انتقد المرصد الأورومتوسطي التشريعات القانونية في ليبيا، التي تقيد زواج المرأة الليبية بشكل تعسفي، وتترك زوجها وأولادها بلا حق في الحصول على الجنسية الليبية، فيما تمنح هذا الحق للشخص الليبي الذي يتزوج من أجنبية، في سياسة اعتبرها الأورومتوسطي تمييزيةً “وأدت إلى نمو الاضطهاد المجتمعي الذي تتعرض له المرأة المتزوجة من أجنبي وعائلتها في ليبيا”.

واستعرض المرصد الدولي، مقره جنيف، في تقرير له اليوم السبت وحمل عنوان “المرأة الليبية المتزوجة من أجنبي: زواجٌ مضطهَد، وأطفالٌ بلا جنسية”، أهم الإشكاليات والمضايقات التي تتعرض لها النساء الليبيات المتزوجات من أجانب، ورصد العوائق القانونية ووثق شهادات عدد من النساء الليبيات اللواتي تعرضن للاضطهاد والتمييز والمعاملة السيئة والمهينة من عوائلهن ومحيطهن الاجتماعي بسبب قراراتهن المتعلقة بالزواج من رجل أجنبي.

وبيّن الأورومتوسطي أن القوانين الليبية اشترطت لحصول المرأة الليبية على عقد الزواج من غير الليبي (وكذلك الشرط بالنسبة لليبي الذي يرغب بالزواج من غير ليبية) موافقة لجنة تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية في حال كان الزوج عربياً، وموافقة جهاز الأمن الخارجي في حال كان الزوج غير عربي، وذلك بحجة أن السماح بذلك يمثل مساسًا بالتركيبة الديمغرافية للمجتمع الليبي وخطرًا على الأمن القومي للدولة الليبي.

وأشار المرصد الأورومتوسطي في تقريره إلى أنه وخلافاً لليبي الذي يتزوج من غير ليبية، لا يحق لأبناء الليبية المتزوجة من أجنبي التمتع بجنسية أمهم إلا وفق تعقيدات تفضي غالباً إلى أنهم يصبحون ـ ما لم يحصلوا على جنسية والدهم ـ أطفالاً عديمي الجنسية، وهم على أية حال لا يتمتعون بمجانية التعليم والرعاية الصحية التي يتمتع بها الأطفال الذين ولدوا لأب ليبي، ويصادر حقهم كاملًا في المواطنة، ولا يعترف لهم بالحقوق السياسية.

وخلص التقرير إلى أن المعاملة القانونية للمرأة الليبية في هذا الخصوص تخالف الالتزامات الدولية على ليبيا بموجب اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وقالت عروب صبح، مستشارة شؤون المرأة في المرصد الأورومتوسطي: “إن الآلية التي تتبعها السلطات الليبية في التعامل مع النساء الليبيات اللواتي يتزوجن من أجانب تغذي نظرة المجتمع الليبي للمرأة التي تتزوج من أجنبي، حيث يُعتبر فعلها هذا مسيئاً اجتماعياً وقبلياً. وتوصف المرأة الليبية التي تتزوج بأجنبي بأوصاف بشعة، ويتم الطعن في شرفها وشرف أسرتها أحياناً، وقد يصل الأمر حد الاعتداء عليها أو الضغط على أسرتها بضرورة مغادرة المكان الذي تقيم فيه”.

وأشارت صبح، إلى أن “الليبيات المتزوجات من أجانب يعانين صعوبة بالغة في الحصول على الأوراق والمستندات الثبوتية، لأن السلطات الليبية الرسمية ترفض التعامل مع أي ليبية تتزوج من أجنبي سواء فيما يخصها وزوجها أو حتى أبناؤها، وذلك فيما لو تم الزواج دون موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية التي عادةً ما تعقد هذا الأمر”.

