقاء طرفاً فاعلاً في الصراع، لكن من موقع الشريك وليس الطرف المهيمن، وضمن المستوى العسكري للصراع وليس المستوى السياسي، مع تخليه عن التقارب مع الروس.
***
يتبع في الجزء الثاني
_____________