بقلم آنا بورشفسكايا و كاثرين كليفلاند

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط رابطة موسّعة للنفوذ الروسي، مما يشكل تحد للاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية على حد سواء.
وفي ضوء ذلك، يصبح الفهم الدقيق لخفايا استراتيجيات موسكو، بما فيها التلاعب بالمعلومات، أمراً حيوياً.
الجزء الثالث
روسيا اليوم” بالأرقام
في فبراير 2015، صنّف استطلع أجرته شركة نيلسون ونقلته “روسيا اليوم“، قناة “روسيا اليوم العربية” من بين القنوات الإخبارية الثلاثة الأولى الأكثر مشاهدة في ست دول عربية شملها الاستطلاع: مصر والمغرب والسعودية والأردن والإمارات والعراق.
ووفقا للإستطلاع، تخطى جمهور “روسيا اليوم” اليومي جمهور كل من “بي بي سي العربية” البريطانية، و “سكاي نيوز عربية” و “الحرة” الأمريكية و “سي سي تي في العربية” الصينية. واستنادا إلى خبير الحملات الدعائية في الكرملين دونالد جنسن، “تشير الأدلة السردية إلى أن المعدل اليوم قد يكون حتى أعلى من ذلك“.
وحين بدأت “روسيا اليوم العربية” البث عبر الأقمار الصناعية في عام 2007، كان نطاق البث مؤشرا أساسيا على النجاح. واستنادا إلى معلومات متوافرة عن نطاق البث، فإن جاذبية “روسيا اليوم العربية” هي في الواقع أقل ثباتا في المنطقة من شركات البث التلفزيوني الرئيسية الأخرى التي تتوافر بشأنها بيانات. وتمثلت إحدى الصعوبات التي واجهت الباحثين السابقين في “روسيا اليوم العربية” في غياب معلومات منقولة بشكل مستقل يمكن النفاذ إليها على التلفزيون الفضائي التابع للقناة، ومع ذلك ووفقا لمصادر أخرى متنوعة، يحظى بث “روسيا اليوم” باللغة العربية بجمهور كبير في بعض الدول ولكنه محدود نسبيا على صعيد الانتشار ككل في المنطقة.
وفي الآونة الأخيرة، أفادت “روسيا اليوم” في عام 2018 أنه استنادا إلى دراسة أجرتها شركة “إبسوس“، يشاهد 11 مليون شخص “روسيا اليوم العربية” بشكل أسبوعي، حيث تتركز أكبر نسبة مساهدة في العراق. وفي المقابل، تشير أحدث إحصاءات متوافرة بشأن “الحرة” إلى بلوغ عدد مشاهديها 17 مليون كل أسبوع، بينما تشير شبكات البث في الشرق الأوسط التي تستضيف “الحرة” و “الحرة العراق” إلى 25.7 مليون.
وتدل أحداث أرقام بث بشأن “روسيا اليوم” على زيادة إجمالية مقارنة بالأرقام التي أعلنت عنها القناة في وقت سابق وشملها استطلاع نيلسون المذكور آنفاً، والتي أشارت إلى 11.5 مليون مشاهد/الشهر في عام 2015.
ونظرا إلى النجاح المحدود نسبيا لنطاق “روسيا اليوم العربية” على شركات البث الإعلامية التقليدية، يبدو أن “روسيا اليوم العربية” استفادت إلى حد كبير من تغيير معايير نسبة مشاهدة وسائل الإعلام، حيث أصبح الانترنت مصدرا رئيسيا للأخبار.
وتقدم شركة “أليكسا” التي تجمع إحصاءات بشأن المواقع الإلكترونية نافذة أخرى إلى نطاق انتشار “روسيا اليوم العربية“، مشيرة إلى أن الشركة الإخبارية قادرة على الوصول إلى جمهور أكبر بكثير عبر موقعها الإلكتروني منه عبر البث التلفزيوني.
