يواصل الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية حشد مزيد من القوات في جبهة سرت، من مختلف المدن والمناطق، استعداداً لبدء عملية إعادة السيطرة على المنطقة الوسطى، المحاذية للهلال النفطي في حال فشل المفاوضات الجارية.

ويأتي ذلك بينما تواجه الجبهة الداخلية لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، مؤخراً، تململاً واحتقاناً بعد هزائمها في المنطقة الغربية، ووقوع اشتباكات فيما بينها بالهلال النفطي، ومظاهرات منددة بالاختطافات والقتل تحت التعذيب في محافظة الجفرة (وسط) وبشرق البلاد.

فاغنرالتحدي الأكبر للجيش الليبي

لا تشكل ميليشيات حفتر التحدي الأكبر، بالنسبة للجيش الليبي ولا حتى المرتزقة السودانيين والتشاديين، لكن مرتزقة شركة فاغنر الروسية يمثلون أكبر تهديد أمام عملية تحرير مدينة سرت الساحلية (450 كلم شرق طرابلس)، وقاعدة الجفرة الجوية (650 كلم شرق طرابلس).

ويتراوح عدد مرتزقة فاغنر في ليبيا ما بين ألفين إلى 2500 عنصر بحسب تقديرات الوفاق، وازدادت خطورتهم بعد تزويدهم بـ14 طائرة حربية على الأقل من نوع ميغ 29 وسوخوي 24، ناهيك عن طائرات بدون طيار أغلبها صينية من نوع وينغ لونغ، ومنظومات دفاع جوي روسية الصنع من نوع بانتسير.

كما لغّم مرتزقة فاغنر خط جبهة سرت، لعرقلة أي تقدم للجيش الليبي، وإيقاع أكبر قدر من الخسائر حتى بعد انتهاء المعارك، على غرار ما فعلته في الأحياء الجنوبية لطرابلس، وكما سبق أن لغم تنظيم “داعش” الإرهابي سرت نفسها في معارك 2016.

لكن وسائل إعلام محلية وعربية تحدثت، نقلاً عن مصادر عسكرية، أنه تم رصد انسحاب مرتزقة فاغنر من غرب سرت نحو شرقها باتجاه موانئ الهلال النفطي، كما أعادت انتشارها في الجفرة، حيث انسحبت من مدن هون وسوكنة وودان، إلى زلة النفطية شرقي الجفرة. وإذا انسحبت فاغنر بمعداتها الثقيلة من الجفرة وسرت، فإنه من الصعب على ميليشيات حفتر المقاومة لفترة طويلة.

وهذا ما تجلى واضحاً في معركة طرابلس، فبمجرد انسحاب فاغنر إلى مدينة بني وليد (180 كلم جنوب شرق طرابلس)، لم تلبث ميليشيات حفتر أن انهارت في كامل المنطقة الغربية خلال أيام فقط.

الوفاقتعوّل أيضاً على اتفاق سياسي

لذلك هناك من يرجح قرب التوصل لاتفاق سياسي يسمح للجيش الليبي بدخول سرت وربما الجفرة بدون قتال، مع فتح حقول وموانئ النفط، المغلقة منذ 17 يناير/كانون الثاني الماضي.

وهو ما ذهب إليه المبعوث الشخصي لرئيس الحكومة الليبية إلى دول المغرب العربي، جمعة القماطي، حيث قال في تغريدة له، الأحد: “إطلاق سراح المعتقلين الروس (2) اليوم، وتفاهمات أخرى مع روسيا ستقود إلى تحرير سرت والجفرة قريباً، وتحطيم عنتريات أي خطوط حمراء وهمية!”. 

ويضيف القماطي: “استئناف تصدير النفط (مصدر قوت كل الليبيين)، وخروج حفتر وأبنائه من المشهد بالكامل شرطان أساسيان قبل الذهاب إلى أي مسار سياسي ينهي الأزمة في ليبيا”.

أكثر من 80٪ من ميليشيات حفتر.. مرتزقة

ورغم تهديدات النظام المصري بالتدخل عسكرياً في ليبيا إن تم تجاوز “خط سرت الجفرة”، فإن لهجة التهديد هذه خفت في ظل رفض ليبي ودولي لهذا الخيار، وبداية حديث عن “السلام” و”الحل السياسي”. حيث أعلن مجلس الدفاع الوطني بمصر، الأحد، “الالتزام بالحل السياسي كسبيل لإنهاء الأزمة الليبية”.

