حسابات بنكية وأدوار سياسية لمقرب من القذافي

تحقيق محمد أبوالغيط و فريق مشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد

من يملك السوق الحرة للبترول؟

سجلت شركة Free Market Petroleum في ولاية ديلاور الأميركية، المعروفة بالحفاظ على سرية بيانات الشركات (الأوفشور)، في سبتمبر/أيلول 2002.

ظهر الشركاء الأربعة، حسن طاطاناكي وكيمب وهيكمان وسارمينتو، مساهمين في شركة بريطانية ثانية تحمل اسما مشابهاً، Freemarket Global UK Ltd، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول 2003، كما يظهر معهم أيضاً حاتم فخر، مدير شركة تشالنجرالنفطية المملوكة لأسرة طاطاناكي، وهو نجل اللواء أحمد فخر، مدير أكاديمية ناصر العسكرية سابقا، ورئيس المجلس المحلي للقاهرة ممثلا عن الحزب الوطني الحاكم بين عامي 2007 و2011.

وكشفت وثائق من تسريب أوراق الجنة Paradise Papers”، منشورة على قاعدة بيانات آي سي آي جي، أن ذات الأشخاص الخمسة يملكون شركة ثالثة في برمودا، الملاذ الضريبي التابع للتاج  البريطاني، اسمها FreeMarket Petroleum Limited ، سُجلت عام 2003.

وهذه المرة يظهر معهم شريك آخر هو جمال علي عبد الله سند السويدي، الذي كان يتولى منصب المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، والذي عمل مستشارا سياسيا لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وقتما كان نائبا لولي عهد أبو ظبي.

ومن جانبه، نفى جمال السويدي أي علم له بذلك، وقال لفريق التحقيق: “أنا أسمع اسم هذه الشركة للمرة الأولى في حياتي“.

لكن حاتم فخر قال إن جمال السويدي كان مديراً بالفعل، لكنه لم يكن يحضر الاجتماعات أو يساهم بأي عمل، خاصة أنه في ذلك الوقت كان يعاني من المرض، مشيراً إلى أن سبب إدراجه هو حاجة الشركة إلى الحصول على المصداقية وثقة السياسي الأميركي جاك كيمب الذي كان متشككا، وتم حل ذلك عبر شركة حكومية إماراتية رشحت السويدي.

واتفق فخر مع وصف طاطاناكي للمشروع بأنه كان خاسرا، مضيفاً أن طاطاناكي دفع 25 مليون دولار ميزانية للشركة، لكن تم إنفاق أغلبها خلال العام الأول في صورة رواتب ضخمة وتكاليف سفر للمديرين من دون بدء تنفيذ أي عقود، فقرر طاطاناكي وقف أعمال الشركة.

تغيرات ما بعد الثورة الليبية

سرعان ما غير طاطاناكي معسكره، بعد الربيع العربي في عام 2011 وبدء ثورة 17 فبراير الليبية، إذ دشن مؤسسة خيرية تسمى ليبيا الحرة“.

ونقلت صحيفة ذا هيلالأميركية عن عمر خليفة، الذي جرى تقديمه باعتباره ممثلا عن المؤسسة، أنها أنفقت نحو 20 مليون دولار على مساعدات للشعب الليبي، وساهمت بمائة طن من الغذاء والماء للاجئين في جميع أنحاء البلاد.

وفي أكتوبر 2011، عاد طاطاناكي إلى تعاقدات الضغط السياسي، وهذه المرة وقعت مؤسسة ليبيا الحرةاتفاقا مع شركة فرانكلين بارتنرشيبالأميركية بغرض التعريف بمشاريعها التي تشمل تطوير البنية التحتية، وعلاج الجرحى الليبيين في مصر وتونس، وذلك مقابل 15 ألف دولار شهريا، بحسب وثائق فارا.

أيضا، أطلق طاطاناكي قناة تلفزيونية تحمل اسم ليبيا أولاًتبث من القاهرة. لم تكن هذه أول استثماراته الإعلامية، فقد أطلق عام 2009 قناة أزهريبالشراكة مع الداعية المصري خالد الجندي.

