حسين مصطفى

تتواصل المظاهرات في عدد من المدن والمناطق الليبية، احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية، ورفضا لاستمرار أطراف الأزمة الليبية في المشهد السياسي.

وتطرح هذه المظاهرات أسئلة حول مدى استمراريتها وصولا لتحقيق مطالب منظميها من القطاعات والفعاليات الشبابية، فضلا عن إمكانية احتوائها وتوجيهها من قبل أطراف الأزمة الراهنة، وذلك على ضوء محاولات ركوب الموجةمن قبل ساسة بارزين، بهدف توجيه دفة المظاهرات ضد الخصوم السياسيين.

وليبيا دولة نفطية وتخطى عائد احتياطياتها من الخام حاجز 22 مليار دولار في العام الماضي، وفق إحصائيات رسمية، ورغم ذلك فإن نصف سكانها بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وفي المناطق الريفية في الجنوب والمنسية من قبل السلطة المركزية، تصل هذه النسبة إلى 90 في المئة.

ويلقي المتظاهرون باللوم في تردي الأوضاع الاقتصادية على السلطات التنفيذية والتشريعية في البلاد، حيث حجبت هذه السلطات فرص التنمية في البلاد، وضربت فرص تحسين ظروف الحياة لليبيين بفعل تواصل صراعها على السلطة، ما فتح الباب أمام انتشار الفساد في القطاعات الخدمية، لا سيما قطاع الكهرباء الذي لا يزال يعاني مشاكل الانقطاع المتكرر، رغم ملايين الدولارات التي صرفت لإصلاح محطات التوليد.

الكاتب والمحلل السياسي عبد الله الكبير، يعتقد أن المظاهرات سوف تحدث تغييرا جوهريا في المشهد السياسي، إذا استمرت بزخم متصاعد وتزايدت أعداد المتظاهرين خلال الفترة المقبلة.

وأكد الكبير في حديث خاص لـعربي21″ أن كل الساسة الذين سعوا للتواصل مع قادة الحراك، فشلوا في محاولاتهم، مستبعدا محاولات بعض الساسة الالتفاف على المتظاهرين، ذلك أن المطالب واضحة وهي معبرة عن تطلعات غالبية الشعب“.

دور القبيلة

ومتحدثا عن دور القبيلة في دعم المتنفذين من المسيطرين على السلطة، قال، إن دور القبيلة شهد ضعفا بشكل كبير، بل إن قيادات من قبيلة عقيلة صالح (رئيس البرلمان) يطالبون برحيله وإجراء الانتخابات“.

وشدد على أنه عندما تعجز بعض الأطراف عن مواجهة خصومها مع تحالفاتها غير المضمونة تجد نفسها وحيدة ومعزولة في مواجهة خصوم وحلفاء تضطر إلى الاستنجاد بالقبيلة، ولكن دور القبيلة سيتراجع أمام المد الشعبي الشامل، إذ تضطر القبيلة لتحافظ على مصالحها وحضورها إلى عدم مصادمة التوجه العام“.

استمرار الحراك

الكاتب والمحلل السياسي، فرج فركاش قال، إن الحراك والمظاهرات الأخيرة تعطي مؤشرا أن الشعب بدأ ينفد صبره بعد كل العبث الذي أوصلتنا إليه الأجسام السياسية الحالية“. متوقعا أن يستمر الحراك بشكل أكثر وضوحا في الأيام والأسابيع القادمة.

وفي حين أبدى فركاش تحفظه على ما حصل في طبرق (إحراق مقر البرلمان) إلا أنه اعتبر أن المتظاهرين لم يكن لهم خيار سوى اللجوء لهذه الأساليب للفت الانتباه إلى مطالبه، منتقدا في حديث متلفز تابعته عربي21″ أن الرسالة وصلت، وأن الشعب يريد التغيير ولا مجال لاستمرار العبث الحالي.

واستطرد قائلا: “الشعب بدأ يعي ما تفعله الأجسام الحالية خاصة مجلس النواب الذي يفترض أنه يمثل كل الليبيين، ولكنه أصبح لا يمثل إلا نفسه ومصالحه، وأن السياسيين الحاليين أصبحوا لا يمثلون تطلعات الشعب الليبي“.

ويرى فركاش أنه إذا لم تكن هناك استجابة لمطالب المتظاهرين وحلول عاجلة، فإن المتظاهرين يهددون بعصيان مدني. داعيا إلى الضغط على المجلسين (النواب والدولة) لإنجاز القاعدة الدستورية التي تنظم الانتخابات.

مشروع حفتر

وفي تعليقه، قال المحلل السياسي، عبد السلام الراجحي، إن المظاهرات في طرابلس أمر معتاد أسبوعيا لكنها جديدة في طبرق (مقر مجلس النواب) معددا في حديث متلفز أسباب خروج المظاهرات هناك.

ويرى الراجحي في حديث متلفز تابعته عربي21″ أن أهالي طبرق والشرق الليبي تحملوا سوء الخدمات والمعيشة، لأنهم كانوا يعتقدون أن عقيلة صالح وحفتر يقودون حربا ضد الإرهابيين والغزو التركي، لكنهم اكتشفوا أنهم الآن شركاء في الحكومة الجديدة (حكومة فتحي باشاغا).

وثانيا يرى الراجحي أن حفتر يقود مشروعا لتجنيس مصريين، وهو خطر وكارثة على أهل شرق ليبيا وطبرق“. وفق قوله.

وثالثا أن أعضاء مجلس النواب وأسرهم يعيشون حياة الرفاهية والبذخ، في حين يعاني أهل الشرق وطبرق في حالة كارثية جراء انتشار الفقر وانعدام الخدمات“.