ويتوقع ضباط ليبيون أن يقدم النظام المصري دعماً لوجيستياً لميليشيات حفتر ومسلحي القبائل، وربما قصفاً جوياً محدوداً لكن يستبعدون تورطاً شاملاً في حرب طويلة الأمد بليبيا، خصوصاً في ظل التهديدات التي يشكلها سد النهضة الإثيوبي على حصة البلاد من مياه النيل.

أما المرتزقة السودانيون والتشاديون والذين يمثلون كتلة وازنة من حيث العدد في ميليشيات حفتر، فتهديدهم أقل نظراً لمحدودية أسلحتهم، كما أن الحكومة السودانية بدأت في تضييق الخناق على الراغبين في الالتحاق بالحرب في ليبيا من أجل المال.

حيث اعتقلت السلطات السودانية 525 مرتزقاً على ثلاث دفعات، منذ فبراير/شباط الماضي إلى غاية الأحد الماضي، كانوا في طريقهم للقتال في ليبيا. ويمثل المرتزقة أكثر من 80٪ من قوام ميليشيات حفتر، بحسب اللواء أسامة الجويلي، قائد المنطقة الغربية في الجيش الليبي.

اضطراب الجبهة الداخلية لحفتر

تواجه الجبهة الداخلية لميليشيات حفتر احتقاناً أمنياً واجتماعياً، تجلى ذلك في الاشتباكات التي جرت بالهلال النفطي بين مجموعتين مسلحتين تابعتين لها، والمظاهرات الاحتجاجية ضد عمليات القتل والخطف في وسط وشرق البلاد.

حيث تحدثت المؤسسة النفطية عن وقوع اشتباكات (الجمعة والسبت)، بين قوات الصاعقة وحرس المنشآت النفطية التابعين لميليشيات حفتر، بالقرب من ميناء البريقة النفطي، باستخدام أسلحة متوسطة (مدافع رشاشة عيار 23 ملم، وقذائف آر بي جي) على بعد مئات الأمتار من خزانات النفط.

ودعت مؤسسة النفط لإخراج “مرتزقة فاغنر والسوريين والجنجويد” من منشآتها، وهو ما يكشف هوية المسلحين المتواجدين في منطقة الهلال النفطي.

لكن ليس الاقتتال بين ميليشيات حفتر بالأسلحة المتوسطة بالقرب من خزانات النفط وحده ما يقلق الليبيين، إذ إن عمليات القتل تحت التعذيب والاختطاف أخرجت الناس في مظاهرات للتنديد بها، مُتحدّين ما قد يطالهم على يد هذه الميليشيات غير المنضبطة.

ففي هون، القريبة من قاعدة الجفرة الجوية، اختطفت ميليشيات حفتر ثلاثة شبان كلاً على حدة، وقتلتهم تحت التعذيب، بحسب وسائل إعلام محلية، وخرجت مظاهرات منددة بهذه الجرائم.

وحالة الاحتقان في الجفرة طالت أيضاً مدينة شحات (شرق) حيث تظاهر سكان من قبيلة الحاسة، في 10 يوليو/تموز الجاري، للتنديد باستمرار اختطاف وتغييب وزير المالية بالحكومة الموازية (غير معترف بها دولياً) كامل الحاسي، منذ مايو/أيار الماضي، والمواطنة مقبولة الحاسي (75 سنة) التي اختطفتها ميليشيات حفتر في مدينة بنغازي (شرق)، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019.

وفي ظل هذا الاحتقان الشعبي، والحشود العسكرية، والمفاوضات الدولية، من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة تطورات مهمة لمستقبل سرت والجفرة وأيضاً الهلال النفطي، إما نحو حل سياسي أو مزيد من الاحتقان.

كيف يتجنب السيسي وأردوغان مواجهة تبدو وشيكة في ليبيا

في الوقت الذي شهدت فيه الأيام الماضية، تصعيدا متبادلا بين كل من القاهرة وأنقرة، بشأن الموضوع الليبي، تتزايد التكهنات باقتراب معركة وشيكة، حول منطقتي سرت والجفرة الليبيتين، اللتين ماتزالان تحت سيطرة قوات شرق ليبيا، التي يتزعمها الجنرال الليبي خليفة حفتر، وبينما تتوارد أنباء،عن حشد حكومة الوفاق الوطني الليبية، لمئات من مقاتليها حول سرت، استعدادا لمعركة حاسمة، لاستعادة السيطرة عليها من قوات حفتر، تشير أنباء أخرى إلى استعدادات متواصلة في صفوف قوات حفتر، في ظل حديث عن إمدادات عسكرية له، وطائرات روسية هبطت في سرت خلال الأيام الماضية.

