بقلم د. محمد عبدالرحمن بالروين
بعد هذه الملاحظات التمهيدية المختصرة، أعرض على القارئ الكريم بعض هذه المقترحات، التي تقدمت بها لأعضاء الهيئة (كحلول للإشكاليات الجوهرية، والتي لاتزال عالقة في مشروع الدستور) خلال المرحلة الماضية ومنذ الأيام الأولى لإنعقاد الهيئة، وذلك مساهمة مني في صناعة دستور وطني توافقي ديمقراطي يلبي طموحات كل أبناء الشعب الليبي في كل ربوع الوطن.
الجزء الثاني
أهم إشـكاليات الباب الاول
شكل الدولة ومقوماتها الأساسية
أولا: فيما يتعلق بإشكالية أسم وشكل الدولة
نص المادة (1) التي وردت في المشروع: أسم وشكل الدولة
ليبيا دولة حرة مستقلة لا تقبل التجزئة، ولايجوز التنازل عن سيادتها ولا عن أي” جزء من إقليمها، تسمى الجمهورية الليبية“
ملاحظة: هذا النص تم أُقتراحه في مُخرجات لجنة العمل الاولي , وتم قبوله كما هو في مُخرجات لجنة العمل الثانية, ولم يتغير عليه شيء, في مُخرجات ما عُرف بلجنة التوافقات, الا بتغيير واحد فقط (بمعني تغيير مصطلح أراضيها بإقليمها), بالرغم من الانتقادات والاعتراضات العديدة, التي وجهها بعض الأعضاء لهذا النص! والعجيب ان هذه اللجان الثلاث, قد رفضت تقديم أسباب ومُبرراتها في هذا الصدد.
والسؤال الذى يطرحه أعضاء الهيئة الذين لم يشاركوا في مُداولات هذه اللجان (وتقدموا بمقترحاتهم لهذه اللجان وتم رفضها), هو ما هي الآليات والمبررات التى اتخدتها هذه اللجان للوصول الى مُقترحاتها؟
ولقد قمت انا شخصيا بتقديم مُقترحات مكتوبة ومُسبّبة لهذه اللجان وذلك بتعديل هذا المقترح بأضافة مصطلح “موحدة” وايضا إستبدال أسم “الجمهورية الليبية” بأسم “دولة ليبيا“, ليصبح النص بعد التعديل كالاتي:
المُقترح البديل: “ليبيا دولة حرة مستقلة موحدة, لا تقبل التجزئة ، ولا يجوز “النزول عن سيادتها, ولا عن أي جزء من أراضيها، تسمى دولة ليبيا.
ملاحظة: للإسف تم رفض هذا المُقترح من قِبل اللجنة دون تقديم مُبررات ولا أسباب! ولم تتم أي مناقشات ولا مُداولات في هذا الشأن بين أعضاء الهيئة مُجتمعة!
أسباب ومُبررات المطالبة بالتعديل والاضافة يمكن حصرها في الاتي:
أ. بالرغم من أن عنوان المادة المُقترحة هو “أسم وشكل الدولة” الا أن محتواها لا يتضمن أي شيء بخصوص الشكل!! بمعني ماهو شكل هذه الدولة التي يُريد ان يُوسسها هذا الدستور؟ أي هل هي دولة “موحدة” كما هو في الأغلبية العظمي من دول العالم, أم هي دولة “موحدة مناطقية” كما هو الحال في أثني عشر دولة من دول العالم من بينها بريطانيا وفرنسا, مند ثمانيات القرن الماضي.
أم هي دولة “فدرالية” كما هو الحال في امريكا وألمانيا؟ أم هي دولة “كونفيدرالية” كما هو الحال في سويسرا؟ أم هي شكل آخر من أشكال “الدولة التوافقية” كما هو الحال في لبنان ؟!
والحقيقة انه اذا تم أعتماد هذا المشروع بهذا الشكل, فإن شكل الدولة سيتشكل وفقاً لمن يحكمها, وسيكون عُرضة لكل التأويلات والتفسيرات! فالوحدويون سيعتقدوا, ويتصرفوا علي ان شكل الدول “موحد!” والفدراليون سيتعامل معه علي انه فدرالي! وأخرون سينظروا له علي انه “لا مركزي موسع!” وربما آخرون أيضا سيعتقدون انه شكل “كونفدرالي!” والمحزن ان كل هؤلاء علي صواب!!
