لا شك في أن الدستور هو الأساس الذي تبنى عليه بنية الدولة البسيطة ، وأن أي دولة لا تشهد استقراراً يكون السبب غالباً لعدم كمال تلك البنية التي تفصل في طوابقها وركناتها انتهاءً بواجهة مشرفة توحي بتمام البنيان وقوة أساساته وراحة قاطنيه .
بعد الثورة الليبية في سنة 2011م أطلق المجلس الوطني الانتقالي إعلاناً دستورياً يؤسس لمرحلة انتقالية بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، فلم تكن لليبيا طيلة عهد القذافي دولة بالمعنى الواضح بمؤسساتها سواء الحكومية أو التشريعية أو أجهزتها كالشرطية والجيش ، فكتبت في ورقات وثيقة وضعت نقاطاً عامة لكل ما يمس الدولة من قريب لتفصلها قوانين وقرارات لما يخصها من بعيد .
ولأن الدستور مطلب ثوري في الأساس فلم تهمل السلطات المتلاحقة، ابتداءً من الانتقالي مروراً بالمؤتمر الوطني ومجلس النواب وحتى الآن، هذا المطلب وجعلته على رأس مسؤولياتها واهتماماتها ، فسنّت القوانين التي تسمح بتشكيل كيان مستقل يكتب هذا الدستور الحلم وكانت انطلاقته بانتخابات لاختيار أعضائه ، والذي مرت عليه السنوات ولم يُنجَز بعد ، وحتى وإن أُنجز فإنه لم يرى النور ، ولن نخوض في مشاكل استصداره والعقبات فليس هذا هو المقصد من كتابة المقال .
في عالم المقاولات وأعمال البناء والتشييد عندما يبدأ العمال في بناء المبنى يضعون له “السقالة” لتساعد العمال على إنجاز عملهم وعادة ما تكون السقالة هي البنيان المؤقت للمبنى المراد بنائه ، وعندما تطول فترة البناء يكون المبنى ومعدات عرضة للسرقة بمساعدة السقالة ، فيتسلل اللصوص إلى المبنى الحديث ويغنموا كل آلة وعدة من شأنها المساعدة في اتمام العمل ، فيتعطل العاملون ويبتعد موعد تمام البنيان .
في ليبيا وفي ما يخص العملية الدستورية يبدو أن كثيراً من المشاركين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في العملية السياسية من بعض ( أقول بعض !! ) التيارات والأحزاب والشخصيات بل والميليشيات المسلحة والحالمين بالحكم بطرق انقلابية وأخرى تحمل طابع العنف، تشارك جميعها في لعب هذا الدور ، دور اللصوص ، ويلعب الاعلان الدستوري دور السقالة التي ما فتأت وإن ثبتت حتى طال مدى تثبيتها فأصبح جزءً من المبنى لا تجوز تنحيته أو فكه.
مر الإعلان الدستوري الليبي بتعديلات عديدة جاوزت السبعة تعديلات وصولاً للاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية والذي عُدّ تعديلاً جديداً على الاعلان بما ضَمّ من أحكام عامة وتفاصيل تعمقت في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها السيادية ، ومع هذا فإن البعض الساعي والباحث عن مصالح ضيقة يؤسس لمرحلة انتقالية جديدة تتجدد معها كل ما من شأنه أن كان سبباً في ما تعانيه البلاد ومواطنوها من ويلات على الصعد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
فالتمديد لمرحلة انتقالية هو تعزيز للفساد وإطالة لأمد سقالة مهترئة طالتها الصيانة عبر تعديلات عديدة يتسلل عبرها اللصوص لسرقة محتوى ما بداخلها وسرقة عدّتها وألياتها وتحول بيننا وبين دولة حقيقية نعتمد على قوة مؤسساتها ونتشرف بواجهتها دون المنظر المقزز للسقالة .
***
عبدالمجيد العويتي ـ كاتب ليبي
___________