بين القاهرة وأنقرة

ويتفق كثير من الخبراء العسكريين والاستراتيجيين، على أن معركة سرت في حال وقوعها، لن تكون مجرد معركة، بين كل من قوات حكومة الوفاق الليبية في طرابلس من جانب، وقوات الجنرال حفتر من جانب آخر، لكنها ستكون مواجهة عسكرية بين كل من القاهرة وتركيا، فمصر ترى أن الوضع في ليبيا يمثل تهديدا لأمنها القومي، وقد أكدت على لسان رئيسها قبل ذلك، على أن كلا من سرت والجفرة الليبيتين، تمثلان خطا أحمر بالنسبة لمصر، أما تركيا فترى أنها تدعم حكومة ليبيا الشرعية، وتساعدها على بسط سيطرتها على كامل التراب الليبي، وتعتبر أن السيسي يدعم طرفا غير مشروع، من وجهة نظر المجتمع الدولي في ليبيا وفق ما تقول.

وفي دلالة على استمرار كلا الطرفين، في التصعيد بشأن الموضوع الليبي، شهدت الأيام الماضية تصريحات ساخنة متبادلة، بين كل من القاهرة وأنقره، فقد ردت الخارجية المصرية بقوة، على تنديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالتدخل المصري في ليبيا ووصفه له بـ “غير المشروع”، وفق مانقلته وكالة رويترز للأنباء، وأعرب المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد حافظ، في بيان له، عن رفض مصر للتدخلات التركية في الشأن العربي، سواء كان ذلك في العراق أو سوريا أو ليبيا، مضيفا أن تلك التدخلات تنتهك قرارات مجلس الأمن، كما أدان ما سماه “مغامرة الإدارة التركية بمقدرات الشعب التركي عبر التدخل والتورط في أزمات الدول العربية”.

ونقلت وكالة سبوتنيك الروسية، عن وكيل لجنة الشؤون العربية في البرلمان المصري أحمد أباظة، قوله الأحد 19 تموز/يوليو، إن البرلمان المصري “سيناقش تفويض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإرسال قوات مصرية إلى ليبيا لمواجهة التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري، اليوم أو غدا”.

*****

واشنطن تعيد ضبط بوصلة حلفائها في ليبيا

قد تكون المرة الأولى التي تنتقد فيها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل صريح، تزويد الإمارات ومصر، مليشيات اللواء الانقلابي خليفة حفتر بالأسلحة، بعد أن لوحت سابقا بفرض عزلة وعقوبات على من “يقوضون الاقتصاد الليبي ويتشبثون بالتصعيد العسكري”.

فالولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى للانسحاب تدريجيا من أزمات الشرق الأوسط، تجد نفسها الآن مضطرة للالتفات إلى ليبيا، في ظل محاولة موسكو ملأ الفراغ في الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، عبر مرتزقة شركة فاغنر الروسية.

وهذا ما دفع مساعد وزير الخارجية الأمريكي ديفيد شينكر، لانتقاد أداء عملية “إيريني” الأوروبية المتعلقة بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، بسبب انتقائيتها.

وقال شينكر، خلال فعالية افتراضية لباحثين، إن “اعتراضاتهم (الأوروبيين) الوحيدة على الأسلحة التركية المرسلة إلى ليبيا، في حين لا أحد يعترض على الطائرات الروسية، ولا الإماراتية، ولا على المصريين”.

ويمكن اعتبار هذا التصريح، الذي صدر الخميس، محاولة من واشنطن ضبط بوصلة حلفائها الأوروبيين بشأن الملف الليبي، والتركيز أكثر على “قرار حظر توريد الأسلحة الأممي من قبل روسيا ودول أخرى كالإمارات ومصر”، بحسب المسؤول الأمريكي.

ويأتي هذا التصريح بعد 8 أيام من اتفاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، في اتصال هاتفي، على مواصلة “التعاون الوثيق” فيما يخص تحقيق السلام والاستقرار في ليبيا.