وأضافت صبح: “كما هو ملاحظ من نصوص القوانين الليبية ذات الصلة، فإن مسألة الزواج من الأجانب لم تستثنِ الليبي من شرط الحصول على موافقة لجنة وزارة الشؤون الاجتماعية، تمامًا كالليبية، إلا أنّ التمييز والاختلاف يكمن في الآثار المترتبة على زواج الليبي من أجنبية، فأبناء الليبي المتزوج من أجنبية يعتبرون ليبيين تمامًا، كما لو كانوا قد ولدوا من أم ليبية، فلهم من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية كالليبي المولود من أب وأم ليبية، بعكس أولاد الأم الليبية التي تتزوج من أجنبي”، وفق تعبيرها.

من جهتها سارة بريتشيت، المتحدثة باسم الأورومتوسطي: “ينبغي المساواة بين الرجل والمرأة في حقوق اكتساب الجنسية ومنحها لأطفالهما، حيث تؤكد المادتان 2/أ و9 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على ضرورة مساواة الدول المرأة بالرجل وإدماج هذا المبدأ في قوانينها، ويشمل ذلك المساواة في حق اكتساب الجنسية وفي حق منح الجنسية لأطفالها”.

وأضافت بريتشيت: “إن الاتفاقية ألزمت الدول بمنح المرأة حقاً مساوياً للرجل من حيث اكتساب الجنسية أو الاحتفاظ بها أو تغييرها، وهو ذات الحكم الذي تضمنته نصوص بروتوكول الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الخاص بالمرأة، والذي تعد ليبيا إحدى الدول التي صدقت عليه”.

وشددت بريتشيت على أن “الجنسية حق، ولا يجوز أن يكون هناك شخص عديم الجنسية، حيث اقتضت الاعتبارات الإنسانية الاعتراف بحق كل إنسان في أن يكون له جنسية، وهذا هو جوهر نص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948م).

كما نصَّت المادة 24/3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي كانت ليبيا صادقت عليه دون تحفظات في العام 1970م، على أن “لكل طفل حق في اكتساب جنسية”، كما قضت المادة 3 من العهد بواجب الدول في كفالة تساوى الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في العهد”.

ودعا المرصد الأورومتوسطي إلى ضرورة تعديل قانون الزواج من غير الليبيين والليبيات رقم 15 لسنة 1984م، بما يكفل حق المرأة الليبية وحريتها في اختيار شريك حياتها وبما يتماشى مع المواثيق والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل ليبيا.

كما اعتبر المرصد أن مسودة الدستور التوافقية الصادرة عن الهيئة الليبية المنتخبة (2017م) غير كافية، حيث لم تشر المسودة التوافقية نهائيا لمسألة تنظيم الجنسية باستثناء ما ورد في المادة 10 التي أشارت إلى “تنظم أحكام الجنسية الليبية وكيفية اكتسابها وسحبها بقانون، يراعى فيه اعتبارات المصلحة الوطنية والمحافظة على التركيبة السكانية وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي. ولا يجوز إسقاط الجنسية الليبية لأي سبب”.

وأعرب المرصد عن أمله أن تبذل الجهات التشريعية في ليبيا المزيد من الجهود لضمان حقوق المرأة الليبية ومساواتها بالرجل، خصوصاً فيما يتعلق بحقها بمنح جنسيتها لأطفالها.

مقدمة التقرير

شهدت الأعوام القليلة الماضية ارتفاعا ملحوظا في زواج الليبيات من أجانب. ولا سيما مع تصاعد نسبة المهاجرين وطالبي اللجوء العابرين من الأراضي الليبية.

وهو ما حدا بالمجلس الأعلى للقضاء في ليبيا. قبل قرابة عام، إلى الإيعاز للسلطتين التشريعية والتنفيذية بضرورة التدخل من أجل وضع تشريعات تقيّد من زواج المرأة الليبية من أجانب، معتبرا السماح بذلك مساساً بالتركيبة الديمغرافية للمجتمع الليبي وخطراً على الأمن القومي للدولة الليبية.

