بقلم د. محمد عبدالرحمن بالروين
في هذه الورقة أعرض على القارئ الكريم بعض المقترحات، التي تقدمت بها لأعضاء الهيئة (كحلول للإشكاليات الجوهرية، والتي لاتزال عالقة في مشروع الدستور) خلال المرحلة الماضية ومنذ الأيام الأولى لإنعقاد الهيئة، وذلك مساهمة مني في صناعة دستور وطني توافقي ديمقراطي يلبي طموحات كل أبناء الشعب الليبي في كل ربوع الوطن.
***
الجزء الثالث
رابعا: فيما يتعلق بإشكالية مصدر التشريع
نص المادة التي وردت في المشروع: المادة (6) مصدر التشريع
“الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع.”
ملاحظات هامة حول هذا النص:
1. قبل تقديم مُقترحي الآخير للجنة ما عُرف بـ “لجنة التوافقات” تقدمت في هذا الشأن للجنة العمل (التي سبقت هذه اللجنة) بمُقترحين (في لقاءاتي معها – الأولي والثانية), وقُمت بتبرير وشرح هذه المقترحات لإعضاء اللجنة عندما اجتمعت بهم وأجبت عن كل أستفساراتهم, ولكن للإسف الشديد, تم رفض هذه المُقترحات التي تقدمت بها (ومُقترحات آخري من غيري من أعضاء إخرين) دون تقديم أي مبررات أو أسباب لهذا الرفض!!
2. الحقيقة ان الإشكالية في هذا النص تكمن في عبارة “الشريعة الاسلامية مصدر التشريع؟” والسؤال هنا هو: ماهو المقصود من هذه العبارة تحديداً؟ هل تعني ان كل التشريعات يجب ان يكون مصدرها الشريعة؟ واذا كان هذا هو المعني, فكيف يمكن التوفيق بين هذه المادة والمواد الآخري التي يبدو انها متناقضة معها! فمثلا, ما علاقة هذه المادة بالمواد (7 , و66, و159, و194) في هذا المشروع؟
فعلي سبيل المثال تنص المادة (7) في هذا المشروع علي أن “المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه, لا تمييز بينهم, وتحظر أشكال التمييز كافة لأي سبب، كالعرق , أو اللون , أو اللغة , أو الجنس , أو الميلاد, أو الرأي السياسي , أو الإعاقة , أو الأصل أو الأنتماء الجغرافي, وفق أحكام هذا الدستور.”
والسؤال هنا هو: هل هذه المصطلحات الواردة في هذه المادة مُنضبطة مع مادة الشريعة الاسلامية أم مستقلة عنها؟ وماهي “العلاقة العضوية المتماسكة” التي تجمع بين هاتين المادتين؟ كما تُشير لذلك المادة (194) من المشروع, والتي تُأكد بأن “الدستور بجميع نصوصه وحدة واحدة لا تتجزأ, وتفسر أحكامه وتأول بحسب أنها وحدة عضوية متماسكة.”
فما المقصود بـ “وحدة عضوية متماسكة” هنا؟ وماهي هذه “الوحدة الواحدة” التي لا تتجزأ؟” وهل هذه “الوحدة الواحد” التي يجب الا تتجزأ لا تتعارض مع مصدر التشريع التي نصت عليها المادة (2), أي الشريعة الاسلامية؟ أم هي موضوع مُكمل للشريعة الاسلامية عندما يتعلق الأمر بـ “قضية التمييز؟”
وذلك لانه يجب “حظر أشكال التمييز كافة لأي سبب!” أي سوأ ان كان هذا التمييز سلبي أم إيجابي! ام ان الامر يعني بما لا يتعارض مع الشريعة الاسلامية.