لكن مساعي الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع البعثة الأممية لإنهاء إغلاق مليشيات حفتر لحقول وموانئ النفط باءت بالفشل، بعد السماح لناقلة نفط واحدة بشحن مشتقات نفطية من ميناء السدرة (600 كلم شرق طرابلس)، في 10 يوليو/تموز الجاري.

وكان رد واشنطن شديد اللهجة هذه المرة، عبر سفارتها لدى طرابلس، والتي قالت في بيان صدر الثلاثاء، “إنّ غارات مرتزقة فاغنر على مرافق المؤسسة الوطنية للنفط، وكذلك الرسائل المتضاربة المصاغة في عواصم أجنبية (لم تذكرها) والتي نقلتها ما تسمّى بالقوات المسلحة العربية الليبية (مليشيات حفتر) في 11 يوليو، أضرّت بجميع الليبيين”.

وهددت السفارة الأمريكية من وصفتهم بـ”أولئك الذين يقوّضون الاقتصاد الليبي ويتشبثون بالتصعيد العسكري” بمواجهة “العزلة وخطر العقوبات”، في إشارة إلى مليشيات حفتر وداعميها.

كما أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أعلن، الأربعاء، فرض عقوبات على رجل الأعمال الروسي بيفغيني بريغوجين، الذي يتردد إعلاميا أنه ممول شركة فاغنر الأمنية.

وفي اليوم نفسه، ذكرت القيادة العسكرية الأمريكية (أفريكوم) أنها تملك “أدلة دامغة على أن مجموعة فاغنر، التي ترعاها وتشغلها روسيا، زرعت ألغاما أرضية وعبوات ناسفة في العاصمة الليبية طرابلس ومحيطها”.

لكن روسيا نفت، الخميس، على لسان المتحدث باسم الرئاسة، ديمتري بيسكوف، مشاركة العسكريين الروس، “بأي شكل من الأشكال في أي عمليات جارية في ليبيا”. مضيفة: “لسنا على علم بوجود مواطنين روس مشاركين في العمليات هناك”.

لكن واشنطن سبق لها وأن اتهمت موسكو بإرسال 14 طائرة على الأقل من نوع ميغ 29 وسوخوي24 إلى قاعدة الجفرة الجوية وسط ليبيا، واستدلت بصور لأقمار صناعية لإثبات ذلك.

إذ تسعى الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة لتسليط الأضواء أكثر على نشاط فاغنر في ليبيا، والمتمركزة خاصة في محافظة الجفرة (650 كلم جنوب شرق طرابلس) وفي مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، كما تحركت قبل أسابيع نحو حقل الشرارة النفطي في أقصى جنوب شرق ليبيا بالقرب من الحدود الجزائرية.

غير أن تقارير إعلامية ليبية، تتحدث عن إعادة انتشار مرتزقة فاغنر خارج مدينة سرت إلى الشرق باتجاه الموانئ النفطية، وبعيدا عن مدن الجفرة الثلاث الرئيسية (هون، وودان، وسوكنة) باتجاه مدينة زلة، إلى أقصى شمال شرقي الجفرة، حيث يوجد حقل نفطي.

ويتزامن إعادة انتشار مرتزقة فاغنر، وانسحابها من الخطوط الأمامية للمواجهة مع تسريبات إعلامية غير مؤكدة عن “مقترح أمريكي لإخلاء منطقة الهلال النفطي من أي قوات عسكرية، وانسحاب مليشيات حفتر إلى مدينة أجدابيا شرقا، مقابل عدم هجوم الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية على المنطقة الممتدة من سرت إلى أجدابيا، وإشراف قوات أوروبية عليها برعاية الأمم المتحدة”.

وتحدثت جريدة “الشرق الأوسط” اللندنية، عن اجتماع عقده وفد عسكري وسياسي أمريكي في الرجمة ببنغازي، مع حفتر، وهو ما نفاه المتحدث باسم الأخير أحمد المسماري، كما لم تعلن عنه السلطات الأمريكية.

ومع ازدياد الاحتقان في ليبيا، خاصة مع تهديد القاهرة بالتدخل عسكريا، وتأكيد تركيا أن هذا التدخل لن يكون شرعيا، يمثل الخيار التفاوضي أحسن حل للجميع لتفادي أسوأ السيناريوهات التي سيكون الشعب الليبي فيها الخاسر الأكبر.

____________

مواد ذات علاقة