ردود الفعل المحلية

رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح وصف مذكرة التفاهم بأنها غير قانونية وأكد أن أي اتفاقيات أو معاهدات أو مذكرات تفاهم يتم إبرامها من قبل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة مرفوضة وغير قانونية نظرا لانتهاء ولايتها قانونا وانعدام أي إجراء تتخذه منذ انتهاء ولايتها في 24 ديسمبر 2021.

وفي بيان نشره الناطق باسم المجلس عبدالله بليحق على صفحته بموقع فيسبوك، أكد أن توقيع أي مذكرة تفاهم أو معاهدة أو اتفاقية من حكومة الدبيبة غير ملزمة لدولة ليبيا وللشعب الليبي.

فيما كان موقف السيد فتحي باشاغا رئيس حكومة الاستقرار التابعة لبرلمان طبرق معارضا لهذه الاتفاقية معتبرا أن توقيعها تجاوزا على دور الحكومة الشرعية، واعتبر أن حكومته هي الوحيدة المناط بها عقد الاتفاقيات والمعاهدات.

وذكر في بيان صدر عن حكومته أنه سيضطر للجوء للقضاء بشأن تأكيد بطلان توقيع حكومة الدبيبة منتهية الصلاحية بحسب البيان، فيما بدا من تصريح باشاغا ليس اعتراضا على نص الاتفاقية وإنما اعتراضه على أهلية الطرف الليبي في التوقيع وأنه غير ذي صلة.

المجلس الرئاسي الليبي من جهته اكتفى بنشر بيان مقتضب على صفحاته الرسمية بوسائل التواصل الاجتماعي شدّد فيه على ضرورة إطلاعه وموافقته على أي اتفاق دولي توقعه حكومة الوحدة الوطنية.

على صعيد آخر أثارت مذكرة التفاهم جدلا واسعا بالشارع الليبي المنقسم أساسا بين معارض ومؤيد للتعاون الليبي التركي، الأمر الذي طال حتى بعض الوزراء في حكومة الدبيبة نفسها عندما استنكر وزير النفط الليبي بحكومة الوحدة الوطنية محمد عون عدم إشراكه بهذا الحدث الذي وُقّع أثناء سفره خارج البلاد، إلا أنه استدرك لاحقا بأن ملاحظاته حول الاتفاقية قد أخذت بعين الاعتبار.

ومن جهة أخرى صرّح وزير الاقتصاد الليبي محمد الحويج، والذي ناب عن وزير النفط في التوقيع على مذكرة التفاهم، في مقطع مصور بصفحته على الفيسبوك مشددا على عدم الانجرار وراء الإشاعات التي تقول إن الحكومة قد تنازلت عن حق ليبيا، مؤكدا أن الاتفاق يخدم مصلحة الطرفين بشكل عادل كما أشار إلى أنه قد رُشح في وقت سابق من وزير النفط نفسه لينوب عنه بماهم الوزارة في حالة السفر أو الغياب.

من ناحية أخرى عبر عدد من المتابعين والنخب الليبية عن تحفظهم من الغموض الذي أحيطت به مذكرة التفاهم، مطالبين الحكومة بالافصاح عن فحوى بنودها.

وردا على الاتهامات التي كيلت للحكومة جراء توقيع مذكرة التفاهم، استعرض رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة يوم 5 اكتوبر 2022 مذكرة التفاهم الموقعة مع الحكومة التركية للتعاون في المجال الهيدروكربوني ضمن لقائه بملتقى القيادات النسائية وسيدات الأعمال، موضحا أن مدة الإتفاقية ثلاثة سنوات فقط ويستطيع أي طرف إلغاء الاتفاق خلال ثلاثة أشهر.

قال الدبيبة إن المادة الأولى من مذكرة التفاهم تنص على تعزيز التعاون التقني والمهني والتجاري في مجال الهيدروكربونات بين ليبيا وتركيا إلى جانب تبادل المعلومات والخبرات من خلال تقوية الشراكات بين القطاعين العم والخاص في البلدين.

وأضاف لا يهمنا رأي أي دولة في الاتفاقية التي وقعناها مع تركيا وما يهمنا فقط هو رأي الشعب الليبي ونحن استغرقنا سنة كاملة لدراستها حتى لا نقع في الأخطاء

وتعقيبا على كلمة الرئيس عبدالحميد الدبيبة عبر بعض المختصين بمجال النفط عن تحفظهم وتشكيكهم في قدرة تركيا على الاستثمار في هذا المجال باعتبار أنها لا تملك الخبرة الكافية في مجال التنقيب والاستخراج، وأن هذه الاتفاقية يقصد من ورائها الدعم السياسي لحكومة الوحدة الوطنية.