واستنادا إلى مقاييس “أليكسا” التي تم جمهور أكبر بكثير عبر موقعها الإلكتروني منه عبر البث التلفزيوني. واستنادا إلى مقاييس “أليكسا” التي تم الحصول عليها في نوفمبر 2018، تحتل “روسيا اليوم” المركز 301 من بين المواقع الإلكترونية الأكثر شعبية في العالم، وهو تصنيف يستند إلى إجمالي عدد المشاهدين ومشاهدات الصفحة . فضلا عن ذلك، تأتي نسبة 1.79% من حركة “روسيا اليوم” من مصطلح البحث “يوتيوب” بالعربية، مما يجعلها الموجه الثالث الأكثر شعبية لحركة المرور لكافة صفحات “روسيا اليوم“.
ورغم أن موقع “أليكسا” يوضح أن مقاييس “روسيا اليوم” هي “مقدرة” وليست مثبتة، تقدم هذه الأرقام فكرة تقريبية عن النفاذ إلى الموقع الإلكتروني لـ “روسيا اليوم” في العالم العربي. وبناء على هذه البيانات، يكتسي موقع “روسيا اليوم” شعبية ملحوظة في الدول الناطقة باللغة العربية بشكل شامل، حيث غالبا ما يتخطى تصنيفها ترتيب موقعي “العربية” و “الجزيرة“.
على الرغم من هذه النتائج، تعتبر أرقام المواقع الإلكترونية والبث غير كافية لفهم النطاق الشامل للمعلومات الإعلامية المنشورة عبر الإنترنت. فضلا عن ذلك، تشتهر “روسيا اليوم” بحد ذاتها باستخدام برامج الكمبيوتر وغيرها من الوسائل لزيادة عدد المتابعين والمشاهدين لخدماتها باللغة الإنجليزية. ومع ذلك، تتلاعب هذه المقاربة بنجاح بالنظام للترويج من أجل زيادة المشاهدة الفعلية استنادا إلى قواعد حسابية على منصات عبر الإنترنت.
وكما ذكرنا سابقا، يعكس تركيز “روسيا اليوم” على وسائل التواصل الإجتماعي اهتماما خاص في نشر رسالتها إلى الجمهور الأكثر شبابا. وبالفعل، وجد استطلاع أجري عام 2018 أن الشباب العربي يلجأ إلى وسائل التواصل الإجتماعي من أجل مشاهدة الأخبار أكثر منه إلى التلفزيون (63% مقابل 51%) ففي ديسمبر 2014، تفاخرت “روسيا اليوم” بأن عدد مشاهدي قنواتها الخمس مجتمعة بلغت مليوني مشاهد على “يوتيوب“.
وتكشف دراسة أجريت في الآونة الأخيرة بشأن تأثير “روسيا اليوم” على “يوتيوب” ـ الوسيلة الأسهل لتعقبها بما أن هذا الموقع يحسب عدد المشاهدات ـ أن عدد متابعي “روسيا اليوم العربية” كبير وأخذ في الإزدياد.
وفي عام 2016، سجلت الدراسة نفسها عدد مشاهدة ناهز 300 ألف لهذه القناة. وفي ديسمبر 2018، كان لـ “روسيا اليوم العربية” 125 مقطع فيديو و “العربية” مع أكثر من 200 فيديو سجل أكثر من مليون مشاهدة. وفي حين جرى تداول العديد من هذه الفيديوهات على نطاق واسع بفضل المحتوى المصمم ليكون جذابا ببساطة بدلا من الترويج لرسالة معينة، ترتبط مقاطع الفيديو الأخرى صراحة بسياسة المنطقة، على غرار الفيديو الذي نشرته “روسيا اليوم العربية” بعنوان “لحظة القبض على طفل انتحاري من تنظيم “الدولة الاسلامية” في العراق، الذي حصد 7.2 مليون مشاهدة.
تغطية “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” في الشرق الأوسط
ينشر موقعا “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” عادة مقالات إخبارية موجزة، وفي بعض الأحيان مقالات افتتاحية أطول. وتساعد المقالات الواقعية التي تنشر بسرعة على رسم معالم الآراء الإعلامية من خلال عناوين مضللة غالبا ما تحرّف محتوى حياديا في الأصل.
