إعاقة عملية بناء الدولة وتقويض أمن دول الجوار الليبي

بقلم د. صادق حجال

تهدف هذه الورقة البحثية إلى الوقوف على دور ذلك التنافس والصراع الإقليمي الذي أصبح يعرف باسم الصراع السني ـ السني بقيادة كل من السعودية وقطر، في إعاقة عملية بناء الدولة الليبية، وفي تقويض الأمن الإقليمي المغاربي لفترة ما بعد سقوط نظام القذافي وانهيار الدولة الليبية.

 الجزء الثاني

ثانيا ـ الصراع الإقليمي السني ـ السني في المنطقة العربية: خلفية تاريخية

تراجع القوى المركزية التقليدية في المنطقة العربية المتمثلة في كل من مصر وسوريا والعراق لأسباب متعددة ، جعل العربية السعودي تطمح إلى لعب دور القوة الإقليمية المركزية والوحيدة التي تقود دول المنطقة العربية نحو تحقيق مصالحها وتوجههم ضد خصمها الأساسي المتثل في إيران. لكن طموحها هنا اصطدم ببروز

دولة عربية أخرى لديها تطلعات إقليمية وتسعى بدورها للعب دور إقليمي بارز في المنطقة، وهي دولة قطر، فرغم صغر مساحتها وقلّة عدد سكانها ( في عام 2017م قدّر عدد سكانها بـ 2285234 نسمة علماً أن المواطنين القطريين لا يتجاوزن 11% من إجمالي عدد السكان، أما مساحتها تقدر بـ 11685 كم مربع).

إلا أنها استطاعت أن تنافس الدولة السعودية على النفوذ الاقليمي بفضل الموارد المالية الضخمة التي تجنيها من إنتاجها وتصديرها للغاز الطبيعي (تمتلك ثالث أكبر احتياطي من الغاز وتعتبر رابع أكبر منتج للغاز في العالم).

فبفضل الموارد المالية الكبيرة، استطاعت قطر تمويل حلفائها المحليين في العديد من الدول العربية، وتمكنت من استقطاب أكبر قدر ممكن من النشطاء السياسيين، وتكريس العديد من مراكز البحوث والمنابر الإعلامية لحفائها المحليين.

إلى جانب الموارد المالية، هناك أيضا دور قناة الجزيرة كقوة ناعمة، بحيث استطاعت قطر من خلالها، توجيه الرأي العام العربي وفق مصالحها وتوجههاتها.

إلى جانب قطر، راحت تركيا تطمح إلى لعب دور إقليمي في المنطقة العربية منذ وصول حزب العدالة والتنميةإلى سدة الحكم بزعامة رجب الطيب أردوغان“. مثل قطر، اختارت تركيا أن تعتمد في تنافسها مع السعودية على ورقة الإخوان المسلمين في المنطقة العربية.

في هذا السياق، فإن إحد الأسباب الرئيسية التي أدّت بالإمرارات العربية المتحدة والعربية السعودية إلى دعم الإنقلاب المصري لعام 2013م على الرئيس المصري، المحسوب على حركة الإخوان المسلمين، يكمن في تخوفهما من الإخوان المسلمين الذين يشكّلون بأيديولجيتهم وتوجّهاتهم الفكرية والسياسية أكبر تحدى لشرعية أنظمتهم الحاكمة المهتزة،

خاصة بالنسبة للسعودية التي يعتمد نظامها على أيديولوجية دينية وهابية تشرعن له السيطرة على كافة مقاليد الحكم، وتعمل باستمرار على تبرير سياساته الداخلية والخارجية تبريرا دينيا.

لذا تسعى الدولة السعودية للقضاء على نفوذ الإخوان المسلمين، والقضاء على كافة النماذج السياسية التي توافق بين الدين والديمقراطية داخل دول المنطقة، التي من شأن نجاحها أن يُلهم الشعب السعودي، وبالتالي يساهم في نزع الشرعية على نظامها.

في المقابل، عملت دول مثل قطر وتركيا (في إطار الصراع الأقليمي السني ـ السني) على دعم الإخوان المسلمين في مصر وفي باقي الدول العربية، كون أن أراء الإخوان المسلمين حول الإسلام والديمقراطية والسياسية، تتقاطع في الكثير من الأحيان مع ما هو قائم في قطر وتركيا خاصة.