***********

الأجسام السياسيةالليبية بمرمى نيران الشعب.. تعرف إليها

يتواصل الضغط الشعبي في ليبيا، بعد تردي الأوضاع المعيشية، وفشل الأجسام السياسية في تسوية الخلافات بينها، رغم جولات مكوكية أجريت مؤخرا في كل من القاهرة وجنيف لتقريب وجهات النظر، وصولا إلى إجراء انتخابات كحل يرجو الليبيون أن يفضي إلى استقرار في بلد يشهد اضطرابات سياسية وأمنية.

ووجد القادة الليبيّون أنفسهم تحت وطأة ضغط متنامٍ من الشارع، غداة تظاهرات في أنحاء البلاد؛ بسبب انقطاع التيّار الكهربائي المزمن في منتصف موجة الحرّ، وذلك في وقتٍ لم يتمكّنوا فيه من تسوية خلافاتهم السياسيّة.

ويريد محتجون ليبيون استقالة السلطات السياسية، وإجراء انتخابات، بعد أن أوجدت فترات انتقالية سابقة مؤسسات تمسكت بالسلطة لفترات طويلة بعد انتهاء تفويضها.

فيما يلي المؤسسات السياسية الليبية التي فشلت حتى الآن في التغلب على الخلافات المتجذرة بين السلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها، وهو الانقسام الذي ظهر بعد الإطاحة بحكم معمر القذافي في عام 2011.

مجلس النواب الليبي

انتُخب مجلس النواب الليبي في عام 2014، ليكون البرلمان الوطني للبلاد بتفويض مدته أربع سنوات للإشراف على الانتقال إلى دستور جديد يصيغه كيان آخر منتخب.

لكن ثار خلاف على شرعية انتخابات عام 2014، ورفض المجلس التشريعي السابق تسليم السلطة، ما سرع بحدوث انقسام بين الفصائل المتحاربة في شرق ليبيا وغربها.

وجاء الاتفاق السياسي الليبي المبرم عام 2015 باعتراف دولي بمجلس النواب باعتباره البرلمان الشرعي وبالمجلس الأعلى للدولة باعتباره الغرفة الثانية الاستشارية بالبرلمان وبحكومة الوفاق الوطني المؤقتة.

لكن الاتفاق لم يوقف القتال، وظل مجلس النواب في مدينة طبرق في شرق البلاد، حيث دعم رئيسه عقيلة صالح وأغلب أعضائه حكومة موازية في الشرق.

ويقول منتقدو مجلس النواب إن تفويضه انتهى أجله، وبالتالي شرعيته، ويتهمون صالح باستغلال القواعد البرلمانية للدفع بجدول أعماله الخاص. وينفي صالح ذلك.

المجلس الأعلى للدولة

تشكل المجلس الأعلى للدولة من أعضاء أول برلمان ليبي مؤقت، والذي انتخب عام 2012، ويشكك زعماؤه في شرعية انتخابات 2014.

وبموجب الاتفاق السياسي الليبي المبرم عام 2015، يعتبر المجلس الأعلى للدولة الغرفة الثانية الاستشارية للبرلمان ودوره استشاري.

وأي تعديلات كبيرة في الدستور أو تشكيل حكومات جديدة من المتوقع أن يتطلب موافقة المجلسين للحصول على الدعم الدولي.

ويقول منتقدو المجلس الأعلى للدولة إنه يفتقر للشرعية الشعبية، وإن رئيسه خالد المشري يعمل نيابة عن جماعات إسلامية خسرت في انتخابات عام 2014، وتسعى للتشبث بالسلطة. وينفي المشري ذلك.

حكومة الوحدة الوطنية

 خلال فترة توقف القتال في عام 2020، اتفق مؤتمر مدعوم من الأمم المتحدة يضم شخصيات من مختلف التيارات السياسية على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية يوم 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021.

ووافق المشاركون في المؤتمر على تشكيل مجلس رئاسي جديد وحكومة وحدة وطنية للإشراف على إجراء الانتخابات.

كما وافقوا على أن يحل هذان الكيانان محل حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت في طرابلس في الغرب، وعلى أن يقود ذلك إلى حل الحكومة الموازية في الشرق التي كانت مدعومة من مجلس النواب.

وصوت المؤتمر المدعوم من الأمم المتحدة على تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية، ووافق مجلس النواب على حكومته في آذار/ مارس 2021. لكن الخلافات على القواعد الحاكمة للعملية الانتخابية حالت دون إجرائها.

وعين مجلس النواب بعد ذلك رئيس وزراء آخر هو فتحي باشاغا، قائلا إن رئيس حكومة الوحدة الوطنية انتهى تفويضه يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021. وأثار ذلك خلافا جديدا، وجدد الانقسام بين شرق ليبيا وغربها.

الحكومة الموازية

 أدى باشاغا وحكومته اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، لكنه لم يتمكن من دخول طرابلس أو السيطرة على أي مؤسسة حكومية، ما ترك البلاد في أزمة.

ومع انقسام ليبيا مرة أخرى، تجنب العديد من الدول الأجنبية تأييد طرف دون الآخر.

المجلس الرئاسي

اختار المؤتمر المدعوم من الأمم المتحدة مجلسا رئاسيا يضم ثلاثة رجال برئاسة عبد الله اللافي، للقيام بدور رئيس الدولة، ويمثل الأقاليم الليبية الرئيسية الثلاثة في الغرب والشرق والجنوب. لكن لم يلعب دورا يذكر في حل الأزمة السياسية.

_______________

مواد ذات علاقة