ردود الفعل الدولية

اعترضت كلا من مصر واليونان وإسرائيل على الاتفاقية باعتبارها تهدد حقوق تلك الدول في المنطقة وصرحت وزارة الخارجية اليونانية بأن أثينا لها حقوق سيادية في المنطقة تنوي الدفاع عنها بكل الوسائل القانونية مع الاحترام الكامل للقانون الدولي للبحاروأن اتفاق عام 2020 بين أثينا ومصر يحدد منطقتيهما الاقتصاديتين الخالصتين في شرق البحر المتوسط، كما قال دبلوماسيون من اليونان أن هذا الاتفاق ألغى فعليا اتفاق 2019 بين تركيا وليبيا.

وفي تصريح لرئيس الوزراء اليوناني قال فيه إننا مستعدون لاستخدام كل قوتنا الدبلوماسية والعسكرية للدفاع عن سيادة اليونان ضد الخطط العدائية لتركياوأضاف على تركيا العودة إلى المنطق والتوقف عن عدوانها المتزايد على المناطق التابعة للأراضي اليونانية“.

وفي نفس الصدد كشف وزير الخارجية اليوناني أنه سيتوجه إلى القاهرة ودول أخرى في الشرق الأوسط لإجراء مشاوراتحول هذا الملف والعمل على إلغاء الاتفاقية التركية الليبية.

ومن جهة أخرى صرحت الخارجية المصرية أن حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها في طرابلس لا تملك الصلاحيات لإبرام أية اتفاقيات دولية أو مذكرات تفاهم، مع أن هذه الاتفاقية تضمن حقوق مصر البحرية في المنطقة بحسب ما نقل عن وزير الخارجية المصري.

الخلاصة

يتزامن توقيع مذكرة التفاهم الليبية التركية في مجال المواد الهيدروكربونية تأكيد الدولتين للسيادة على منطاق بحرية شاسعة في شرق المتوسط مع تنامي التجاذبات السياسية والإقليمية خاصة بعد أزمة الطاقة في العالم وتأثير الحرب الأوكرانية الروسية على أسواق الطاقة.

فعلى المستوى الداخلي، ليبيا تمر بفترة حرجة من الانقسام السياسي والمجتمعي يثقل كاهل حكومة الوحدة الوطنية، وعلى المستوى الإقليمي والدولي فصراع النفوذ بين الدول المطلة على شرق المتوسط للاستحواذ على أكبر نصيب من هذه الثروات مستغلة ضعف وهشاشة الوضع الداخلي للبلد للاستيلاء والسيطرة على حقوقها من هذا المخزون الضخم.

ومن هذا المنطلق يبدو أننا أمام فصلا جديدا من فصول الدبلوماسية التركية بعد أكثر من سنة على سياسة التهدئة والمهادنة التي انتهجتها تركيا مع أغلب خصومها الإقليميين فبتوقيعها هذه الاتفاقية التي رفعت من مستوى التوتر في المنطقة واستفزت مصر واليونان المنهكتان اقتصاديا بالإظافة إلى الاتحاد الأوروبي المقبل على شتاء قاسي في ظل الحرب الروسية ـ الأوكرانية.

وربما استغلت الحكومة التركية هذه الظروف للتصعيد مع جيرانها باعتبارهم في أضعف حالاتهم ولا يملكوا أوراقا تفاوضية قوية ضدها ولا يستبعد أن تكون تركيا قد دخلت في صفقة مع قوى إقليمية ودولية من أجل تمرير هذه الاتفاقية.

ومن جانب آخر هناك من يقول إن توقيع الاتفاقية في هذا الوقت لا معنى له إلا في تدعيم الانتخابات القادمة في تركيا حيث أن الاقتصاد هو نقطة الضعف التي يعاني منها الحزب الحاكم ولتكون نقطة إيجابية أمام الناخب التركي.

وعلى الجانب الليبي، من غير المتوقع أن يؤثر هذا الحدث في إضعاف موقف حكومة الوحدة الوطنية التي تعي جيدا مدى احتياج أوروبا للغاز الليبي ومدى خطورة إجراء أي تغيير سياسي بليبيا قبل انقضاء فصل الشتاء القادم على أقل تقدير.

عمليا وعلى المدى القريب من الصعب أن تثمر هذه الاتفاقية عن مشاريع ملموسة في المنطقة البحرية المتنازع حولها، وربما تتحصل بعض الشركات التركية على عقود في مناطق أخرى كالغرب والجنوب الليبي.

__________

المصدر: ورقة تقدير موقف الصادرة عن المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية

مواد ذات علاقة