في سياق التنافس السعودي ـ القطري، انقسم المحور السني إلى محورين، محور تقوده السعودية التي عملت على جر دول مثل الإمارات العربية ومصر بعد الإنقلاب والبحرين إلى صفها، ومحور تمثله قطر إضافة إلى قوى إقليمية أساسية كالسودان وتركيا.

هذا الصراع الإقليمي السني ـ السني بات ظاهرا للعيان منذ عام 2011م، عندما راح كلا المحورين يستغلان الحراك الشعبي داخل الدول العربية الضعيفة سعيا للنفوذ الإقليمي.

التداعيات الأساسية لذلك التنافس الإقليمي تمثلت في:

ـ انحراف الحراك عن مساره،

ـ وجر تلك الدول المستهدفة إلى الحرب الأهلية وتمزيق مجتماعتها،

ـ وتقويض عملية بناء الدولة لفترة ما بعد الحراك،

ـ وزعزعة الأمن الإقليمي العربي بشكل عام والأمن الإقليمي المغاربي بشكل خاص.

وقد مثلت الحالة الليبية أبرز مثال على تداعيات ذلك التنافس السني ـ السني المدمر.

ثالثا: دور الصراع الإقليمي السني ـ السني في تمزيق المجتمع الليبي وزعزعة الأمن الإقليمي المغاربي

على إثر الحراك الليبي لعام 2011م سارعت كل من دولة قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة إلى جانب القوى الغربية على رأسهم فرنسا وبريطانيا، إلى استغلال ذلك الحراك وجعله يأخذ منحى الحرب. من خلال دعمهم المالي والعسكري والدبلوماسي والإعلامي لمجموعة من القبائل الليبية المنتفضة على نظام القذافي بالنسبة للإمارات وقطر والسعودية لم تكتفي بذلك فقط.

بل راحت تضفي الشرعية على تدخل حلف الشمال الأطلسي في ليبيا وتعطي تصور للرأي العام العربي والعالمي بأن ذلك التدخل لم يكن تدخلا إمبرياليا غريبا بل كان رغبة عربية إنسانية“.

كان ذلك، من خلال تمريرها للقرار رقم 7360 في 12 مارس 2017م بجامعة الدول العربية المتضمن لدعوة صريحة لمجس الأمن بتحمل مسؤوليته واتخاذ ما يلزم من أجل إقامة منطقة حظر جوي ومناطق ، وهذا ما كان يعني إضفاء الشرعية اللازمة على قرار مجلس الأمن رقم 1973 لعام 2011م، الذي بموجبه تدخل حلف الشمال الأطلسي في ليبيا عام 2011م.

بعد إسقاط نظام القذافي وانهيار الدولة الليبية، تحولت تلك القوى المتحالفة مؤقتا من أجل إسقاط النظام الليبي كقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والسودان، إلى قوى تتنافس فيما بينها من أجل توسيع نفوذها على حساب بعضها البعض فوق الأراضي الليبية.

التنافس الإقليمي تجسد في سعي تلك القوى الإقليمية المتنافسة إلى إيجاد حليف محلي داخل ليبيا ـ الممزقة قبليا وجهويا وإثنيا. ومن ثم العمل على ترجيح كفته من خلال دعمه بالسلاح والمال وتوفير المحطات الإعلامية والتحرك الدبلوماسي على المستوى الإقليمي والدولي.

هذا الدعم يجري في إطار سياسة الحروب بالوكالة التي اتبعتها تلك القوى الإقليمية المتنافسة. كان من شأن ذلك إن يؤدي إلى إنهيار العملية السياسية الإنتقالية، وأن تنزلق البلاد إلى حرب أهلية مدمرة، بحيث انقسمت الأطراف الليبية إلى كتلتين أساسيتين تحصل على الدعم من القوى الإقليمية المتنافسة، كتلة محلية ليبية تضم قبائل وميليشيات مسلحة معروفة باسم قوات فجر ليبيا، تحصل على الدعم من المحور الإقليمي القطري التركي السوداني.