ورغم تحول طاطاناكي إلى تأييد الثورة، طلبت السلطات الليبية الجديدة من الإنتربول إدراجه على القائمة الحمراء بتهمة الاحتيال، وهو ما تم في ديسمبر/كانون الأول 2012، وبعدها جرى حذفه من القائمة.

ذكرت مصادر ليبية محلية وقتها أن سبب الحذف هو ضغط المجلس العسكري للزنتانالذي دعمه طاطاناكي خلال الثورة، لكن طاطاناكي نفى ذلك، وقال إن ما حدث كانت نتيجة استهداف شخصي من مسؤول ليبي، وإنه تم توضيح موقفه خلال أسبوع فقط بعد أن قدم المستندات ذات الصلة.

ومع استمرار الحرب، أظهر طاطاناكي دعمه لخليفة حفتر، الجنرال المتقاعد الذي شن حملة عسكرية في مايو/أيار 2014 ضد الإسلاميين في بنغازي، وهو ما تطور إلى تمرد ضد الحكومة المعترف بها دوليا، وانقسمت البلاد إلى قسمين.

في مقابلة أجراها طاطاناكي مع مجلة فورين بوليسي، وصف نفسه بأنه شريكلحفتر، وقال إنه اقترح نقل البرلمان الليبي إلى مدينة طبرق بالمنطقة الشرقية، وإنه ساهم في تغطية تكاليف ذلك، كما أشار إلى تواصله مع قادة مليشيا الزنتان.

لكن طاطاناكي نفى لفريق التحقيق دعمه حفتر، وقال إنه دعم حملة فجر ليبيافي أيامها الأولى بهدف وقف تهديد المليشيات الإسلامية وإعادة بناء المؤسسات الليبية. يؤكد طاطاناكي: “لم أدعم حفتر على الإطلاق. لقد دعمت إنشاء جيش قوي ومستقر“.

العلاقة مع أوكامبو

في السنوات التالية، تردد اسم طاطاناكي مرتبطاً باسم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو، بحسب الوثائق التي حصلت عليها صحيفة ميديابارت الفرنسية، وجرى تحليلها من قبل منظمة التعاون الاستقصائي الأوروبي (EIC)، ومشاركتها مع مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود.

وقع طاطانكي مع أوكامبو عام 2015 عقداً للعمل استشارياً مع مؤسسته العدالة أولالمدة 3 سنوات مقابل 3 ملايين دولار. تم إنهاء العقد مبكرا، وتلقى أوكامبو تحويلاً واحداً بقيمة 750 ألف دولار.

بحسب رسائل إلكترونية مسربة، فإن أوكامبو تجاهل علامات على وجود ارتباطات يحتمل أن تكون مريبة، وتشير العديد من الرسائل الإلكترونية إلى العلاقة مع حفتر ومؤيديه الإقليميين في ذلك الوقت بشكل واضح.

وفي إحداها، قال عمر خليفة، الموظف في مؤسسة طاطاناكي، لأوكامبو، إنه كان يجتمع مع أجهزة أمنيةمصرية، وإن حسن على اتصال برئيس جهاز المخابرات العامة المصرية“.

وفي مايو 2015، ظهر قائد عسكري موالٍ لحفتر على قناة ليبيا أولاً المملوكة لطاطاناكي، وقال إن أولئك الذين لم ينضموا إلى حفتر سيتم ذبحهمواغتصاب نسائهم أمام أعينهم“.

بعد أيام قليلة، تواصل أوكامبو مع عمر خليفة لتقديم المشورة له حول كيفية حماية طاطاناكي من أي ملاحقات قضائية ذات صلة بذلك.

ارتبطت القناة بواقعة أخرى في ذات الشهر، إذ ظهر عليها زعيم قبلي من طبرق مهدداً بأنه إذا لم يستقل رئيس الوزراء آنذاك عبد الله الثني، فسوف يحطم رأسه“.