والخلاصة ان عدم النص الصريح علي “شكل الدولة” في هذه المادة, أو في مقدمة هذا المشروع, سيقود حتما الي إيجاد هيكلية أدارية وسياسية غير مُنضبطة, وربما ستكون سبب من أسباب إفشال الدولة وإحداث الفوضي المستمرة فيها!
ب. ليس هذا فقط بل تضمن محتوي هذه المادة المُقترحة بأن يكون إسم هذه الدولة هو “الجمهورية الليبية“. وبالرغم من أني شخصيا, أستطيع القول بأنني“جمهوري سياسياً“، إلا أنني أري انه من الواجب الا يرتبط “أسم الدولة” بشكل نظام حكمها. وفي الحقيقة ان أسم “الجمهورية” هو أسم تعسفي قد يتم فرضه (اذا تم أعتماد هذا المشروع), علي بقية أبناء وشرائح الشعب الذين لم يشاركوا في أختياره, وبذلك يتم منعهم, وحرمانهم, من تحقيق أهدافهم بالاساليب الديمقراطية ودون إجبارهم للسعي لتعديل الدستور!
فعلي سبيل المثال هذا الاسم سيحرم ابناء الشعب, الذين يريدون ان يكون نظام الحكم في ليبيا “ملكيا” من تحقيق أهدافهم, وسيمنع ابناء الشعب, الذين يرغبون ان يكون نظام الحكم في ليبيا “جماهيريا” من تحقيق أمانيهم. وعليه فانني أقترح أنه من الأنسب والاحسن ان يكون أسم دولتنا القادم هو “دولة ليبيا.”
(1) لماذا اقترح ان يُظاف مصطلح “موحدة” لنص المادة؟
أ. ان اللجنة ذكرت بان “ليبيا دولة حرة مستقلة لا تقبل التجزئة” هذا يعني ببساطة شديدة انها دولة ليست بالضرورة موحدة, ولا يوجد في هذا المشروع, أي شيء يدل علي انها موحدة! ومصطلح “لا تقبل التجزئة” هو مصطلح مطاطي, ينطبق علي كل أشكال الحكم! وقد يقود الي ضعف وشلل المؤسسات السيادية خصوصا وان هذا المشروع ينص علي أن نظام الحكم المحلي يقوم علي أساس “اللامركزية الموسعة!” وايضا علي مبدئي: “التفريع” و “التدبير الحر.”
ب. ان مصطلح “موحدة” يعني ان ليبيا دولة يجب أن تكون فيها السيادة موحدة.
جـ. ان مصطلح “موحدة” يعني ان دولة ليبيا, هي دولة, غير فدرالية, ولا كونفدرالية, ولا تقوم علي مفهوم الحكم المحلي.
د. ان مصطلح “موحدة” يعني ان دولة ليبيا لها حكومة واحدة, قائمة علي أساس دستور واحد, وأن جميع المواطنين في الدولة يخضعون لنفس القوانين دون أي تمييز بينهم.
هـ. أن مصطلح “موحدة” يعني أنها دولة لا تتعارض مع اللامركزية.
2. لماذا اقترح ان يتم تسمية ليبيا بـ “دولة ليبيا؟“
أ. إسم الدولة يجب أن يُعبر عن كل مكوناتها, وأطيافها. بمعني يجب ان يكون أسم الدولة اكثر شمولية وذقة في الوصف من أي أسم اخر.
ب. إسم الدولة يجب أن يكون إسم مجرد من أي وصف لأي نظام حكم , بمعني يمكن ان يكون نظام الحكم في داخل هذه الدولة جمهوري, أوملكي, اوجماهيري, اواي نظام حكم آخر.
جـ. أن استخدام إسم “دولة ليبيا“, من الناحية الفكرية والثقافية يعطينا فرصة أكبر وأفضل لإعادة الهوية الوطنية المفقودة, والسعي الجاد لترسيخ القيم الوطنية بروي جديدة ومُتجددة.
د. الحقيقة التي لا غبار عليها, أن أغلب الدول الحديثة اليوم, قد أصبحت تستخدم اسم الـ “دولة” المجرد, ودون ربطه بأي نظام حكم معين ولا بطبيعته.
هـ. أن إسم “دولة ليبيا” يساعدنا علي التُخلص من أدران الماضي ومساويه.
و. في الحقيقة أن استخدام إسم “دولة ليبيا“, من الناحية العملية والاقتصادية , يمكن ان يوفر علي الدولة مليارات الدولارات, اذ لا ضرورة لتغيير ما قامت الدولة بطباعته واستخدامه خلال السبع سنوات الماضية والذي تضمن أسم “دولة ليبيا” عليه.