في المقابل، كتلة محلية تضم مجموعة من القبائل والميليشيات تسمي نفسها قوات كرامة ليبيا، تلقى الدعم من المحور الإقليمي الذي يضم أساسا كل من السعودية ومصر والإمارات العربي المتحدة.

في هذا السباق، اتهم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما دول الخليج بتغذية الصراع في ليبيا. كان ذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد في 17 أبريل 2017م في البيت الأبيض، حيث قال ” … علينا أن نشجع بعض الدول داخل الخليج، الذي اعتقد بأن لديهم نفوذ على مختلف الفصائل داخل ليبيا، ليكونوا أكثر تعاونا. في بعض الحالات كنت قد رأيتهم يشجعون لهيب الصراع العسكري (في ليبيا) بدلا من المحاولة للحد منه.

بخصوص مسألة توفير الأسلحة من قبل الأطراف الإقليمية للأطراف المحلية الليبية، هناك العديد من التقارير الأممية التي تضمنت كيفية قيام القوى الإقليمية بانتهاك قرار حظر الأسلحة على الأطراف الليبية، وكان التقرير الأخير لفريق الخبراء بشأن ليبيا، التابع لهيئة الأمم المتحدة ، الصادر في 4 يونيو 2017م، قد أشار صراحة للإمارات العربية المتحدة ولقوى إقليمية أخرى، لم يذكر اسمها، على أنها انتهكت حظر الأسلحة المفروض على ليبيا في إطار دعمهم لحلفائهم المحليين من القبائل والميليشيات.

في خضم الازمة الخليجية، التي تصاعدت حدتها بإعلان كل من السعودية والإمارات العربية والبحرين ومصر بعزل قطر ومقاطعتها بحجة دعمها لما تصفه تلك الدول بـ الارهاب، فإنه من المتوقع أن يكون ذلك له علاقة مباشرة بالصراع الدائر في ليبيا، حيث هناك جماعات وشخصيات ليبية جد معروفة اعتبرتها الدولة المقاطعة بأنها جماعات إرهابية لها صلات مباشرة بقطر، على غرار عبدالحكيم بالحاج، الذي لعب دورا بارزا في إسقاط نظام القذافي، والصادق الغرياني وعلى محمد الصلابي، بالإضافة إلى تنظيم سرايا الدفاع عن بنغازي.

في الحقيقة ، هؤلاء الأفراد هم أطراف سياسية وعسكرية مناهضة للطرف المحلي الذي يدعمه المحور السعودي ـ الإماراتي ـ المصري، لذا من المتوقع أن يؤدي تزايد حدة الأزمة الخليجية إلى تأجيج الصراع العسكري الليبي وإلى إفشال كافة مسارات التسوية.

القوى الإقليمية المتنافسة لم تخترق ليبيا عبر ثنائية سني ـ شيعي، كون أن المكون الشيعي غائب في المجتمع الليبي، بل دخلت من باب ثنائية ليبرالي ـ إسلامي، فالمحور القطري ـ التركي ـ السوداني راح يدعم التيار الإسلامي في ليبيا المتمثل في المؤتمر الوطني العام“. وذراعه العسكري قوات فجر ليبيا، بينما قام المحور السعودي ـ الإماراتي ـ المصري بدعم من يسمي نفسه بالتيار الليبرالي المدني، الذي واجهته السياسية تتمثل في حكومة طبرق، وذراعه العسكري قوات كرامة ليبيا“.

هذا التيار يسمي نفسه بـ الليبرالي المدني، فقط من أجل تقديم صورة مغالطة على أن خصمه استبدادي وثيوقراطي، وفي الحقيقة، صفة الليبرالية والمدنية لا يمكن إعطائها لمن يحمل السلاح ويدخل في حرب أهلية مع خصومه.

الحروب بالوكالة التي يقودها كلا المحورين السنيين في ليبيا، لم تساهم فقط في إفشال عملية بناء الدولة لفترة ما بعد الحراك وتمزيق المجتمع الليبي إلى ميليشيات متناحرة، بل ساهمت أيضا في تقويض الأمن الإقليمي المغاربي: بحيث أصبحت دول مثل تونس والجزائر تواجه العديد من التهديدات الأمنية المترتبة عن التنافس الإقليمي السني ـ السني الذي يجري فوق الأراضي الليبية، وحتى دول الساحل تأثرت بذلك أيضا.

