إنّ الأبحاث المنشورة في هذا الكتاب هي حصيلة مؤتمر أكاديمي عنوانه “الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: تجارب واتجاهات“، نظّمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مدينة الدوحة خلال الفترة 6 – 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2012.
وقد شارك في هذا المؤتمر واحد وثلاثون باحثًا، إضافةً إلى اثنتين وعشرين شخصيةً من قادة بعض حركات الإسلام السياسي.
الجزء الأول
عُقد المؤتمر في لحظة سياسية مهمة، بعد انطلاق الثورات العربية ووصول بعض القوى السياسية الإسلامية إلى سدة الحكم، الأمر الذي طرح بقوة مسألة العلاقة بين الإسلاميين ونظام الحكم، وأعاد طرح بعض القضايا النظرية في النقاش العامّ، من بينها: العلمانية والإسلام، والديمقراطية والإسلام، ومفهوم الدولة لدى حركات الإسلام السياسي، والإسلاميون والأقليات الدينية في المنطقة العربية.
لكنّ ميزة هذه النقاشات هذه المرة أنها تُطرح في ظل وجود تجارب عيانية من حُكم قوًى سياسية إسلامية. وقد وُزعت أبحاث الكتاب في قسمين: القسم الأول “اتجاهات الإصلاح والديمقراطية والسياسة“، والقسم الثاني “تجارب في الحكم“.
القسم الأول: اتجاهات الإصلاح والديمقراطية والسياسة
يتألف هذا القسم من سبعة فصول، وقد كتب الفصل الأول الباحث كمال عبد اللطيف، وهو بعنوان “فكر النهضة والثورات العربية“، وركز فيه على بحث العلاقة بين المشروع النهضوي العربي والثورات العربية.
ولا يدّعي الباحث “وجود علاقة مباشرة بين شعارات الشباب في الربيع العربي وأدبيات النهضة التي علَّمت المجتمع العربي أبجدية التحرر” (ص 30)، لكنه يشير إلى أنّ هذه العلاقة تضعنا أمام لحظة مركبة يسميها “لحظة التقاء السياقات والأسئلة وتقاطعها” (ص 30).
ويقصد بذلك أنّ “حلم النهضة العربية الذي جسَّم فيه النهضويون العرب خلال قرنين من الزمان صور تطلعهم إلى بناء مجتمع جديد وأنظمة سياسية جديدة، احتل مكانةً رمزيةً في شعارات المحتجين في الثورات العربية” (ص 30).
ويرى الباحث أيضًا أنّ الثورات العربية تفتح الباب أمام معارك مرتقبة في الفكر العربي، وهي تندرج في “باب المعارك الكبرى التي شكّلت جوانب من ملامح فكرنا النهضوي” (ص 43)،
وهذه المعارك تتعلق بالإصلاح الثقافي والإصلاح الديني، ولا تنفصل عن مشروع ترسيخ الحداثة السياسية في فكرنا.
وكتب امحمد جبرون الفصل الثاني “الإسلاميون في طور تحول: من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية (حالة حزب العدالة والتنمية المغربي)“، ويرى فيه أنّ التحول التاريخي الذي يعيشه الوطن العربي بعد الثورات هو تحول في الأفكار والقناعات ومنهجيات الإصلاح، وقد لامس جميع القوى الاجتماعية، بما فيها القوى الإسلامية، إضافةً إلى أنه تحول في البنى والأنظمة السياسية.
ولعل أهم التداعيات الفكرية والسياسية للربيع العربي، تتعلق بمفهوم الديمقراطية، وقد حاول البحث رصد التقدم الذي أحرزه الإسلاميون بعد الربيع العربي في اتجاه الديمقراطية. فقد انتقل الإسلاميون، كما يرى الباحث، في أجواء الثورات “من الديمقراطية الأداتية التي تجسدها أدوات الانتخاب والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة (…) إلى الديمقراطية الفلسفية التي تجسدها مفاهيم الحرية والقانون الوضعي والمساواة” (ص 73).
ويرى الباحث أنّ “حزب العدالة والتنمية” المغربي من خلال أطاريحه المختلفة نموذج لغيره من القوى السياسية الإسلامية في الأخذ بالديمقراطية من أبعادها التقنية والفلسفية.
وفي الفصل الثالث “صعود إسلامي أم فشل علماني؟ محاولة لفهم نتائج الانتخابات المصرية بعد ثورة 25 يناير” الذي كتبته مروة فكري، يجري تأكيد حقيقة مفادها أنّ تحليل أسباب صعود الإخوان المسلمين يمثّل في الوقت نفسه تحليلًا للعوامل التي أدّت إلى فشل منافسيهم من العلمانيين. وترى الباحثة أنّ هذه الأسباب ترتبط بمستويين أحدهما فكري والآخر تنظيمي.
فمن الناحية الفكرية “مثّل فشل الأيديولوجيات العلمانية في الدول الإسلامية في تقديم شكل أفضل للحياة السياسية السبب الأساس وراء صعود الإسلاميين” (ص 120). أمّا من الناحية التنظيمية، فقد “حافظ الإسلاميون على كيان تنظيمي ممتد ومنتشر في أرجاء الجمهورية على الرغم من سنوات القمع التي مروا بها.