وحتى قبل هذا الإيعاز، لم تفلح المرأة الليبية يوما حقا مطلقا في اختيار زوجها. وقيّدت حريتها في الاختبار بعدة قيود قانونية واجتماعية. وعلى مدار السنين، عدّ زواج الليبيات من أجانب من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في ليبيا من حيث مدى قبوله ورفضه سواء من قبل الدولة أو المجتمع، وعزّز ذلك تركيبة المجتمع القبلية التي تتحسس من الزواج الأجنبي لأسباب ثقافية واجتماعية.

ومن الناحية القانونية، اشتُرط لحصول المرأة الليبية على عقد الزواج من غير الليبي (وكذلك الشرط بالنسبة للّيبي الذي يرغب بالزواج من غير ليبية) موافقة تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية في حال كان الزوج عربيا، وموافقة جهاز المخابرات (الأمن الخارجي سابقا) في حال كان الزوج غير عربي.

وخلافا لليبي الذي يتزوج من غير ليبية. لا يحق لأبناء الليبية المتزوجة من أجنبي التمتع بجنسية أمهم إلا وفق تعقيدات تفضي غالباً إلى أنهم يصبحون ـ مالم يحصلوا على جنسية والدهم ـ أطفالا عديمي الجنسية. وهم على أية حال لا يتمتعون بمجانية التعليم والرعاية الصحية التي يتمتع بها الأطفال الذين ولدوا لأب ليبي.

ويصادر حقهم كاملا في المواطنة، ولا يعترف لهم بالحقوق السياسية، وهو ما يخالف الإلتزامات الدولية على ليبيا بموجب اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

أما من الناحية الاجتماعية، فقد غذّى القانون نظرة المجتمع الليبي للمرأة التي تتزوج من أجنبي، حيث يُعتبر فعلها هذا مسيئاً اجتماعيا وقبليا. وتوصف المرأة الليبية التي تتزوج بأجنبي بأوصاف بشعة، ويتم الطعن في شرفها وشرف إسرتها أحيانا. وقد يصل الأمر حد الاعتداء عليها أو الضغط على أسرتها بضرورة مغادرة المكان التي تقيم فيه.

وإضافة إلى هذا وذاك، تجد الليبيات المتزوجات من أجانب صعوبة بالغة في الحصول على الأوراق الرسمية والمستندات الثبوتية، لأن السلطات الليبية الرسمية ترفض التعامل مع أي ليبية تتزوج من أجنبي سواء فيما يخصها وزوجها أو حتى أبناؤها، وذلك فيما لو تم الزواج دون موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية التي عادة ما تعقد هذا الأمر.

في هذا التقرير، يستعرض الأورومتوسطي أهم الإشكاليات والمضايقات التي تتعرض لها النساء الليبيات المتزوجات من أجانب، حيث يرصد العوائق القانونية ويوثق شهادات عدد من النساء الليبيات اللواتي تعرّضن للإضطهاد والتمييز والمعاملة السيئة والمهينة من عوائلهن ومحيطهن الاجتماعي بسبب قراراتهن المتعلقة بالزواج من رجل أجنبي.

ويهدف المرصد الأورومتسطي من تقريره هذا إلى أن يبرز هذه المسألة للمنظمات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة، للعمل عليها مع الحكومة الليبية لتعديل قوانينها. ومجتمعيا عبر القيام ببرامج توعوية وتدريبية لدعم المرأة الليبية التي تتزوج من أجنبي ومعالجة النظرة المجتمعية لها.

كما يهدف الأورومتوسطي إلى أن يكون هذا التقرير مساعداً لمنظمات المجتمع المدني في ليبيا والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية في فهم أبعاد المشكلة بما يسهم في حلها قانونياً ومجتمعياً وبما يتوافق مع التزامات ليبيا بموجب قوانين حقوق الإنسان.

يتبع في الجزء التالي بدأً بـ (أولا: مدى جواز زواج الليبية من الأجنبي)

***

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ـ هو منظمة دولية مستقلة تعنى بقضايا حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تأسست في نوفمبر2011. ويقع مقر المنظمة الرئيسي في جنيف بالإضافة إلى وجود مقر إقليمي في الأراضي الفلسطينية، وعدد من الممثلين في دول أخرى.

____________

مواد ذات علاقة