عبدالله الكبير

فشل الرهان على مجلسي النواب والدولة في إجراء الانتخابات مرات عديدة، في هذا التوقيت قبل عام، كان الجميع يستعد لانتخابات 24 ديسمبر، ماعدا قلة كانت تعرف أنها لن تُجرَى لأنها كانت تعمل على إجهاضها.
ومع اقتراب الموعد برزت عوامل أخرى طارئة ساهمت في الإجهاز عليها تماما، كترشح شخصيات جدلية ترفضها قطاعات واسعة من الشعب، ليأتي يوم الاستحقاق كيوم عادي كسائر الأيام، فيما تَنَصَّل الجميع من المسؤولية وحَمَّل خصومهَ مسؤولية هذا الاخفاق.
ولم يتوقف الضغط الدولي والمحلي لدفع الفرقاء إلى تنفيذها في أقرب وقت ممكن، ولكن عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، مع رئيس مجلس الدولة يواصلان مناوراتهما لتعطيلها، بالتذرع بوجود نقاط خلافية في مسودة الدستور، وضرورة تشكيل حكومة موحدة، تبسط نفوذها على كل أرجاء البلاد، وتغيير قادة المؤسسات السيادية، كخطوات لابد من لإجراء الانتخابات.
وتتناقل وسائل الإعلام الأخبار عن إجراء عدة لقاءات بينهما في القاهرة، يعقبه لقاء آخر في الزنتان، لوضع اللمسات الأخيرة على ما تم التوافق عليه، ولم تُعلّق البعثة الأممية على هذه الاجتماعات الثنائية، التي يفترض أن المبعوث الأممي قد شارك في واحد منها على الأقل.
الصورة اليوم في غاية الوضوح، فالمشري وعقيلة لن يغادرا مواقعهما إلا إذا ضَمِنا مواقع أرفع في مرحلة انتقالية جديدة، فيما تصرّ حكومة الوحدة الوطنية على عدم تسليم مهامها، إلا لحكومة يشكلها مجلس نواب منتخب.
أما المجلس الرئاسي فمازال ينأى بنفسه عن جدل الصراع، ويتنصل من كافة المسؤوليات التي يتعين عليه النهوض بها، حتى في الأزمة الأخيرة مع اليونان، لم ينتصر للسيادة الليبية وأصدر بيانا باهتا نصفه مجاملة غير مبررة لليونان.
المتصارعون على السلطة لا يرغبون في الاحتكام للانتخابات، فهم يدركون أنها ستكون المسمار الأول والأخير في نعش إسقاطهم، ونزع ما بين أيديهم من حياة مادية باذخة، وامتيازات لم يحلموا بها يوما، والمشهد رغم كل تعقيداته أمام مفترق طرق..
الطريق الأول، هو استمرار اللحظة الراهنة، في مفاوضات ولقاءات وحوارات لا طائل من ورائها،
الطريق الثاني، هو نجاح عقيلة والمشري، مع الجناح المؤيد لهما في المجلسين، في التوصل إلى توافق شامل بتشكيل حكومة ومجلس رئاسي، وتسمية شخصيات جديدة للمناصب السيادية، على أن الطريق نحو وضع هذه التوافقات موضع التنفيذ دونه عقبات لا يستهان بها.
فالموقف الأمريكي والبريطاني والتركي، لا يرى سبيلا لتغيير الحكومة إلا عبر انتخابات تحسم الجدل حول الشرعية، والموقف الشعبي في غالبيته يرفض من الأساس تمديد المراحل الانتقالية، واستمرار تقاسم السلطة بين نفس الشخصيات، ولا يرى بديلة على تنفيذ الانتخابات، فضلا عن العوائق الدستورية والقانونية، إذ يتعذر على صالح والمشري توفير النصاب المطلوب لتمرير ما اتفقا عليه في جلسات رسمية لمجلسي النواب والدولة، وكذلك ضرورة إشراف البعثة الأممية على هذا التحول السياسي، ومن ثم ستكون ثمة ضرورة لملتقى حوار سياسي لن يقتصر على مجلسي النواب والدولة بل سيضم شخصيات سياسية وأخرى من منظمات المجتمع المدني، ومن ثم قد تمضي الأمور في اتجاهات لا يرغب فيها صالح والمشري.
الطريق الثالث، هو الرفض الشعبي الجاد، والعملي عبر المظاهرات ضد أي محاولة تهدف لاستمرار المراحل الانتقالية وتأجيل الانتخابات، وهذ الطريق هو أضمن وأسهل خيار لإجبار الجميع على الانصياع لإرادة الشعب وإجراء الانتخابات.
