بقلم د. محمد عبدالرحمن بالروين

في هذه الورقة أعرض على القارئ الكريم بعض المقترحات، التي تقدمت بها لأعضاء الهيئة (كحلول للإشكاليات الجوهرية، والتي لاتزال عالقة في مشروع الدستور) خلال المرحلة الماضية ومنذ الأيام الأولى لإنعقاد الهيئة، وذلك مساهمة مني في صناعة دستور وطني توافقي ديمقراطي يلبي طموحات كل أبناء الشعب الليبي في كل ربوع الوطن.

***

الجزء الرابع

أهم إشـكاليات الباب الثالث: (نظام الحكم)

أولا: فيما يتعلق بإشكالية تكوين مجلس النواب

نص المادة التي وردت في المشروع : المادة (68)

تكوين مجلس النواب

يتألف مجلس النواب من عدد من الأعضاء ينتخبون بالاقتراع العام الحر السري المباشر على أساس السكان، مع مراعاة المعيار الجغرافي, وفق ما يحدده القانون. وضمان الحد الأدنى لتمثيل المكونات الثقافية واللغوية….“

المُقترح البـديـل

نص المُقترح الذي تقدمت به للجنة التوفقات الآخيرة في هذا الشأن وردا على مُقترح اللجنة , قمت بالمطالبة بحدف الفقرتين الأتيتين من المادة المُقترحة وهما: “مع مراعاة المعيار الجغرافيو بما يضمن التمثيل المتكافئ للناخبين.” وبشرط ان يكون هناك معيار إنتخابي.” وإعادة صياغة المادة ليصبح النص بعد التعديل كالاتي:

يتشكل مجلس النواب من عدد من الأعضاء, ينتخبون بالاقتراع العام الحر السري المباشر, وفق المعيار السكاني. ويحدد عدد أعضاء مجلس النواب على أساس نائب واحد عن كل ثلاثين (30) ألفا من السكان, أوعن كل جزء من هذا العدد يجاوز نصفه. بشرط أن يكون لكل محافظة نائب واحد على الأقل.”

[للإسف رفضت اللجنة هذا المُقترح دون تقديم أي أسباب ولا مُبررات!!]

أهم أسباب و مُبررات هذا التعديل:

1. إن الغرض الاساسى من إيجاد المجلسين هو احدات توازن ومراقبة بين التعداد السكانيمن جهة, والجغرافيا السياسيةمن جهة آخري. والحقيقة ان فكرة المجلسينفي دولة المواطنة التي تقوم علي أساس المساواة وتكافؤ الفرص , فد اصبحت فكرة قديمة [واداة سياسية مُربكة ومُعطلة للعملية التشريعية] تعمل الدول الحديتة علي التخلص منها.

وعليه فاذا كان ولابد من تطبيقها في الواقع السياسي الليبي, فانا أقترح ان يكون مجلس النواب ممثلا للتعداد السكاني, دون مراعات اي شروط او توازنات آخري, مثل الفقرة مع مراعاة المعيار الجغرافي …” التي وردت في المقترح, ولا ضرورة لإي شروط اخري في توزيع المقاعد داخل كل منطقة او محافظة, حتي تحدت المراقبة ويتحقق التوازن بين القوتين الساسيتين والاساسيتين في توزيع السلطة في الدولة في المجتمع.

2. لكي يتحقق التمثيل المناسب في هذا المجلس, ويتحقق مبدأ لكل مواطن صوت واحدلابد من تطبيق مبدأ المتوسط الانتخابيأوالتمثيل العددي لكل مقعد,” وذلك بأعتماد أحد الأسلوبين:

(أ) في حالة الاتفاق علي عدد المقاعد في المجلس (كما حدت مع مقاعد المؤتمر الوطني العام وتحديدها بــ 200 مقعد, او كما هو الحال في مجلس النواب بالولايات المتحدة الامريكية الذي قرروا ان تحدد, مند 1910, عدد مقاعده بــ 435 مقعداً), في هذه الحالة يكون التمثيل العددي لكل مقعد علي أساس تقسيم [عدد السكان في الدولة علي عدد مقاعد المجلس]. فعلي سبيل المثال بان المتوسط الانتخابي أو التمثيل العددي لكل مقعد في المؤتمر الوطني = (عدد السكان علي عدد المقاعد)

