حفتر يحب أن يخرج كل فترة بشيء جديد حتى يثبت أنه موجود في الساحة الليبية“.

عاد الجنرال الانقلابي خليفة حفتر (78 عاما) للظهور مجددا في المشهد الليبي المختلط سياسيا وعسكريا، متنقلا بين عدد من المناطق الخاضعة لسيطرة مليشياته في الجنوب الليبي.

ولوّح حفتر بالتدخل لحسم الصراع الدائر على السلطة في العاصمة طرابلس بين حكومتي الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة فتحي باشاغا المكلفة من برلمان طبرق شرقي البلاد.

وشهدت العاصمة طرابلس وعدد من المناطق غرب ليبيا في فترات متراوحة بالشهور الأخيرة مواجهات مسلحة بين مجموعات موالية للطرفين أسفرت عن سقوط ضحايا وأضرار مادية.

وعززت الأزمة الجديدة، الانقسام السياسي والإداري في ليبيا بين الشرق والغرب، على الرغم من الاتفاقات السابقة لتوحيد المؤسسات ومن ثم الوصول إلى انتخابات تشريعية ورئاسية تنهي المرحلة الانتقالية المستمرة منذ سقوط نظام القذافي عام 2011.

عودة للواجهة

رياح الانقسام التي عصفت بليبيا مرة أخرى، أعادت لحفتر القدرة على المناورة بتحالفه مع وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا الذي كلّفه البرلمان الذي يرأسه عقيلة صالح بتشكيل حكومة جديدة موازية لحكومة الدبيبة.

وفي خطاب له في مدينة غات جنوب غربي ليبيا في 20 سبتمبر 2022، دعا حفتر، الليبيين إلى الخروج للشارع والانتفاضة ضد فشل الطبقة السياسية الحالية، من أجل تغيير واقع بلادهم وحسم الأمور لصالحهم.

وقال حفتر في كلمة ألقاها، إنه لم يبق من خيار إلا انتفاضة وثورة الشعب على الواقع المزري الذي تعيشه البلاد، مشيرا إلى أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن الأوضاع الحالية لن تتغير بالاعتماد على السياسيين أو التدخل الأجنبي“.

هذا التصريح سبقه تصريح أشد لهجة في خطاب بمدينة الكفرة شرقي ليبيا يوم 30 أغسطس/ آب 2022، قال فيه يجب على الغافلين أن ينتبهوا، لم نبن الجيش الوطني ليقف متفرجا على ليبيا العزيزة يجرها العابثون إلى الهاوية”.

وأضاف حفتر دون تحديد طرف بعينه “الحل الحاسم يبقى بيد الشعب الذي عليه أن يقود المشهد بنفسه ليسترد حقوقه ويبني دولته”.

وفي فبراير 2021، توصّل الفرقاء الليبيون إلى اتفاق سياسي في مدينة جنيف السويسرية أنهى صراعا عسكريا محتدما انطلق في أبريل 2019 حين قرر حفتر شن هجوم على العاصمة طرابلس من أجل إسقاط حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا .

هذا الاتفاق قلّص الدور الذي كان يلعبه حفتر بصفته الحاكم الفعلي لأجزاء واسعة تسيطر عليها مليشياته شرقي البلاد وجنوبها، وجعلت منه أحد المتنافسين على منصب الرئيس في انتخابات تعددّت الأسباب لتأجيلها.

مواقف حفتر الجديدة جاءت في سياق غضب واسع في أوساط الليبيين خاصّة من فئة الشباب، ترجم في شكل مظاهرات وقطع الطرق وحرق إطارات السيارات في عدد من المدن الليبية من بينها طرابلس، للاحتجاج على سوء الأوضاع المعيشية، وللمطالبة بضرورة تعجيل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

وكان من المقرر بحسب الاتفاق السياسي إجراء انتخابات رئاسية في 24 ديسمبر 2021، إلا أن الوضع الأمني والسياسي أعاق عمل هيئة الانتخابات والحكومة.

تحالفات جديدة

وكان لافتا أن تصريحات حفتر الجديدة رافقتها تحركات عسكرية على مستوى العاصمة لمجموعات موالية له، التحقت بقوات أخرى موالية لرئيس الحكومة المكلفة باشاغا.

إذ نقلت وسائل إعلام دولية عن مصادر ليبية لم تسمها، في 10 سبتمبر، وصول مقاتلين تابعين لحفتر إلى أكبر المعسكرات التابعة للواء أسامة جويلي الموالي لباشاغا في منطقة العزيزية جنوبي العاصمة.

