
في خطوة مفاجئة أعلن كلا من وزير الخارجية الليبية نجلاء المنقوش ووزير الخارجية التركي مولود تشاووش أغلو، عن توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين في مجال الموارد الهيدروكربونية (النفط والغاز الطبيعي)، من خلال مؤتمر صحفي عقد الإثنين الماضي الموافق 3 اكتوبر 2022 بالعاصمة الليبية طرابلس.
فقد صرح تشاووش أوغلو “سنوقع مع ليبيا اليوم مذكرة تفاهم في مجال الغاز، ولا يحق لدول أخرى التدخل في الاتفاقية الموقعة بين بلدين ذوي سيادة“.
كما شدد أن مذكرة التفاهم للتعاون الأمني والعسكري الموقعة بين البلدين في 27 نوفمبر 2019 تعد حجر أساس هام في طريق الاستقرار، مضيفا “سنواصل عملنا في هذا السياق بالتعاون (مع الليبيين) لضمان وجود جيش نظامي في ليبيا“.
وفي رده على سؤال حول بنود مذكرة التفاهم بين البلدين في مجال الغاز، أوضح تشاووش أوغلو أن “اتفاقية اليهدروكاربون” الموقعة تهدف إلى إقامة تعاون بين الشركات التركية والليبية في الاستكشاف والتنقيب وذلك وفق مفهوم الربح المتبادل في البر والبحر وفي مناطق الصلاحية البحرية” بحسب اتفاقية ترسيم الحدود سالفة الذكر.
أعرب أيضا عن توقعاته بتجاوز حجم التجارة مع ليبيا 4 مليارات دولار مع توقيع اتفاقية “سواب” بين البنكين المركزيين التركي والليبي. المنقوش قالت “إن مذكرة التفاهم بين الدولتين تصب في مصلحتهما وتساهم في حل الأزمة العالمية بخصوص الطاقة والغاز“.
كما نوهت المنقوش في نفس السياق إلى أن الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا والموقعة في عهد حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج “تحتاج إلى تسجيل لدى الأمم المتحدة، وأنها ستجد مجالا للتنفيذ حال تفعيلها“، مشيرة إلى أن هذه الاتفاقية بها شق فني لم يتم مناقشته بعد.
خلفيات الاتفاقية تاريخيا
إن التوصل إلى هذه الاتفاقيات لم يكن وليد اللحظة أو أنها بدأت منذ توقيع ترسيم الحدود في 2019 وإنما لها جذور منذ 2009 وهو العام التي أعلنت ليبيا منطقتها الاقتصادية الخالصة، وبناء عليه فقد بدأت الجهود لترسيم الحدود البحرية بين البلدين عن طريق القوات التركية والتي وضعت دراسة للخططط وأعدت الخرائط اللازمة لرسم مستقبل المنطقة، وحمل في عام 2010 الرئيس أردوغان تلك الخرائط في لقاء مع القذافي وعرضها عليه للوصول إلى اتفاقية تضمن حقوق البلدين إلا أن أحداث 2011 التي مرت بها ليبيا حالت دون ذلك.
عادت المباحثات مرة أخرى في عام 2018 بين حكومة الوفاق بقيادة السراج والدولة التركية ولكن مرة أخرى حال هجوم حفتر على طرابلس في أبريل 2019 دون الوصول إلى اتفاق من جديد.
وأخيرا أبرمت طرابلس وأنقرة اتفاقية تعاون عسكري وأمني واتفاق ترسيم بحري في نوفمبر 2019 مع حكومة الوفاق الوطني السابقة، والتي كان تحت وطأة هجوم عسكري يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد طرابلس بالتعاون مع قوات الفاغنر الروسية وبتأييد مصري إماراتي سعودي، في ظل تجاهل دولي مريب لمطالب المتعددة بالتدخل لإيقاف تلك الحرب، في المقابل ساعدت تركيا عسكريا حكومة السراج في صد الهجوم ودحر القوات الغازية إلى ما يقارب من 500 كلم شرق العاصمة طرابلس.
وفي شهر أغسطس 2020 ردت مصر واليونان على هذه الخطوة باتفاق لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط في محاولة للالتفاف على الاتفاقية التركية الليبية الأمر الذي دعى تركيا لنشر بعض القطع العسكرية البحرية في المنطقة في إشارة قوية عن عزمها المضي قدما في هذا المشروع مهما كلف الثمن.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن الاتفاقية بين ليبيا وتركيا لا تغير قواعد اللعبة على المستوى الثنائي بين الطرفين فحسب، إنما على المستوى الإقليمي الجيوسياسي والجيواقتصادي في منطقة شرق المتوسط، فهي تتعلق بمصر وإسرائيل واليونان وقبرص اليونانية وتركيا وليبيا وأيضا على الشركات التي تعمل في مجال الطاقة والدول المستقبلة للطاقة في أوروبا على وجه الخصوص.
فوفقا لتقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية المعلنة في عام 2010 فإن باطن شرق المتوسط يختزن ما يقارب من 107 مليار برميل من النفط الخام 122 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي وهي مخزونات ضخمة تغيّر من المعادلات الجيوسياسية والجيواقتصادية للدول المعنية وتعديل ميزانها في موارد الطاقة لسنوات طويلة.
وإضافة إلى كل هذه الانعكاسات الاقتصادية ترى دول المنطقة بما فيها ليبيا وتركيا أن النصيب الذي ستحصل عليه كل دولة من هذا المخزون سيكون من بين محددات أدوارها الجيوستراتيجية في المنطقة ويعد هذا المعطى أحد المداخل الضرورية لإدراك حالة التوتر التي تعاطت بها دول شرق المتوسط مع مذكرة التفاهم الليبية التركية عند توقيعها في 2019، وتجدد هذا التوتر مرة أخرى بعد توقيع مذكرة التفاهم بين البلدين في مجال الموارد الهيدروكربونية في أكتوبر 2022.
وجديرا بالذكر أن هذه المذكرة تسمح لأنقرة وطرابلس بتأكيد حقوفهما في مناطق واسعة شرق البحر المتوسط، وهو ما أثار حفيظة دول المنطقة.
…
يتبع في الجزء التالي ونتناول فيه ردود الفعل المحلية والدولية من مذكرة التفاهم
__________
المصدر: ورقة تقدير موقف الصادرة عن “المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية ”
