بقلم أبو نادين
إن كان ظاهر الأمر أو الرسمي من أن لقاء باريس هو لحلحلة الازمة الليبية نحو حل سياسي ينهي الاقتتال والصراع (أو بالأحرى الحرب بالوكالة التي تخوضها أطراف ليبية منذ 2014)،
لتصدر واجهة الحكم بعد فشل مكونات تيار فبراير في الوصول الى توافق سياسي بينها وسقوطها المدوي في ترتبات ما بعد وصول السيسي للحكم في مصر وعمل قوى إقليمية على حرق ثورات الربيع العربي،
ولكن ماهي الخلفيات أو الأسباب غير المعلنة لعقد لقاء باريس في ظل التطورات الإقليمية والدولية التي جدت بعد لقاء 25 جولية/يوليو 2017 في باريس بالذات؟
1- حول قدرة العقل السياسي الفرنسي
اكتسب العقل السياسي الفرنسي في عهد ماكرون القدرة على توظيف التطورات السياسية دوليا وإقليميا لصالحها فسارعت منذ 25 يوليو/جويلية 2017 الى افتكاك ذكي للملف الليبي خاصة في ظل العجز الروسي وأيضا العربي والإسلامي على المبادرة وبقاء الأمريكيين في موقع المتردد والمتابع عن بعد لتطورات الأمور في ليبيا (بدون اغفال الحضور الأمني والاستخباراتي الأمريكي القوي)،
وأيضا حسن توظيف الواقع السياسي للطرف الأهم وهو إيطاليا نتاج التحولات السياسية فيها ونتاج الحذر الشديد للسياسة الإيطالية تجاه ليبيا في التعاملات مع مفردات المشهد وهو ما فسرته ردود تقارير ومقالات بعض الصحف الإيطالية قبل وبعد لقاء باريس،
فباريس تعتقد أن أكثر من عشر دول افريقية في حد أدنى هي مجالها الحصري سياسيا واقتصاديا وقبل كل ذلك ثقافيا، وأن على كل الطامحين في العمق الافريقي أن يكونوا في صف ثان وراءها وتحديدا مصطفين خلفها وبإذنها وأنها الفاعل الأول والمؤثر الرئيسي الذي يجب أن يكون صاحب التأثير والقرار والمستفيد لوجستيا واستثماريا وهي الدولة الوحيدة التي لم تغب عن ليبيا سياسيا وعسكريا من حيث التأثير منذ فبراير 2011.
2- حفتر ومربع الترتيبات المستقبلية
لا فرق بين الصخيرات وباريس سوى التفاصيل والمستجدات الاقليمية وحضور حفتر بنفسه، وبدت خلفية تحديد نهائي ومنهجي لمستقبل الجنرال ظاهرة لمن أراد ان يتبين مسارات الاحداث في ليبيا منذ مارس 2017 وخاصة في ظل توازن القوى أو توازن الضعف داخل وبين مكونات طرفي أو أطراف الصراع في ليبيا.
فحفتر ومنذ كان أسيرا في حرب التشاد منتصف ثمانينات القرن الماضي هو مثار جدل واسع ومسيرته مُلغمة بنقاط الاستفهام ببعديها الايجابي والسلبي فهو له وعليه:
ـ فلا أحد ينكر نجاحه في نسفه الذكي والمنهجي لحلم الفيدرالية لدى البعض ولا أحد ينكر أنه كان أحد ابطال ملحمة أكتوبر 1973 العربية، ولا أحد ينكر أنه استطاع التموقع ديناميكا منذ 2011 وسط الأحداث واستطاع توظيف الجميع واختار المُوظفين (من وقع توظيفهم من طرفه) حسب اللحظة التاريخية (الفبراريين – أنصار القذافي – المداخلة السلفيين)،
وأحسن اختيار الحلفاء الإقليميين ووضعهم أمام ضرورة الدعم السخي والمستمر بدون انقطاع إعلاميا ولوجستيا وماديا، كما اختار ضحايا سياساته حسب المتطلبات ورغبة حلفائه الإقليميين والدوليين في ذلك.