وفي غضون ذلك، تميل المقالات الافتتاحية والفقرات التلفزيونية الأطول إلى تقديم وجهات نظر تآمرية أكثر علانية، على غرار مقطع الفيديو “الفاتيكان” ، الماسونيون، وكالة الاستخبارات الأمريكية والمافيامع مستندات واسماء وسجلات عمليات اغتيال أو المقال الافتتاحي “اسرائيل تعلن عن حقوقها، القرم لنا“. إن الاعتماد على نظرية المؤامرة لتنمية الشعور بـ “الكشف عن الحقيقة” هو تكتيك تتشاركه “روسيا اليوم العربية” مع القناة الشقيقة النطاقة بالإنجليزية.
وتكون نظريات المؤامرة هذه لافتة أكثر للنظر في سياق اهتمام “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” بأن تبدوا محترفين من أجل اكتساب المصداقية. فعلى سبيل المثال، كشف مستند إعلامي حول إعداد التقارير خلال الأزمة الخليجية الأخيرة بين قطر والدول المجاورة لها ومصر عن مساعي “روسيا اليوم” لتقديم تحليلها مستعينة بخبراء من الخارج.
فغالبا ما عرّفت “روسيا اليوم” مصادرها على أنهم أكاديميون ومحللون أكثر بكثير مما فعلت وسائل الإعلام الغربية (33% من الروس مقابل 23% في وسائل إعلام أمريكية و16% في وسائل إعلام بريطانية).
وهذا الإحساس بالإحترام يتجلى أيضا في معايير بث “روسيا اليوم العربية“. يذكر أن “روسيا اليوم الانجليزية” اعتمدت أسلوبا يلجأ غالبا إلى الاستهزاء لإظهار تغرات في “رواية سائدة” تشكك بها على نحو متزايد أصوات في الدول التي تتلقى البث. في المقابل، تعتمد “روسيا اليوم العربية” على الروايات الإعلامية الراسخة ـ وبخاصة تلك التي تعزز نظرة معادية للغرب، فعلى سبيل المثال، يمثل مقدم البرامج في “روسيا اليوم العربية” سلام مسافر جميع مذيعي “روسيا اليوم العربية“.
إنه صحافي عراقي سابق عمل لصالح وكالة الأنباء الحكومية في عهد صدام حسين إلى حين إقالته ونفيه القسري إلى موسكو، وهو يقدم برنامج “قصارى القول“… بجو من المهنية والحيادية الظاهرة.
وكما ذكرنا سابقا، تشدد “روسيا اليوم العربية” على الأخبار المحلية والقصص ذات الأهمية الإنسانية من أجل دعم مصداقيتها. واستنادا إلى إحدى الدراسات، كانت هذه البرمجة بالتحديد “ناجحة للغاية“. وفي الوقت نفسه، تتباعد المحطة أحيانا عن تغطية موسكو للمواضيع الإقليمية والعالمية الأخرى، وذلك رهن بمصلحة الكرملين الخاصة في كل موضوع. وبالتالي، من أجل فهم رسالة الدولة الروسية باللغة العربية، من المفيد النظر في تغطية وسائلها الإعلامية للدول الفردية في المنطقة، والغرب، وروسيا نفسها.
…
البقية في الجزء التالي بدءً بـ (ما بعد “روسيا اليوم” و “سبوتنيك”).
***
آنا بورشفسكايا ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط. وهي طالبة دكتوراه في “جامعة جورج ميسون“، وزميلة في “المؤسسة الأوروبية للديمقراطية“. ويتم نشر تحليلاتها على نطاق واسع في “فورين أفيرز“، “ذي هيل“، “ذي نيو كريتوريون“، “ذي ميدل إيست كوورترلي“، و “فوربز“. وهي مؤلفة دراسة المعهد لعام 2016، “روسيا في الشرق الأوسط“.
كاثرين كليفلاند ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومحررة “منتدى فكرة“. وقد حصلت مؤخراً على درجة الماجستير في “دراسات الشرق الأوسط” من “جامعة شيكاغو“.
____________