في المقابل فإنّ المعارضة العلمانية لم تطور رسالةً أو برامج واضحةً، كما لم تقم ببناء أحزاب سياسية فاعلة تقدّم البديل السياسي والأخلاقي والاقتصادي للتيار الإسلامي، وانحسر وجودها في دوائر النخبة والإعلام” (ص 121).
وقد اعتمدت الباحثة أسلوب المقارنة الذي رأت أنه من أكثر الأساليب ملاءمةً لغرض البحث.
وكتب خليل العناني الفصل الرابع “التيارات السلفية في مصر: تفاعلات الدين والأيديولوجيا والسياسة“، وأشار في نهاية بحثه إلى مجموعة من الخلاصات والنتائج (ص 160)، أولاها أنّ التيار السلفي ليس كتلةً واحدةً، فهناك حالة واضحة من التمايز والاختلاف داخله.
وثانيتها أنّ دمج التيار السلفي في العملية السياسية كان سببًا مهمًا لحدوث تحولات ملحوظة في أفكاره وخطابه، وثالثتها أنّ الحضور الكثيف للسلفيين في الفضاء العامّ ليس نتيجةً للانفتاح السياسي بعد ثورة يناير فحسب، بل بسبب ميلهم إلى الدفاع عن مصالحهم ومكاسبهم أيضًا، ورابعتها أنه من المتوقع أن تزداد حالة التنافس والصراع بين السلفيين أنفسهم لأسباب سياسية وليست فكريةً فحسب. وخامستها أنه من الممكن أن تحدث صراعات بين جناحي الدعوة والسياسة داخل الكتلة السلفية.
وتوقف معتز الخطيب في الفصل الخامس “الوسطية الإسلامية وفقه الدولة: قراءة نقدية” عند مصطلح “الوسطية” وضبابيته والوظائف المتعددة التي يؤديها، ودور حركة الإخوان المسلمين في بلورته من خلال تقديم نفسها كصيغة وسط بين تياري المحافظة والتجديد في الإسلام.
وبلور هذا البحث كذلك الإشكالات التي تحيط بالتفكير السياسي الوسطي “على مستوى المنظومة وعدم اتساقها أولًا، ثمّ على مستوى عدم دقة أطاريح أصحابها بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية” (ص 210)، وقدّم تحليلًا نقديًا لأطروحة “الدولة الإسلامية“، موضحًا أنّ مفهوم “الدولة الإسلامية” يلفّه الغموض وتلتبس فيه جملة مفاهيم (الدولة الحديثة، والخلافة، والإمامة، والحكم).
وكتب رشيد مقتدر الفصل السادس، وهو بعنوان “القوى الإسلامية والتحالفات المبرمة خلال مرحلة ما قبل الربيع العربي وبعده: محاولة للفهم“، ويتناول فيه موضوع القوى الإسلامية والتحالفات المبرمة مع القوى السياسية اليسارية أو الليبرالية أو غيرها، وقد ركز في إشكالية كبرى هي إدماج القوى الإسلامية داخل أنظمة الحكم، ورأى أنه يتفرع منها إشكالان مركزيان (ص 217).
فالإشكال الأول هو علاقة الإسلاميين بالأنظمة الحاكمة وطبيعة الإستراتيجيات المنتهجة من كلا الطرفين ونوعية التكتيكات المتبعة. أمّا الإشكال الثاني، فهو علاقة الإسلاميين بخصومهم السياسيين ومنافسيهم الأيديولوجيين، ونوعية التحالفات السياسية المبرمة وسياقاتها وأهدافها ومنطقها المتحرك بعيدًا من المسوغات الأخلاقية والتبريرات الأيديولوجية.
وفي الفصل السابع “محمد مهدي شمس الدين ونقد ولاية الفقيه” تتناول الباحثة فرح كوثراني جانبًا من الفكر السياسي للشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي كان من المجتهدين الشيعة البارزين، والذي انهمك في “البحث عن صيغ للحكومة الإسلامية تكون بديلةً من صيغة ولاية الفقيه من أجل إنقاذ استقلالية المجتهدين عن سلطة الدولة، ولا سيما عندما يكون على رأسها وليّ فقيه، له ولاية مطلقة الصلاحيات على العباد وبقية الفقهاء” (ص 295).
ولذلك دافع شمس الدين عن الحكومة الإسلامية واعتمد ولاية الأمة على نفسها، ورأى أنّ الجمع بين الدولة الإيرانية وولاية الفقيه “سوف يؤدي ليس إلى القضاء على دور العلماء والفقهاء في الاجتهاد فحسب، لكن إلى خضوع الإسلام لمصالح السلطة السياسية أيضًا” (ص 295).
***
حازم نهّار ـ يعمل الدكتور حازم نهّار باحثًا في وحدة الدراسات السورية المعاصرة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو طبيب، حائز على شهادة اختصاص في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل من جامعة دمشق. وهو كاتب في الشؤون السياسية والثقافية، وينشر في العديد من الصحف والمجلات العربية، ورئيس تحرير مجلة المشكاة التي تعنى بدراسات حقوق الإنسان.
***
عنوان الكتاب: الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب
المؤلف: مجموعة من المؤلفين
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة وبيروت (2013)
عدد الصفحات: 718 صفحة من القطع الصغير
_____________