لا يخلو المشهد السياسي الليبي من تعقيد وانسداد مع كل يوم يمضي، ويستمر هذا الانسداد مع كل إجراءات وسياسات جديدة تتخذها الأطراف الفاعلة في المشهد بعيدا عن التوافق وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإجماع.

وبعيدا عن الإجراءات الفردية الداعمة لسرديات الأطراف المتصارعة، كسردية الانتخابات أولا، وسردية ضرورة إيجاد حكومة ثالثة محايدة تشرف على الانتخابات وتستطيع أن تبسط سيطرتها على كامل محيط البلاد ثانيا.

وبالحديث عن هذه الروايات السياسية المتلاطمة في المشهد فإن تصويت المجلس الأعلى للدولة في 5 ديسمبر 2022 كان ترسيخا لفكرة الصفقة السياسية التي يدبرها خالد المشري مع عقيلة صالح لإيجاد حكومة ثالثة، وإعادة تشكيل المجلس الرئاسي.

فقد تم التصويت على وضع كل الملفات بين رئيسي المجلسين، الأعلى للدولة والنواب على الطاولة بالتناوب دون البناء على فكرة تقديم القاعدة الدستورية أولا للتمكن من إجراء الانتخابات على أساس قانوني ودستوري متين.

وهو ما لا يناسب خالد المشري وعقيلة صالح الطامعان في الاستمرار في المشهد على سدة المجلسين دون إنجاز الاستحقاق الانتخابي وهو ما يمثل حالة الانتهازية السياسية التي تمثلها العلاقة بين الرجلين إذ أنهما لم يتفقا على شيئ منذ بداية ماراثونات التفاوض بينهما.

ولكنهما اتفقا ضمنيا على استمرار الحوار وإطالة أمد ملف القاعدة الدستورية حتى استبعد من طاولة المفاوضات تماما وهو ما لم يوافق عليه المبعوث الأممي عبدالله باتيلي الذي بات طرفا ضاغطا لإيجاد الأساس القانوني والدستوري لإجراء الانتخابات.

وبالنظر إلى خطوات المشري نحو المضي قدما مع عقيلة صالح في تشكيل حكومة ثالثة فالمشهد لا يبدو مختلفا عما سبقه حين اتفق المشري وعقيلة على تنصيب فتحي باشاغا رئيسا للحكومة، إلا أن المشري يمضي هذه المرة وفي ظنه أنه يستطيع أن يضمن لنفسه منصب رئيسا للحكومة مقابل صفقة سياسية يكون عقيلة صالح هو رئيس المجلس الرئاسي.

وهو أمر قد يتم بصعوبة بالغة لتناقض الصفقة مع مصالح قواعد الرجلين في النواب والأعلى، ولوجود طرف آخر لدية القدرة على تعطيل إجراءات من هذا النوع وهو الطرف المتمترس بسلاحه على الأرض في الجهتين.

الوضع السياسي الذي تعيشه حكومة الوحدة الوطنية

لا تبدو حكومة الوحدة الوطنية في ظرف سياسي مناسب، بل هي في ظرف سياسي صعب جراء عزلتها وعدم قدرتها على تحقيق أي اختراق سياسي في المشهد رغم قوة موقفها الميداني وسيطرتها الأمنية والعسكرية على العاصمة ومحيطها وأطراف المنطقة الغربية ووجود الكتلة الصلبة من المقاتلين وآلياتهم على الأرض بعد انكسار مشروع فتحي باشاغا بناء على ترتيباتها الأمنية والعسكرية.

تكمن مشكلة حكومة الوحدة الوطنية في الاعتماد على القوة الصلبة دون ترجمة قوتها نحو سلوك أقل خشونة في استيعاب الأطراف السياسية المختلفة والتي لا تبدو أنها صاحبة خلاف كبير مع الحكومة ورئيسها عبدالحميد الدبيبة.

وذلك نتيجة لضعف الحس السياسي والخلفية السياسية عند قيادات الحكومة وتعويض ذلك بالعمل الإعلامي والاعتماد عليه عوضا عن الاختراق السياسي الناعم للخصوم وتفتيت مراكز التحالفات التي تواجهه.

فقد أثارت إجراءات الحكومة تجاه مجلس الدولة حنق الأعضاء عليها متمثلة في منع صرف مرتبات أعضاء المجلس منذ شهر أغسطس الماضي، ووضع آليات عسكرية أمام مقر المجلس في محاولة لمنع المجلس من الانعقاد قبل شهر تقريبا.

لا تزال الأوراق التي تملكها الحكومة قوية خصوصا الدولية منها في حال استغلتها جيدا واعتمدت أجندة أكثر جدية ووضوحا في بناء شراكة استراتيجية في المنطقة بعيدة عن مسارات وزيرة الخارجية الحالية التي تتسم بالتخبط والعشوائية.