ـ حفتر مغضوب عليه من قطاعات واسعة من الشعب الليبي نتاج هوسه الدائم بالسلطة والحكم والسيطرة على مقاليد الأمور منذ كان قياديا في الجناح العكسري للمعارضة الليبية، ويمكن الجزم أنه لا يمكن أن يكون محل اجماع في مسار ديمقراطي انتقالي، وأنه في أقصى الحالات يمكن ان يكون شريك سياسي او عسكري بشروط الآخرين وليس بشروطه، وتلك هي مقتضيات التوافق والديمقراطية.
ـ الحقيقة أن لقاء باريس قد يكون نهاية لأحلام الرجل في السلطة سواء ترشح أو دفع بأهم رجاله وحلفائه للترشح لرئاسيات 10 ديسمبر، لأن حضوره لقاء باريس سيورطه في مآلات الأمور وقد ينهزم في الرئاسية فيخرج في صمت (وقد يكون تم برمجة ذلك من قوى مؤثرة لها حساباتها الاستراتيجية)،
وهو لم يعد في موقع ما بعد الصخيرات في أوت/اغسطس 2015 لأنه كان غير معني بالانضباط وله هامش حركة ورغبة قوى إقليمية في دعمه وربما توظيفه، وهو اليوم ملزم بخيارات التوافق دوليا وإقليميا ووطنيا والذهاب فيها حتى النهاية…
ـ كما أن فرضية أن كل لقاء باريس ولقاءات خفية مثيلة سابقة له على غرار لقاء داكار من أجل التمهيد له ليكون الرئيس المقبل بشكل ناعم لمثال البحث عن “سيسي ليبيا” أو استنساخ قذافي جديد فانه أمر تؤكده وقائع وفرضية تبقى قائمة نظريا في انتظار الوقائع على الأرض لأن السياسة حسابات ولكنها حسابات يجب ان تتماهي مع أحلام الشعوب وإرادتها في التحرر والانعتاق.
3- مخرجات لقاء باريس والخيارات المفتوحة
ـ رغم التحفظ الذي ابدته أطراف ونخب ليبية على اتفاق باريس مقابل ترحيب اطراف وأحزاب وشخصيات سياسية وأطراف رئيسية ليبية، فانه لابد من التأكيد أن السياسة التي تُمارس وتُبرمج للعالم الثالث بالأساس ترتكز على العوامل الذاتية للدول وبالعوامل الموضوعية وبمؤثرات لوبيات المال العالمية وبمطامح محافل وقوى لا أثر سياسي مباشر لها ولكن وجب التأكيد ان ليبيا مازالت تعرف الصعاب وفقا لمنطق برمجة “نطيل الأزمة حتى قد نجعلكم في الأخير ترضون باسوا المآلات وبالحد الأدنى الذي نرتضيه لكم”
ولكن لابد من التذكير أن للتاريخ مفاجآته وللشعوب رصيد وإرث اجتماعي سياسي عبرت عنها حركة التاريخ في أكثر من مرة وفي أكثر من بلد والدارس لتاريخ ليبيا يعرف ان الليبيين ينطلقون من لملمة الجراح نحو الزهو والنصر ونحو البناء وصد كل محتل أو فارض للإرادة عليه ومغيب لخصوصياته الحضارية وطبيعته الاجتماعية.
ـ إن المجتمع الليبي عصي عن الاختراق عصي عن التوظيف وعصي عن القبول بالوكلاء بغض النظر عن هويتهم في الاصطفاف الإقليمي أو هويتهم الأيديولوجية، وحتى ان نجح فرض “منطق القوة” على “قوة المنطق” لأشهر أو سنوات فإن صبي جديد سيلتقط نظارات قوة ذلك المنطق مثلما التقط صبي نظارات عمر المختار عند إعدامه في ثلاثينات القرن الماضي (آخر لقطة في فيلم عمر المختار بغض النظر عن صحة الواقعة تاريخيا).
____________