أما المثال الثاني, علي عدم وضوح العلاقة بين المادة (6) المتعلقة بمصدر التشريع والمواد المتعلقة بـ “حماية حقوق الإنسان والنهوض بها (كما في المادة 66)،” و “ترسيخ قيم حقوق الإنسان والحريات العامة في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية وتعزيزها ونشر ثقافتها, (كما في المادة 159)…”
فهل ترسيخ قيم المواثيق الدولية وتعزيزها ونشر ثقافتها في هذه المادة يجب الا يشمل المواد والبنود التي لا تتعارض مع الشريعة الاسلامية, التي هي مصدر التشريع في الدولة؟ وهل النص علي ترسيخ قيم حقوق الإنسان والحريات العامة للمواثيق الدولية وتعزيزها ونشر ثقافتها, لا يقصد بها المواد والنصوص التي تخالف مباديء الشريعة الاسلامية؟
واذا كان كذلك فلماذا لم ينص علي ذلك صراحةً؟!
حتي تكتمل الصورة ويتحقق بذلك مفهوم وغرض المادة (194) من المشروع والتي تُأكد بأن “الدستور بجميع نصوصه وحدة واحدة لا تتجزأ, وتفسر أحكامه وتأول بحسب أنها وحدة عضوية متماسكة.” والا فلا داعي لوجود هذه المادة, لانها فقدت مُحتواها, ولانه من السهل تجزأت هذا المشروع ولا يمكن أعتباره وحدة واحدة, وان وحدته العضوية غير متماسكة!
واذا لم يتم تعديل هذه الإشكاليات الخطيرة, فقد يؤدي ذلك الي ضعف “الوحدة الموضوعية,” وأيضا “الوحدة المنطقية” في هذا المشروع! وفي أعتقادي إن حل إشكالية مصدر التشريع يكمن في المقترح الآتي:
المُقترح البـديـل
(نص المُقترح الذي تقدمت به للجنة التوفقات الآخيرة في هذا الشأن)
”الاسلام دين الدولة, والشريعة الاسلامية مصدر للتشريع , وكل ما يخالفها يعد باطلا.“
أهم المُبرارات والأسباب لهذا المقترح:
لعل من أهم الاسباب التي دفعتني لتقديم هذا النص البديل هو محاولة وضع الاصول الجامعة لطبيعة دولتنا المدنية المُسلمة الحديثة, وذلك بالتأكيد على أسس معتقدات شعبنا الاصيل, والتي لعل من أهم هذه الاسس الآتي:
1. التأكيد على أن لشعبنا دين يعتقد ويعتز به, الا وهو الاسلام العظيم. وبالتالي فيجب الا يكون هناك خلاف على أن الاسلام هو دين هذه الدولة. وهذا ما أكده الاجداد والاباء عندما نصوّا علي ذلك في المادة (5) (الاسلام دين الدولة) من دستور الاستقلال عام 1951, والذي تعتبره الهيئة التأسيسية مصدر رئيسي لصياغة دستورنا الحديت.
2. من المسح الشامل الذي أعده مركز البحوت في جامعة بنغازي, والذي يُستدل من خلاله علي ان شعبنا الليبي يرغب ويطالب بتطبيق الاسلام وأحكامه.
3. ان جُل توصيات الزيارات الميدانية التي قام بها أعضاء الهيئة بين الاوساط الشعبية تؤكد أن شعبنا الليبي يطالب بان تكون الشريعة الاسلامية هي المصدر الاساس في التشريع.
4. نصت المادة (40) من دستور 1951 على الايمان بأن السيادة في الدولة هي في الاصل لله عز وجل , وهي بإرادته تعالى وديعة الأمة ، والأمة مصدر السلطات. تمارسها بصفة مباشرة بالاستفتاء او بصفة غير مباشرة من خلال المؤسسات الدستورية. وبمعني آخر ان الشعب هو السيد وهو المُدبر لشؤونه بالكيفية التي يراها مناسبة له.
وطالما ان الهيئة تعتبر دستور 1951 المعدل في الـ 1963 مصدر رئيسي يجب الرجوع اليها واخد كل ما هو مناسب لنا الان, فما الذى يمنع من أخذ هذه المادة والتأكيد عليها مرة أخري.
5. أما عبارة “وكل ما يخالفها يعد باطلا.” فتعني ان للشعب ان يعمل ويتصرف كما يريد وان يعمل ما يشاء في داخل دولته طالما لا يخالف ديننا الحنيف. وبمعني آخر للمجلس التشريعي في دولتنا ان يُشرع كل ما يخدم المواطن, وعلي كل من يعتقد انه يخالف الشريعة ان يذهب للقضاء الذي هو الحَكَم, وكل ما يقوله القضاء في هذا الشان هو الحل النهائي, والذي يجب علي الجميع أحترامه.