أي ان:

عدد السكان الليبيين حسب تعداد ليبيا لسنة 2006 = 5,298,120 نسمه عدد المقاعد التي أقرها المجلس الانتقالي لكل ليبيا = 200 مقعد

وبهذا فإن المتوسط الانتخابي لكل مقعد في المناطق الانتخابية

5,298,120 ÷ 200 = 26,491

(ب) أما في حالة عدم الاتفاق علي عدد المقاعد في المجلس (كما هو الحال في جُلّ الدساتير التي نصت علي مجلس تشريعي يتكون من مجلسين. ففي هذه الحالة لابد من ان ينص الدستور علي المعيارية العددية (أي المتوسط الانتخابي لكل مقعد في المناطق الانتخابية),

وذلك حتي لا تُسيس هذه القضية , وبالتالي ستقود الي العديد من الإشكاليات القانونية والسياسية كما حدث في عام 2011 عندما أقر المجلس الوطني الانتقالي عدد المقاعد, بأسلوب عشوائي ومزاجي, لإنتخاب أعضاء المؤتمر الوطني العام , وايضا قام بإستخدام نفس الأسلوب, بترسيم الـ 13 دائرة أنتخابية علي مستوي ليبيا, لتحقيق هذا الهدف!

وفي عام 2013 قام المؤتمر الوطني بإعادة ترسيم ليبيا, وبأسلوب عشوائي ومزاجي أيضا, الي 11 دائرة أنتخابية لإختيار أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور!!

3. لكي يتحقق التمثيل المناسب في هذا المجلس, ويتحقق مبدأ لكل مواطن صوت واحدلابد من دسترت آليات تحديد النتائج وتوزيع المقاعد في داخل المجلس. وعلينا ان نعي بأن تحديد ودسترة المعيارية العددية أمر ضروري لتحقيق الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي في الدولة.

***

ثانيا: فيما يتعلق بإشكالية تكوين مجلس الشيوخ

نص المادة التي وردت في المشروع: المادة (76)

تكوين مجلس الشيوخ

تألف مجلس الشيوخ من عدد ثمان وسبعين عضوا.. توزع المقاعد بين المناطق الانتخابية الثلاث: طرابلس 32 ، برقة 26 , فزان 20. علي ان يشمل ذلك ضمان تمثيل المكونات الثقافية واللغوية بواقع عضوين عن كل مكون , ويراعى التوزيع الجغرافي للمقاعد داخل كل منطقة انتخابية.

ملاحظات مهمة حول هذا النص:

1. الملاحظة الاولي علي هذه المادة هي: “لماذا عدم التساوي بين الأقاليم الثلاث؟خضوصا وان هذا المجلس يقوم علي أساس التمثيل الجغرافي وليس علي أساس التمثيل العددي للسكان! وطالما ان البلاد قد تم تقسيمها سياسيا الي ثلاث مناطق! فلماذا لا يتم إعطاء كل منطقة عدد متساوي من الاصوات؟! هذا هو الاسلوب الصحيح والشائع والمُتبع في كل الدول التي تستخدم هذه المعادلة السياسية.

2. لماذا يتم توزيع المقاعد علي أساس المناطق الأنتخابية الثلاثوليس علي أساس الاقاليم التاريخية الثلاث؟! واذا قبلنا بهذا المصطلح الجديد والغريب فسيبرز هنا, السؤال المنطقي الآتي: علي أي مناطق إنتخابية ثلاث نتحدث؟! بمعني هل المقصود بها الدوائر الانتخابية الـ 13 (أي الدوائر الأنتخابية الـ 13 لإنتخاب أعضاء المؤتمر الوطني عام 2012, ومن بعدهم أعضاء مجلس النواب عام 2014)؟ , أم هي الدوائر الانتخابية الـ 11(أي الدوائر الأنتخابية الـ11 لإنتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية عام 2014) , أم المقصود هو الاقاليم التاريخية الثلاث – أي ولاية برقة, وولاية فزان, وولاية طرابلس؟! ومن الذي سيحدد لنا ذلك؟ الحقيقة ان أعضاء لحنة التوافقات قد رفضوا الأجابة علي هذه الأسئلة!! ولم يوضحوا لنا الأسباب والمبررات الي هذا الأختيار!!