ثانيا: فيما يتعلق بإشكالية الهوية واللغة
نص المادة التي وردت في المشروع: المادة (2) الهوية واللغة
”تقوم الهوية الليبية علي ثوابت جامعة, ومتنوعة, ويعتز الليبيون بكل مُكوناتهم الاجتماعية, والثقافية, واللغوية, وتعدّ ليبيا جزءا من الوطن العربي, وأفريقيا, والعالم الإسلامي, ومنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. تعدّ اللغات التي يتحدث بها الليبيون, أو جزء منهم ومن بينها العربية, والأمازيغية, والتارقية, والتباوية, تراثا ثقافيا, ولغويا, ورصيدا مشتركا لكل الليبيين, وتضمن الدولة أتخاد التدابير اللازمة, لحمايتها, وضمان المحافظة علي أصالتها, وتنمية تعليمها, وأستخدامها.
اللغة العربية لغة الدولة. وينظم القانون في أول دورة أنتخابية تفاصيل إدماج، اللغات الليبية الآخري , في مجالات الحياة العامة علي المستوي المحلي ومستوي الدولة.“
ملاحظات وإستفسارات حول هذه المادة (2):
1. الملاحظة الاولي هي لابد من الإشارة هنا بانه ليس لدي أي إنتقادات جوهرية علي الجزء الاول من هذه المادة والمتعلق بموضوع الهوية.
2. الإشكالية الاساسية في هذه المادة (2) هي في الجزء المتعلق باللغات. فمثلا: ماذا تعني عبارة “اللغة العربية لغة الدولة؟” هل عبارة “لغة الدولة” تعني اللغة الرسمية؟ واذا كانت تعني اللغة الرسمية, فلماذا لا نذكرها صراحةً؟ وهل هذه العبارة “لغة الدولة” تعني ان اللغات الوطنية الآخري, كالامازيغية, والطارقية, والتباوية, والغدامسية, وغيرها, ليست لغات دولة , ولن تكون لغات دولة في المستقبل (لا القريب ولا البعيد)؟!! أو أنه من المحتمل, أن يكون لنا, علي الأقل أربع لغات دولة, خلال العشر سنوات القادمة؟!!!
3. تنص المادة علي أن “… ينظم القانون في أول دورة أنتخابية تفاصيل إدماج اللغات الليبية الأخرى , في مجالات الحياة العامة , علي المستوي المحلي ومستوي الدولة.“ فما المقصود هنا بــ “تفاصيل إدماج اللغات الليبية الآخري؟!!” وماذا سيحدت لو لم يتم ذلك في أول دورة أنتخابية؟
وماذا سيحدت عندما يتم الإدماج؟ هل ستصبح هذه اللغات كلها لغات دولة؟!!! ماهي هذه “اللغات الليبية الآخري” التي يجب ان ينظمها القانون, ويجب أن تعمل الدولة علي إدماجها في مجالات الحياة العامة, على المستوي المحلي ومستوي الدولة؟
4. والأغرب من هذا كله ان السيدات والسادة المناصرين لهذا المشروع, قد جعلوا هذا النص “نص فوق دستوري!” أي نص غير قابل للتعديل, كما نصت علي ذلك المادة (195) في فقرتها (2) التي تنص علي انه “.. لا يجوز المساس بالمبدأ الذي تقوم عليه المادة الثانية.”
4. وعليه يمكن القول وبإختصار شديد أن هذا النص المتعلق باللغات هو نص “غامض,” وغير دقيق, ولا يصلح ان يكون نصاً دستورياً, وإذا تم أعتماده فلن يزيد المشهد الليبي الا أرباكاً, وتعقيدا.
المُقترح البـديـل
نص المُقترح الذي تقدمت به للجنة التوافقات الآخيرة في هذا الشأن, هو نفسه نص المادة التي وردت في التقرير النهائي للجنة التوافق مع المكونات.
المادة (2): الهوية واللغة
[ملاحظة مهمة: لابد من التأكيد عليها مرة أخري, أنه ليس لدي أي إنتقادات جوهرية علي الجزء الاول من هذه المادة والمتعلق بموضوع الهوية].
أ. تعتبر اللغات العربية والامازيغية والطارقية والتباوية لغات وطنية باعتبارها رصيداً مشتركا, وإرث تاريخي وثقافي, لكل الليبيين, واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة.