_____________
وجهة نظر أخرى: ليبيا.. استمرار خيار اللاحل
د. طارق فهمي
تمضي تطورات الملف الليبي إلى مسارات متعددة وخيارات متنوعة أغلبها سبق، وأن طُرح، ويعاد طرحه مجدداً عبر جملة تحركات راهنة تعمل عليها الأطراف المعنية، والتي تتحرك في مساحات محددة من خلال تواصل الاتصالات بين عقيلة صالح رئيس مجلس النواب من جانب، والمبعوث الأممي عبدالله باتيلي، من جانب آخر، ودخول الجامعة العربية على خط التفاعل مع المكونات الليبية الحالية مع التركيز على أولويات محددة منها التأكيد على انعقاد لجنة المسار الدستوري باعتبارها المنطلق الرئيس لاستكمال العملية السياسية.
وكانت هذه اللجنة واجهت تعثراً ثم تجمدت فعالياتها طوال الفترة الماضية، وهو ما سيتطلب بالفعل إعادة إحياء دورها واستكمال مهامها بالتوافق بين الفواعل الليبية المختلفة عبر لجنة الحوار في مجلس الدولة والبرلمان.
ولعل هذا التوجه يأتي على رأس أولويات المبعوث الأممي عبد الله باتيلي، والذي تحرك خلال الفترة الماضية في إطار استكشاف المواقف، وتبين التغيير الذي طرأ في المواقف على بعض الأطراف مع الاتفاق على أن الخطوة التنفيذية لاستكمال المسار الدستوري تكمن في عقد مفاوضات بين رئيس المجلس الأعلى خالد المشري ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح برعاية أممية مهمة للاتفاق على ما سيجري والخاص بتوحيد السلطة التنفيذية، وتولي المواقع الكبرى، والتي توصف بالسيادية، ومبادئ القاعدة الدستورية التي طرحت سلفاً لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
ومن ثم فإن الحاجة ملحة لتحديد أطر محددة، وآليات تنفيذ وفق خريطة زمنية يقبل بها الجميع، مع الالتزام بنص المرجعيات الدولية الراهنة، والخاصة بضرورة إخراج العناصر المرتزقة، وإقرار دور فاعل للجنة العسكرية المشتركة، والتي أنجزت الكثير من الخطوات طوال الفترة الماضية، وتحتاج إلى دعم ومساندة أممية وتوافقات الأطراف المعنية، وعلى رأسها دول الجوار الإقليمي.
ورغم ما يجري، فإن الواقع الراهن ما زال يصطدم بمواقف وتوجهات البعض، حيث ما زال عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة يتمسك بوجوده في موقعه، ورفضه المساعي الراهنة كافة والمطروحة بتشكيل سلطة تنفيذية، وعدم التفاعل مع أي سلطة انتقالية، معتبراً أن الحكومة الراهنة هي آخر حكومة قبل إجراء الانتخابات، والتي يجب أن تتم – وفق تصوره – معبرة عن إرادة الشعب الليبي.
وفي المقابل، ما زال الجدال السياسي قائماً حول ما يجري باعتبار أن حكومة الدبيبة لا تريد أي تطور إيجابي في إدارة المشهد الراهن، وهو ما عبر عنه عبد الله بليحق النطاق باسم مجلس النواب، والذي يرى أن حكومة الدبيبة الحالية لم تنجز الكثير على عكس ما يتردد إعلامياً وفي الخطاب الشعبي والسياسي لممثليها بدليل أن الدبيبة نفسه نقض وعده، وترشح للانتخابات التي لم تتم.
وهو ما يشير إلى أن تحركاً عربياً أو أممياً يجري في الوقت الراهن لن يصل إلى نقطة توازن جديدة قد تحرك المياه الراكدة، والتي تدفع الأطراف الوسيطة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، للتحرك صوب إجراء خطوة الانتخابات، والعمل بخريطة سياسية زمنية جديدة، وفي ظل ما يجري إقليمياً خاصة بين مصر وتركيا، واحتمالات انعكاساته على المشهد الليبي، واحتمالات حدوث توافقات يمكن البناء عليها في الفترة المقبلة.
ومن دون التحرك العاجل، سيتعايش الجميع مع المشهد الراهن بكل تعقيداته، وتفاصيله الكبيرة التي لا تزال تجري، وفي ظل تمسك كل طرف بمواقفه، وهو ما سيعرقل أي إنجاز قد يتم في الفترة المقبلة.
في هذه الأجواء من الضروري إذاً أن يسرع المبعوث الأممي عبد الله باتيلي بخطواته مع تكثيفها في إطار أولوية محددة.
وهي حسم الموقف الراهن بالارتكان إلى القاعدة الدستورية المؤثرة، والعمل وفق عناصرها، والاتجاه قدماً نحو الخطوة التالية، وهي إجراء الانتخابات المؤجلة، مع تحديد الأطراف المعوقة بالفعل للتوصل لأية توافقات حقيقية يمكن العمل من خلالها.
خاصة أنه مع استمرار استراتيجية اللاحل ستكون رهانات بعض الأطراف مفتوحة على السيناريوهات كافة، بما في ذلك العودة لخيارات المواجهة في ظل غياب متعمد لدور اللجنة العسكرية التي أنجزت الكثير من الخطوات طوال الفترة الماضية.
***
د. طارق فهمي ـ أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية
_____________