3. لماذا وضع شرط ضمان تمثيل المكونات الثقافية واللغوية بواقع عضوينعن كل مكون؟ّ ولماذا شرط العضوينوليس عضو واحدأو أكثر من عضوين؟وماهي المكونات المؤهلة لذلك؟ وعلي أي اساس سيتم إختيار المكونات, ومن الذي له حق تقرير ذلك؟ وكم لدينا مكون في ليبيا الان؟!

فعلي سبيل المثال لا الحصر, لقد زارنا وفد من سادتنا الأواجلة وقلو لنا, كلام من أروع ما يمكن ان يقوله مواطن ليبي. لقد قالوا لنا ما معناه: “يا أخوتنا نحن ليبيون, كغيرنا من الليبيين, نُريد ليبيا للجميع, ونعتز بديننا الاسلامي, واللغة العربية,

ولكن اذا أردتم ان تعطوا للمكونات اللغوية والثقافية دور خاص, فأعلموا, اننا مُكون أصيل, ولنا ثقافتنا الخاصة بنا التي نعتز بها. وعليه فلابد من من أعتبارنا مُكون ثقافي كغيرنا من المكونات. وبالاضافة الي هذا الوفد الكريم, لقد أتي لنا وفد آخر كريم, من أخوتنا القريتلية, وقالوا نفس الكلام الذي قاله لنا وفد أخوتنا الأواجلة. فهل يجب الإستجابة لهذه المطالب؟ في نظري, نعم. بمعني اذا تم تمثيل المكونات الثقافية واللغوية بواقع عضوين,” فيجب ان تمثل كل المكونات دون إستثناء ولا إقصاء.

4. الامر الغريب الآخر في هذا النص هو أشتراط ان يراعى التوزيع الجغرافي للمقاعد داخل كل منطقة انتخابية!!” أليس الامر متروك لكل اقليم (اومنطقة انتخابية كما يسميها هذا النص)؟ ومن الذي سيقرر ذلك؟ وماذا تعني كلمة يراعيفي هذا النص؟

المُقترحات البديلة

بالرُغم من هذه الأساليب الغامضة, وغير المبرره , وحرصا منى على إنجاح هذا المشروع تقدمت للجنة العمل بمُقترحات بديلة آخرى, وقُمت بزيارة اللجنة لشرح هذه المقترحات البديلة لإعضاءها, ولكن اللجنة, وللإسف الشديد, رفضت كل هذه المُقترحات البديلة دون تقديم أي مبررات أو أسباب لهذا الرفض. وفيما يلى أهم المُقترحات التى ثم تقديمها للجنة:

المقترح الاول: مُقترح تقسيم ليبيا الي العشر(10) محافظات

وذلك بالرجوع الى فكرة المحافظات العشر (أي الرجوع الي التقسيم الاداري الذي كان سائدا قبل 31 أغسطس 1969, كحل مؤقت علي الأقل)

معادلة التوزيع = 5 في طرابلس + 3 في برقة + 2 في فزان

المقترح الثاني: تقسيم ليبيا الي خمسة عشر (15) اقليم

معادلة التوزيع = 6 في طرابلس + 6 في برقة + 3 في فزان

المقترح الثالث : تقسيم ليبيا الي أثنى وعشرين (22) اقليم

وذلك بالرجوع الى فكرة الشعبيات الـ 22 (أي الرجوع الي التقسيم الاداري الذى كان سائدا من 2007 الي يوم 17 فبراير 2011, كحل مؤقت علي الأقل لمدة عشر سنوات)

معادلة التوزيع = 9 في طرابلس + 7 في برقة + 6 في فزان

المقترح الرابع : تقسيم ليبيا الي أثنى وثلاثين (32) اقليم

وذلك بالرجوع الى فكرة الشعبيات الـ 32 (أي الرجوع الي التقسيم الاداري الذى كان سائدا من 2000 الي 2007, كحل مؤقت علي الأقل)

معادلة التوزيع = 14 في طرابلس + 10 في برقة + 6 في فزان

المقترح الخامس: تقسيم ليبيا الي (8) أقاليم

معادلة التوزيع = 3 في طرابلس + 3 في برقة + 2 في فزان

تتكون الدولة الليبية من 6 أقاليم, اثنين في الشرق واثنين في الجنوب واثنين في الغرب ، ومنطقتين هما – طرابلس الكبري وبنغازي الكبري

المقترح السادس : تقسيم ليبيا الي الاقاليم التاريخية الثلاثولاية برقة, وولاية فزان, وولاية طرابلس.