ب. تعمل الدولة علي ترسيم لغات المكونات, في مناطقهم, وفقا لمعايير ومراحل وآليات يتم تحديدها بقانون
جـ. تعمل الدولة علي حماية اللغات الوطنية, وتوفير الوسائل اللازمة لتعلمها, واستخدامها, وتطويرها, والسعي لإدماجها في مجالات الحياة العامة.
د. تعمل الدولة علي توفير الوسائل اللازمة, لتعلم واستخدام وتطوير لغة برايل للكفيف، ولغة الاشارة للصم والكم.
هـ. تحدد بقانون الاحوال التي يجوز فيها, استعمال لغة اجنبية في المعاملات الرسمية.
أهم الاسباب والمُبررات:
1. بأختصار شديد, هذا النص هو المادة المُقترحة في التقرير النهائي للجنة التواصل والتوافق مع مكون الطوارق. وبالتالي فهو نص توافقي مع أخوتنا مُكون الطوارق, ويمكن أعتباره نص أعتمده أعضاء الهيئة التأسيسية بالإجماع. وقد أصدرت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور – في هذا الشأن – القرار رقم (23) لسنة 2015 م بشأن اعتماد توافقات لجنة التواصل والتوافق مع مُكون الطوارق والذي قررت فيه:
المادة (1) تستمر لجنة التواصل والتوافق مع لجنة المكونات المُشكلة بموجب قرار رقم (21) لسنة 2015 في عملها الي حين الوصول الي توافقات مع ممثلي المكونات.
المادة (2) تنص علي “تلتزم الهيئة التأسيسية بأعتماد مشروعات النصوص الدستورية المتعلقة بمكون الطوارق قبل أعتماد أي نص دستوري آخر.”
2. هذا المُقترح أعترف بكل اللغات التي يتحدثها جزء من الشعب الليبي وأعتبرها لغات وطنية باعتبارها رصيداً مشتركا, وإرث تاريخي وثقافي, لكل الليبيين. وفي نفس الوقت نص علي ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة.
3. في نفس الوقت أيضا نص هذا المقترح البديل علي إمكانية ترسيم اللغات الوطنية الأخري في مناطقهم وفقا لمعايير ومراحل وآليات يتم تحديدها بقانون.
4. نص هذا المقترح البديل علي أن تعمل الدولة علي حماية اللغات الوطنية وتوفير الوسائل اللازمة لتعلمها واستخدامها وتطويرها والسعي لإدماجها في مجالات الحياة العامة.
الاضافة الي هذه المادة هناك المادة (55), من هذا المشروع, والتي تنص على أن “للأشخاص, أفرادا وجماعات الحق في استخدام اللغات الوطنية وتعلمها والمشاركة في الحياة الثقافية, وتضمن الدولة حماية اللغات الليبية, وتوفير الوسائل اللازمة لتعلمها واستخدامها في وسائل الإعلام العامة, كما تضمن حماية الثقافات المحلية والتراث, والمعارف التقليدية, والآداب والفنون, والنهوض بها, ونشر الخدمات الثقافية.
وبالاضافة الي المادة (55), هناك أيضا مادة أخري لتعزيز مادة الهوية واللغة الا وهي المادة (160), في هذا المشروع, والتي تنص على تأسيس مجلس وطني لحماية الموروت الثقافي واللغوي, ومهمته “المحافظة على الموروث الثقافي واللغوي المتنوع للشعب الليبي وتوثيقه والاهتمام به بما يكفل المحافظة على أصالته والاندماج والتعايش بين الليبيين.”
5. بالإظافة لكل ذلك, نص هذا المقترح البديل علي أن تعمل الدولة علي توفير الوسائل اللازمة لتعلّم واستخدام وتطوير لغة برايل للكفيف, ولغة الاشارة للصم والبكم.
للإسف هذه المكونات (الكفيف, والأصم والأبكم), هي مكونات مجهولة ومحرومة من حقها في المواطنة, والمشاركة في صنع القرار السياسي, وعليه فلابد من الاهتمام بهذه المكونات, وإعطائها حقوقها كاملة.
…
البقية في الأجزاء التالية
***
للأطلاع على التقرير كاملا اضغط (هنا)
***
محمد عبدالرحمن بالروين ـ ممثل عن مصراتة في الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور
حرر في مدينة البيضاء بتاريخ 3 مارس 2018
_____________