إعاقة عملية بناء الدولة وتقويض أمن دول الجوار الليبي
بقلم د. صادق حجال
تهدف هذه الورقة البحثية إلى الوقوف على دور ذلك التنافس والصراع الإقليمي الذي أصبح يعرف باسم الصراع السني ـ السني بقيادة كل من السعودية وقطر، في إعاقة عملية بناء الدولة الليبية، وفي تقويض الأمن الإقليمي المغاربي لفترة ما بعد سقوط نظام القذافي وانهيار الدولة الليبية.
حيث نجادل بأن ذلك الصراع السني ـ السني هو العامل الأول المساهم في إفشال كل العمليات السياسية الإنتقالية، وفي إنزلاق ليبيا إلى براثن الحرب الأهلية التي كانت لها تداعيات أمنية ليس فقط على ليبيا لكن أيضا على كافة دول الجوار.
مقدمة:
لاشئ دمر دول ومجتمعات المنطقة العربية أكثر من الصراع السني ـ الشيعي التي تقوده كل من السعودية وإيران في المنطقة، إذ جعلت من دول المنطقة مجرد ميادين لحروبهما بالوكالة. وجعلت من مكونات مجتمعات تلك الدول المستهدفة عبارة عن وسائل تتحكم فيها كيفما شاءت.
كان من شأن ذلك أن يؤدي إلى إنزلاق العديد من الدول العربية الضعيفة إلى براثن الحرب الأهلية المدمّرة.
في هذا السياق، استطاعت دول المغرب العربي أن تتجنب الصراع السني ـ الشيعي بفضل تجانس مجتمعاتها من حيث المذهب الديني، ولكن أيضا بفضل قيم التسامح الديني التي تمتاز بها.
لكن بعد الحراك العربي لعام 2011، برز صراع إقليمي آخر لا يقلّ خطورة عن الصراع السني ـ الشيعي على دول المنطقة، ألا وهو الصراع السني ـ السني التي تقوده كل من العربية السعودية وقطر.
هذه المرة سوف يمتدّ هذا الصراع حتى لدول شمال أفريقيا والمغرب العربي، وقد كانت ليبيا لفترة ما بعد سقوط نظام القذافي مثالا بارزا على امتداد هذا الصراع، الذي كان من شأنه أن يؤثر سلبا على العملية الإنتقالية الليبية، وعلى الأمن الإقليمي المغاربي.
بناء على ذلك، الإشكالية التي نحاول تناولها في هذا البحث، تتمثل في: إلى أي مدى ساهم الصراع الإقليمي السني ـ السني في إعاقة عملية بناء الدولة الليبية لفترة ما بعد إسقاط نظام القذافي، وفي التأثير على الأمن الإقليمي العربي عموما والمغاربي خصوصا؟.
تتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة البحثية، المتمثلة في:
1ـ ما هو منطق وآليات التنافس الإقليمي والدولي؟
2ـ فيما تتمثل خلفية وطبيعة الصراع الإقليمي السني ـ السني في المنطقة العربية؟
3ـ ما أثر الصراع السني ـ السني على العملية الانتقالية في ليبيا؟
الفرضية الأساسية التي ننطلق منها في دراستنا، تتمثل في أن الصراع الإقليمي السني ـ السني في المنطقة العربية ساهم في تعميق الأزمة الليبية وفي إعاقة أي عملية انتقالية من شأنها أن تؤدي إلى بناء الدولة الليبية المنشودة.
وذلك من خلال استغلال تلك القوى المتنافسة للإنقسامات القبلية والجهوية والإثنية للمجتمع الليبي، كان من شأن ذلك أن ينعكس على أمن ليبيا وعلى أمن كافة دول الجوار.
أولا ـ منطق التنافس الإقليمي والدولي
لفهم كيف يتم تدمير الدول وتمزيق المجتمعات عبر التنافس أو صراع النفوذ الإقليمي والدولي، علينا أولا أن نفهم الهدف الأساسي من وراء ذلك التنافس، والآليات المستعملة في سبيل ذلك الهدف.
بالنسبة لهدف القوى الإقليمية والدولية المتنافسة فهو يكمن أساسا في محاولة اختراق الدول الضعيفة من أجل ما يلي:
ـ الاستيلاء على موارد الطاقة المربحة
ـ السيطرة على الأسواق
ـ الحصول على العمالة الرخيصة
ـ إنشاء موقع عسكري متقدم من أجل التوسع
ـ إنشاء قواعد عسكرية من أجل السيطرة على الممرّات الاستراتيجية المهمة والقيام بعمليات استخبارية وسرية ضد الخصوم.
وللإشارة، قد تكون تلك القوى الإقليمية مجرد وكلاء في يد قوى دولية، بحيث يصبح هدف تلك القوى الإقليمية مجرد تنفيذ للتعليمات مقابل بقاء واستمرار أنظمة حكمها، لكن مع ذلك يبقى هدف القوة الدولية الموجهة لتلك القوى الإقليمية يكمن في أحد الأهداف التي ذكرناها.
تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى أختراق الدول الضعيفة عبر محاولة إيجاد نظام موالي لها داخل الدولة المستهدفة، كهدف محوري من أجل تحقيق بقية الأهداف.
وبناء عليه نجد القوى المتنافسة تنقسم إلى قسمين أساسيين، هما:
ـ قسم يعمل من أجل الحفاظ على النظام القائم
ـ والقسم الآخر المقابل يعمل من أجل أسقاط النظام غير الموالي له واستبداله بآخر.
وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال العديد من الحالات المتبلورة في سياق الحراك العربي لعام 2011.
مثلا الحالة البحرينية، عندما قامت قوات “درع الجزيرة” بالتدخل في مارس 2011م من أجل الحفاظ على حكم عائلة “آل خليفة” السنية، في حين يتم اتهام إيران بدعم المحتجين ضد النظام بغية استبداله بنظام موالي لها.
ولدينا أيضا الحالة السورية، أين سلّحت وموّلت دول إقليمية مثل قطر والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية ما سموهم بـ “الثوار” من أجل إسقاط نظام “بشار الأسد” المعادي لهم. في المقابل قامت دول مثل روسيا وإيران بدعم النظام السوري الذي يعتبر حليف أساسي لهما في المنطقة.
ولدينا مثال آخر عن الحالة المصرية، أين قامت دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة بجهد كبير في سبيل دعم الإنقلاب العسكري لعام 2013م على أول رئيس مصري منتخب بطريقة ديمقراطية، في حين راحت قوى إقليمية منافسة لها على غرار قطر وتركيا تدعم الرئيس المنتخب وجماعته.
وأحيانا القوى المتنافسة رغم تنافسها إلا أنها تتوافق وتتفق مؤقتا على إسقاط نظام حكم في دولة ما يكون غير موالي لهم جميعا.
والحالة الأبرز على ذلك هو الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي والإعلامي الذي قدمته كل من قطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية، وباقي الدول الغربية على غرار فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، من إسقاط نظام القذافي، لتفك تحالفها المؤقت لفترة ما بعد إسقاط النظام، وتبدأ تتنافس فيما بينها من جديد، بغية إيجاد نفوذ لها على الأراضي الليبية، جاعلة من الدولة الليبية بمثابة غنيمة حرب.
في سياق التنافس الإقليمي، فإن هدف إيجاد نظام حكم موالي، يكون عبر سعي القوى الإقليمية لإيجاد حلفاء محليين داخل الدول المستهدفة، مستغلين لذلك ورقة الطائفية (شيعي \ سني \ علوي) أو العرقية (عربي \ أمازيغي \ فارسي) أو القبلية، وغيرها من الانقسامات الاجتماعية التي يمكن استغلالها.
إلا أنه تبقى ورقة الطائفية في المنطقة العربية هي الأنجع في اختراق الدول وكسب الدعم المحلي والتعبئة الشعبية.
الأمر لا يتوقف على إيجاد حلفاء محليين داخل الدول المستهدفة، بل تعمل القوى المتنافسة على دعم تلك الحلفاء (سواء كان نظام قائم، أو جماعات تهدف لإسقاط نظام قائم، أو جماعات تتصارع فيما بينها للوصول إلى السلطة) بالمال والسلاح والإعلام والدبلوماسية.
يدخل هذا في إطار ما يسمى “الحروب بالوكالة” التي يمكن ملاحظتها في العديد من دول الحراك، على غرار سوريا والعراق واليمن وليبيا.
في بعض الأحيان، تتجاوز القوى المتنافسة سياسيا الحروب بالوكالة إلى درجة التدخل عسكريا بطريقة مباشرة لدعم حلفائها المحليين، مستندة في ذلك على حجج واهية مثل مكافحة “الارهاب” أو الدفاع عن النفس أو الدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها من الحجج.
يكون من شأن هذا التنافس القائم على هذا المنطق، أن يدمّر تلك الدول المستهدفة الضعيفة، وأن يفكك مجتمعاتها إلى قبائل وعرقيات وطوائف متناحرة فيما بينها.
وحتى وإن تتفق تلك القوى المتنافسة على تقسيم النفوذ داخل الدول المعنية بطريقة مرضية وإيجاد نظام حكم توافقي ـ بالنسبة لها ـ فإنّ ذلك لن يؤدي في أغلب الحالات سوى إلى إيجاد دولة هشة وهامشية ومغتربة عن مجتمعها.
لأن ذلك النظام أوجدته قوى خارجية وبالتالي أكيد سوف يعمل على تحقيق مصالح تلك القوى الخارجية التي بالطبع تتناقض مصالحها في الكثير من الأحيان مع مصالح المجتمع.
وعموما، يبقى التنافس الإقليمي والدولي أكبر معيق لعملية بناء الدول، سواء كان هناك توافقاً بين تلك القوى (الذي قد يعمل فقط على تجنيب البلاد من أن تصبح ميدانا للحروب بالوكالة) أو لم يكن.
…
البقية في الجزء الثاني
***
المصدر: مجلة إتجاهات سياسية، العدد الثالث، آذار \ مارس 2018، دورية علمية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي ، برلين ـ ألمانيا
_____________