6. أما فيما يتعلق بالفقرة الاخيرة, والتى تنص على “الالتزام بأن الشريعة الاسلامية هى مصدر كل تشريع وكل ما يخالفها يعد باطلا,” فماهي الا المبدأ الخامس من المبادىء الحاكمة بالنسخة النهائية لــ “الاتفاق الليبي” الموقع بتلريخ 17 ديسمبر 2015.
***
خامسا: فيما يتعلق بإشكالية المواطنة
نص المادة التي وردت في المشروع: المادة (7) المواطنـة
المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه, لا تمييز بينهم, وتحظر أشكال التمييز كافة لأي سبب، كالعرق , أواللون , أواللغة , أو الجنس , أو الميلاد , أو الرأي السياسي , أو الإعاقة , أو الأصل، أو الأنتماء الجغرافي, وفق أحكام هذا الدستور.
ملاحظات هامة حول هذا النص:
يتضمن هذا النص مصطلحات غريبة وعامة, أعتقد انها لا تليق أن تكون ضمن دستور ليبيا القادم, وذلك لانها غير واقعية, وتتناقض مع مواد آخري في هذا المشروع! من هذه المصطلحات الآتي:
1. مصطلح “سواء في القانون وأمامه!” مصطلح غريب حقا! فالصحيح والمتعارف عليه قانونياً ان يكون المواطنون “سوء أمام القانون,” ولكن ان يكونوا “سوء في القانون” فهذا أمر غريب, وعجيب! فالناس ليس متساوون بالضرورة في القانون, ففي القانون, المواطن وعمله, والمواطن ومقدرته , والمواطن وعطاءه, والمواطن وذكائه , والمواطن وأستعداده … الخ.
فعندما يُشرع المشرع قانون “ضريبة تصاعدية” مثلا, لا يمكن للإغنياء ان يحتجوا بانه قد تم التمييز ضدهم, لان الدستور ينص علي التساوي في القانون! وكذلك الحال عند أصدار قانون المرتبات, أو أي قانون آخر يقوم علي أساس التصنيف.
فالقوانين في المجتمعات الحرة تقوم علي مبدأ التنافس – “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.” وعليه علينا أن نفرق بين “مبدأ التصنيف” و“اشكالية التمييز السلبي الضار.”
2. المصطلح الغريب الثاني هو “تحظر أشكال التمييز كافة لأي سبب!” العجيب ان الذين يصرون علي هذا النص, هم نفسهم أيضا, من يصرون علي ان يتضمن هذا المشروع ما يُعرف “الكوتة!!” فقد أصروا علي ان تتضمن المادة (76) بعنوان “تكوين مجلس الشيوخ” علي أن يشمل ذلك “ضمان تمثيل المكونات الثقافية واللغوية بواقع عضوين عن كل مكون”
فهل هذا تمييز أم لا!! وهل هذا يتعارض مع النص المذكور أعلاه, أي “تحظر أشكال التمييز كافة لأي سبب!”
ليس هذا فقط, فقد نصت المادة (205) بعنوان: حكم خاص بالمرأة, علي ان “… يضمن أي نظام انتخابي تمثيل للمرأة بنسبة خمس وعشرين (25) بالمائة من مقاعد مجلس النواب والمجالس المحلية…” أفلا يعتبر هذا تمييزا يتعارض مع نص مادة المواطنة؟!
المُقترح البـديـل
نص المُقترح الذي تقدمت به للجنة التوفقات الآخيرة في هذا الشأن
المادة (7): المواطنـة
المواطنون والمواطنات سواء أمام القانون , وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة وفقا لأحكام الدستور.
…
البقية في الأجزاء التالية
***
للأطلاع على التقرير كاملا اضغط (هنا)
***
محمد عبدالرحمن بالروين ـ ممثل عن مصراتة في الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور
حرر في مدينة البيضاء بتاريخ 3 مارس 2018
____ _________