وذلك بالرجوع الى فكرة الاقاليم التاريخية الثلاث (أي الرجوع الي التقسيم الاداري الذى كان سائدا من 1951 الي 1963, كحل مؤقت علي الأقل)

المُقترح البـديـل

وبذلك يتم إعادة صياغة المادة بمشروع الدستور كالآتي:

يتألف مجلس الشيوخ من عدد ثمانية وسبعين (78) عضوا, ينتخبون بالاقتراع العام الحر السري المباشر, عن طريق الانتخاب الفردي. ويكون التمثيل في مجلس الشيوخ متساويً بين الأقاليم التاريخية الثلاث (أو أي خيار من الخيارات الخمس الآخري).“

أسباب التعديل:

في أعتقادي المتواضع يجب ان يكون التمثيل في مجلس الشيوخ متساويً بين المحافظات (أوالولايات), وليس علي أساس الأقاليم التاريخية الثلاثة, وذلك لان المحافظات يجب ان نكون هي الوحدات المحلية الاساسية في نظام الحكم , وهي الآليات السياسية المناسبة لمراعات وتحقيق التوازن السكاني, والجغرافي داخل كل اقليم.

وفي اعتقادي أيضا ان محاولة الرجوع بليبيا الى مرحلة الولايات الثلات (أي ما قبل الــ 1963) هى محاولة غيرعملية ولا تتماشى مع تحديات هذا العصر.

فليس من المعقول في هذا العصر, الذي تسعي فيه الكثير من الشعوب والدول الي التجمع والاتحاد, نقوم نحو بالتفرق والإبتعاد عن بعضنا البعض.

وبمعنى اخر, ان تلك الفترة من تاريخنا, التي يحن لها البعض منا, هى فترة قد تجاوزها شعبنا ولايمكن أن تكون الحل الصحيح والأمثل والجاد للتحديات التى تواجهنا جميعا اليوم.

وعليه فلا داعى للرجوع الى الخلف والاصرار على الجهوية والمناطقية, بدلاً من الوطنية, والمواطنة التي ستكون خطوة للأمام, نحو توحيد وترابط وتألف الشعب الليبى, وتقوية المفاضل السياسية والاجتماعية للدولة وليس لاي منطقة آخري, والتي ستكون محصلتها فوزنا جميعا.

وعلينا ان نعي, انه أذا فعلا كنا نريد ان نؤسس لدولة المواطنة, فإن دولة المواطنة تقوم علي أساس مبدأ الاقامة,” بمعني مبدأ أين ما تُقيم فانت مواطن.”

ولكن للإسف تم رفض هذا المقترح, ورفضت اللجنة تقديم الاسباب لهذا الرفض! واذا كان لابد من الاصرار علي الرجوع بليبيا الى مرحلة الولايات التاريخية الثلات, فلابد من تسمية الاسماء بمُسمياتها الحقيقية والرجوع الي الأقاليم التاريخية الثلاث, أي ولاية برقة, وولاية فزان, وولاية طرابلس, كما كان التقسيم قبل 1963..

_____

ملاحظة من المحرر: نعتذر للدكتور محمد وللقراء عن اختصارنا بعدم نشر الخرائط والجداول ذات العلاقة في هذا الجزء وفي الأجزاء الاخرى ، وذلك لتفادي الكثير من التفاصيل التي لا تقلل من الطرح العام ، ونرجوا من القراء العودة للتفاصيل في النص الأصلي للتقرير .

***

للأطلاع على التقرير كاملا اضغط (هنا)

***

محمد عبدالرحمن بالروين ـ ممثل عن مصراتة في الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور

حرر في مدينة البيضاء بتاريخ 3 مارس 2018

_____________

مواد ذات علاقة