وحاول مسلحون اغتيال الثني في طبرق بعد فترة وجيزة. ورداً على سؤالنا حول الحادث، قال طاطاناكي إنه لا يتذكر ذلك الظهور التلفزيوني، إلا أنه يعتقد أن عبد الله الثني هو من لفق محاولة اغتياله. وأغلقت قناة ليبيا أولا في نهاية عام 2015 من دون إعلان الأسباب.

من جانبه، نفى أوكامبو ارتكاب أي مخالفات. وقال لـ OCCRP: “لا توجد أي أخطاء للحديث حولها، طلب المواطن الليبي حسن طاطاناكي نصيحتي حول كيف يمكن للعدالة الدولية أن تساعد في إنهاء العنف في بلاده“.

وقال أوكامبو إنه قد تعرض للاختراق الإلكتروني وسط صراع بين دول الخليج يشمل ليبيا، وتم استخدام المعلومات لشن هجوم لا أساس له على سمعة طاطاناكي ونزاهتي والمحكمة الجنائية الدولية“.

ليبيون في أسرار سويسرية

اشتمل تسريب بيانات كريدي سويسعلى أكثر من 1500 حساب امتلكها ليبيون، بعضهم من أشهر رجال السياسة والمال.

أحد أبرز الأسماء هو علي الدبيبة، ابن عم رئيس الوزراء المعترف به دوليا عبدالحميد الدبيبة. ورغم أنه محسوب على الجبهة السياسية المناوئة لمعسكر طاطاناكي، إلا أن مسيرة كليهما تتشابه في العديد من المراحل، ومنها إدراج اسم الدبيبة عام 2014 في قائمة المطلوبين دوليا من الانتربول بتهم اختلاس أموال عامة وغسيل أموال، قبل أن يُحذف اسمه لاحقا، بالضبط كما حدث مع طاطانكي.

وأظهرت بيانات أسرار سويسريةامتلاك علي الدبيبة ونجله إبراهيم حسابات في كريدي سويس، بلغت قيمة أعلى رصيد فيها 19 مليون فرنك سويسري، وذلك لحساب باسم إبراهيم الدبيبة وشركة كولد هاربورمن كوستاريكا.

وتعود العديد من الحسابات الليبية الأخرى إلى عصر القذافي، بعضها لأفراد مثل خالد، نجل الخويلدي الحميدي، رفيق القذافي في انقلابه على الملك السنوسي، ووزير الداخلية الليبي الأسبق، وبعضها امتلكتها مؤسسات ليبية حكومية.

ويعود أبرز حسابات المؤسسات الليبية إلى الشركة الليبية للاستثمار الأجنبي LAFICO، وبلغ الحد الأقصى لرصيد ذلك الحساب 422 مليون فرنك سويسري، أي نحو نصف مليار دولار في عام 2007.

وتم نقل أموال ذلك الحساب لجهة مجهولة وإغلاقه في يونيو 2010، وهو توقيت قريب من وصول حساب طاطاناكي ذو الرصيد الأكبر إلى ذروته في يناير 2010.

طموح رئاسي

أقر طاطاناكي في حديثه لفريق التحقيق بامتلاكه حسابات في بنك كريدي سويس، إلا أنه نفى حمل أحدها مبلغا يناهز نصف مليار دولار، مؤكدا أنه لم ينتهك أي قانون.

وبينما أعلن طاطاناكي، في أواخر العام الماضي، نيته الترشح للانتخابات الرئاسية، والتي كان من المفترض أن تجرى في ديسمبر 2021، وصلت طائرته إلى مطار معيتيقة في طرابلس، ولأسباب غير واضحة، جرى احتجازه مدة وجيزة، ولكن سرعان ما أطلق سراحه، وقُبل طلبه وأُدرج اسمه ضمن قائمة المرشحين الرسمية.

وأدت جولة أخرى من التدهور السياسي والانقسام إلى تأجيل الانتخابات مرة أخرى، غير أن طاطاناكي يؤكد بأنه لا يزال ينوي الترشح للرئاسة.

***

ينشر التحقيق بموجب تعاون بين مؤسستي العربي الجديدومشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود“.

___________

مواد ذات علاقة