خلافات رئيس الحكومة مع حلفاءه في مصراتة

تحدثت صحيفة الافريكا انتلجنس عن انفضاض التحالف القائم بين رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة وقيادات مدينة مصراتة من تجار ورجال أعمال

وسياسيين على رأسهم محمد الطاهر عيسى وعبدالرحمن السويحلي وغيرهما ورفضهم دعمه في المرحلة القادمة، وهو ما أكدته عدة مصادر للمركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، إلا أن الحديث عن انفضاض التحالف القائم في مصراتة غير دقيق إذ هو تحالف اجتمع فيه خصوم فتحي باشاغا.

وهي الخصومة التي لا تزال قائمة بعيدا عن أي حديث آخر ولا تزال مصالح الأطراف المختلفة مع الدبيبة في المدينة تجري في نهر حكومته وهو ما يجعل فرص استيعابهم من قبل الحكومة هو الأقرب خصوصا مع تجذر الشركات التجارية والعطاءات الحكومية لهذه القيادات.

من جانب آخر فإن اعتماد الدبيبة على مصراتة كمدينة من الناحية السياسية لا يبدو أساسيا فتحركاته على الأرض تؤكد اعتماده على العناصر الفاعلة في العاصمة وهي عناصر محلية في غالبها واستطاع في خلافه مع باشاغا تجاوز الموقف المصراتي المتحفظ تجاه قتال باشاغا ومجموعاته.

من جانب آخر فإن هذه الخلافات لا تزال في حالة من السطحية تجعل تداركها ممكنا وهي سياسة الحكومة مع أغلب الكيانات والشخصيات المعارضة لمسارها منذ اليوم الأول.

الأسماء المطروحة على الساحة

لا تزال الأسماء لتشكيل الحكومة تأتي من هنا وهناك ولا تزال الأطراف الدولية تتواصل مع الفاعلين السياسيين تعدهم وتمنيهم أن يكونوا على سدة الحكومة القادمة.

وهو ما جعل كثير من الأسماء تبزغ كالمستشار الدغدنة والمرشح الرئاسي خالد الغويل والمرشح الرئاسي محمد المزوغي ونائب رئيس المجلس ، الرئاسي عبدالله اللافي (المرشح الأكبر للمشري).

إلا أن حظوظ كل من هذه الأسماء تبقى غاية في الضعف لعدم وضوح مآلات المشهد السياسي وعدم عملية سياسية وخارطة طريق توضح سبل تولي أي شخص للمنصب إلا في حالة كانت الحكومة الحالية التي يرأسها الدبيبة جزءا من صناعة المشهد وخارطة الطريق وهو ما يجعل تجاوز الحكومة الحالية أمرا غاية في الصعوبة، لامتلاكها العوامل الحاسمة (المال والسلاح) القادر على انهاك أي خصم لهذه الحكومة.

ولكن الاحتمالات تظل مفتوحة في حالة سعي محافظ المصرف المركزي في التضييق على حكومة الوحدة وهو ما لا يبدو ظاهرا للعيان خصوصا مع تربص خصوم الحكومة بمنصب محافظ المصرف المركزي والمحاولات العديدة التي باءت بالفشل إلى الآن.

الخلاصة

يمكن النظر إلى الواقع التي تمر به البلد مع هذا الانسداد والتأزم السياسي بين الأطراف السياسية من زاوية أن الحل ما يزال بعيدا، فلا تزال فكرة الانتخابات غير قابلة للتفاوض وهي الحل المثالي الذي تراه النخب والكتل السياسية والمجتمعية.

كيف يمكن القول إن مسارات الحوار الموازية للمفاوضات بين المجلسين النواب والأعلى يبدوا أنها غير قابلة إلى الوصول للنتائج المرجوة خاصة بعد تداول أنباء عن فشل مفاوضات إبراهيم الدبيبة مع صدام حفتر برعاية إماراتية من جهة وعدم الوصول إلى توافق بين عقيلة والمشري في الملفات المطروحة من جهة أخرى.

كذلك التسريبات التي تتحدث عن فشل اللقاء الذي جمع بين رؤساء كتائب ومليشيات من طرابلس بصدام حفتر في الإمارات مؤخرا وهو ما يعزز بقاء المشهد السياسي على ما هو عليه بل ربما يتفاقم إلى أبعد من ذلك.

كذلك تعاني حكومة الوحدة من الفساد المستشري بين طاقمها الوزاري وظهوره إلى العلن عن طريق بيانات ديوان المحاسبة مؤخرا، مع وجود ضعف في كفاءة أفرادها خصوصا فيما يتعلق بملف العلاقات الخارجية وإدارة التواصل الدولي الفاعل الذي تديره الوزيرة نجلاء المنقوش والتي لم تستطع حتى اللحظة إجراء أي اختراق على صعيد التواصل مع الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة والمؤثرة في المشهد الليبي وهو ما يعرقل ويقلل فرص حلحلة المشهد السياسي من الانسداد الذي يعانيه في المنظور القريب على أقل تقدير.

_____________

مواد ذات علاقة