ويُقدر عدد الآليات التي وصلت بنحو 600 آلية بينها سرية كاملة لصواريخ الكورنيت، وعلى رأسها 38 عنصرا من كتيبة طارق بن زياد التي يقودها صدام نجل حفتر كانت موجودة في مصنع التبغ بطرابلس.

ودخلت في مجموعات صغيرة بمساعدة قائد كتيبة (55) معمر الضاوي في منطقة ورشفانة المحاذية للعاصمة، والتي شهدت اشتباكات عنيفة طيلة يومي 5 و6 سبتمبر 2022، فيما قيل حينها إنها عملية تطهير المدينة من قبل قوات تابعة للدبيبة.

وقالت مصادر متطابقة إن القيادي في كتيبة ثوار طرابلس أيوب أبو راس والمنسحب من عين زارة جنوبي العاصمة، وصل مقاتلوه برفقة آليات وأسلحة ثقيلة إلى العزيزية أيضا، بعد إعلانه الانضمام رسميا إلى معسكر باشاغا في لقاء مغلق مع مجموعة القوات المنسحبة من طرابلس إلى مدينة الزاوية غربا على خلفية المواجهات الأخيرة.

يذكر أنه في مارس /آذار 2022، أعلن برلمان طبرق برئاسة عقيلة صالح أن حكومة الدبيبة التي تشكلت بدعم من الأمم المتحدة أضحت غير شرعية وأن مدة ولايتها قد انتهت وعين حكومة جديدة برئاسة باشاغا، لكن الدبيبة رفض قرارات البرلمان وقال إنه لن يتنازل عن السلطة إلا بعد انتخابات.

وحاول باشاغا دخول طرابلس بعد فترة وجيزة من تعيينه، لكن القوات الموالية للدبيبة منعت مرور موكبه. وحاول مجددا في مايو 2022، لكنه غادر طرابلس بعد تبادل قصير لإطلاق النار.

ومع مرور الأشهر، تغيرت معالم التحالفات والائتلافات بين فصائل طرابلس مع محاولة كل من الدبيبة وباشاغا استمالة الأطراف الرئيسة. وفي شوارع طرابلس، تكررت المناوشات بين القوات المسلحة بسبب الخلاف على مناطق النفوذ.

وعندما اندلع القتال الأخير، بدأت الفصائل المتحالفة مع باشاغا شن ما بدا أنها هجمات منسقة في محاولة جديدة لتنصيبه في العاصمة. لكن هذه الخطوة فشلت ما ساهم في ترسيخ موقف الدبيبة نسبيا.

شبح الاقتتال

وفي إطار هذه المعطيات، رأى المحلل السياسي الليبي عصام الزبير أن حفتر يحب أن يخرج كل فترة بشيء جديد حتى يثبت أنه موجود في الساحة الليبية.

وأضاف الزبير لـالاستقلال، أن حفتر يأتي بأفكار وآراء جديدة حتى يضغط على الأطراف الموجودة في المشهد السياسي باختلافاتها، ويدفعها للمربّع الذي يريده حتى يأخذ منها ما يريد.

وأوضح أن هذه الخطابات لا يمكن وصفها بأنها بوادر حرب جديدة، لأن الحرب بالفعل موجودة في المنطقة الغربية بين مكوناتها وأفرادها“.

أما أن يأتي حفتر بقواته من الشرق لغزو طرابلس مثلما حصل سابقا، فالأمر شبه مستحيل، وفق الزبير، مضيفا: “خاصة مع وجود الأتراك بالمنطقة الغربية واستمرار اعترافهم بحكومة الدبيبة وعدم قدرة حفتر الدفع بمرتزقة الفاغنر الروس للدخول معهم في صراع جديد” .

ورأى المحلل السياسي الليبي أن حديث حفتر مكرر، وفي نفس الوقت الكل يعلم أن شعبيته تراجعت خاصة في الجنوب الليبي.

ومضى يقول: فبعض المناطق التي ساندته سابقا في صراعه مع أنصار ثورة فبراير، تخلوا عنه بعد ترشح سيف القذافي وهذا ما تمّ ملاحظته من خلال الشعارات التي رفعت في أكثر من منطقة أثناء زيارته لها، لذلك لن يكونوا سندا له في أي مغامرة عسكرية جديدة“.

___________

مواد ذات علاقة