فالجزائر كدولة مركزية في المغرب العربي أصبحت كل نخبها الأكاديمية والسياسية تسعى بإلحاح إلى إيجاد السبل لمواجهة تلك التهديدات المترتبة عن انهيار الدولة الليبية، وهناك اتفاق عام سواء داخل الجزائر أو بين دول الجوار الليبي عامة ودول المغرب العربي خاصة، بأن إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية هو أفضل السبل لدرء التهديدات الأمنية الحالية.

لكن كيف يمكن إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية ودول إقليمية متنافسة مازالت تأجج الصراع الليبي وتعمل على تعميق حدة الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل ليبيا، عبر استمرارها في تسليح الأطراف الليبية التقاتلة، وانتهاكها لكافة قرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن؟

اليوم، دول الجوار الليبي وفي مقدمتهم الجزائر كدولة إقليمية في المغرب العربي وفي منطقة الساحل، لديها مقاربة سياسية سلمية كفيلة بأن تحل الأزمة الليبية، والتي تقوم أساسا على:

ـ عدم التدخل في الشأن الداخلي الليبي تحت أي ذريعة،

ـ واحترام سيادة البلاد،

ـ والعمل مع المجتمع الدولي من أجل أنجاح الحوار السياسي الليبي ـ الليبي.

لكن على الجزائر أن تعمل على جر باقي الدول الإقليمية التي تتبنى مقاربتها، وأن تسعى بشكل حثيث إلى جعل القوى الإقليمية المتنافسة تتوقف عن الدخل في الشأن الليبي. ماعدا ذلك، سوف لن يكون هناك حلا للأزمة الليبية، وسوف يتأثر أكثر الشعب الليبي ومعه شعوب باقي دول الجوار بالتداعيات الأمنية المترتبة على الأزمة.

الخاتمة:

إذا كانت دول المغرب العربي قد تجنبت، من حسن حظها، التنافس الإقليمي السني ـ الشيعي الذى دمّر العديد من الدول العربية الواقعة في الجزء الشرقي من المنطقة العربية، فإنه بعد الحراك وجدت تلك الدول ومجتمعاتها نفسها أمام تحدي التنافس الإقليمي السني ـ السني الذي تقوده كل من قطر والسعودية.

ذلك التنافس كان شديد الحدّة في ليبيا، حيث عمل ـ ولا زال ـ على تأجيج الحرب الأهلية الليبية وساهم في تعميق حدة الإنقسامات بين مكونات المجتمع الليبي، لم تتواني تلك الأطراف الإقليمية المتنافسة في انتهاك القرارات الأممية، بتقديم شحنات السلاح للأطراف المحلية الليبية المتحاربة، بل أكثر من ذلك، لم تجد حرجا في التدخل عسكريا بطريقة علنية لدعم الحلفاء المحليين تحت ذريعة محاربة الإرهاب.

الصراع الإقليمي السني ـ السني من المحتمل أن يستمر في ليبيا وأن يتوسع إلى دول أخرى، لذا على دول المغرب العربي وفي مقدمتهم الجزائر أن تتحمل مسؤوليتها هي والأمم المتحدة، بأن تعمل بجهد من أجل مواجهة السياسات التدخلية لتلك القوى الإقليمية المتنافسة التي تعبث بأمن ليبيا ولكن أيضا بأمن دول الجوار الليبي.

كما على الأطراف المحلية الليبية المتصارعة أن تدرك بأنه لا يمكن أبدا بناء دولة عبر الإعتماد على قوى خارجية، وعبر إقصاء الطرف الآخر المنافس، وعليها أن تدرك أيضا بأن الحل الوحيد لا يكون إلا بإجراء حوار ليبي ـ ليبي، تكون مخرجاته مرضية لكافة الأطراف الليبية في المقام الأول وليس للأطراف الإقليمية المتنافسة التي ترى في ليبيا مجرد غنيمة حرب.

***

د. صادق حجال ـ عضو هيئة تدريس بجامعة الجزائر 3

***

المصدر: مجلة إتجاهات سياسية، العدد الثالث، آذار \ مارس 2018، دورية علمية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي ، برلين ـ ألمانيا

___________

مواد ذات علاقة