بقلم سليم الحكيمي

في ذكراها السابعة، وباستثناء المدن الموجودة في الشرق الليبي التي تقع تحت هيمنة قوات اللواء خليفة حفتر والتي تعتبر موئل قوته، خرجت الجماهير الليبية في شكل استثنائي هذه المرة يوم 17 فبراير 2018  في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس، اكبر ميادين البلاد.

، خرجت الجماهير لتحيي جذوة ثورة ضد رئيس سيطر على باب الدولة والثروة والسلطة  42 عاما، اذاق الناس الخسف والعسف  واعاق النمو الطبيعي لليبيا ، وغادرها كرها تاركا اياها دون بنية فوقية او تحتية.

كان الخروج الجماهيري  طوعيا تعبيرا عن التمسك بعُرى الثورة ورغبة عارمة في التغيير وتجاوز الماضي رغم  انقسام البلد حاليا  بين حكومتين.

ولكن الوعي كان واضحا بان ما يقع من احتراب داخلي ليس نابعا من الليبيين انفسهم، بل بسبب تدخل اطراف اقليمية ودولية تعقد المشهد وتربكه.

ليست الثورة هي سبب الازمة في ليبيا بل الثورة المضادة، تلك هي رسالة المحتشدين في الساحات  التي عتّم عليها الاعلام العربي تعتيما.

صيرورة ثورة

 تمتلك الثورة الليبية كل مواصفات الثورة الحقيقية  انفجارا ومسارا.  

اندلعت حربا ضد النظام تاسّيا بثورتيْ تونس ومصر، ثم انتقلت  حربا اهلية ثم  اقليمية  بالوكالة، وماعتمتت ان استحالت  ازمة دولية.

وبعد لقاءات ثلاث، منذ 2016 في القاهرة وابو ظبي بين الرجليّن. وبرعاية فرنسية وفي باريس،  اجتمع “فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، مع اللواء المتقاعد “خليفة حفتر” قائد ما يسمى بعملية “الكرامة” في الشرق الليبي.

انتهى اللقاء ببيان مشترك تضمن 10 نقاط  وتعد  الدعوة  لوقف لاطلاق النار وتنظيم انتخابات باسرع ما يمكن اهم  النقاط التي تضمنها البيان المشترك الذي  تبناه الثنائي.  

ثم دخلت الامم المتحدة على الخط من جديد  مع غسان سلامة لتنخَل ما بقي من اتفاق الصخيرات لصالح مرحلة جديدة  تذَر الصالح منه لتتجاوزه الى افق جديد ينهي وضعا طال أمده وتعددت ضحاياه وتشابكت فيه المطامع .

تاريخا مر الاحتراب الداخلي في الشرق الليبي  بثلاث مراحل هامة :

اندلع  الصّراع ونقطة التحول  في ماي 2014  في ما يسمى بعملية الكرامة وعرفت بنغازي اوج التطاحن ، صرُع في  حَوْمة الموت  9483  قتيلا، ثم خفتت الحمىّ بعد اتفاق  “الصّخيرات” بالمغرب 17 ديمسبر 2015 الذي  تداعت  فيه  الاطراف المتناحرة بوساطة اممية الى محاولة اتفاق بعد سنة واحدة من الاقتتال، وهو ما يعني وصولهم المبكّر  الى مرحلة الانهاك و يؤكد الرغبة في  دفن فأس الحرب.

ميزة اتفاق الصخيرات انه  صادر  عن   مجلس الامن،  لكن دون وجود اجماع عليه.

ولكن تناقض  المصالح الدولية جعل من الاتفاق بدوره معضلة، وداء بدَل دواء، فصار  بدوره مولّدا لوضع سياسي شبيه بالحرب الاهلية الثانية.

فاندلع القتال في الهلال النفطي و الداخل والجنوب.

ثم اتت مرحلة جديدة انبرى الجميع بحثا عن حل من جديد. وانبجس الحديث عن انتخابات ودستور في نية  لوضع اوزار الحرب.

فغربيا،  تطور الموقف من حفتر تدهورافبعد ان  كانت الصّحافة  الأوربية  تصفه  ب”الرجل القوي” و”قائد الجيش  الليبي” ، وهو منصب تمّ استنساخه واقتباسه من النظام العسكري المصري ، الذي يجمع بين القائد العام للجيش ووزير الدفاع ،  عكس  ماهو متعارف عليه في دول العالم المتقدم من ان منصب وزير الدفاع منصب سياسي يتقلده مدني و يخضع له مباشرة رئيس هيئة الأركان المشتركة.

و اصبح الحديث عن مجرد قيادته لمجموعات من الجيش الليبي، خاصة  بعد صدور تقارير عن  التململ داخل جبهته الشرقية في اقليم برقة ، و  تاكيد اخرى عن جرائم القتل كما في اثباتات موثقة لـ”هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية ” وتورط ذراعه اليمنى “محمود الورفلي” في جرائم حرب ونبش قبور واعدامات موثقة.

وحاليا ، ترى دول اوربية  ضروة ادماج حفتر   في المشهد السياسي بعد تاكدها من استحالة قدرته على حسم النزاع عسكريا في ليبيا وهو راي انتهت اليه  فرنسا خصوصا.

ولكن  ايطاليا وبريطانيا ظلتا حذرتين متوجستين من التدخل الفرنسي ، و تطور الموقف من الرجل  تدريجا.

كان هنالك موقف منه  بُعيد الاتفاق السياسي، ثم مر الى مرحلة الترحيب الغربي، ثم انتهى بمرحلة الاختلاف  بشانه.

ولكن ما يطرح الآن هو  المشروع السياسي، ولضمان النجاح   تنصّل  حفتر مبدئيا من  برقة، وترك جهات  غارقة في مشاكلها  دون أفق  حقيقي، ونعني بذلك هنا التيار الفيدرالي المنادي باستقلال ذاتي للاقليم عن المركز، فقد  ضرب حفتر  حصارا خانقا على مدينة درنة دون مراعاة للاحتياجات الدنيا للسكان الذين يبلغ تعدادهم 120الفا نسمة بتعلة محاربة الارهاب، واملا في استجلاب مزيد من الدعم الدولي له ليجد نفسه محل انتقاد شديد من المنظمات الدولية وكذلك من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

ليتواتر الحديث عن عبد “الباسط القطيط” وجها سياسيا ليبيّا من امريكا مرشحا  للحكومة و  حلا بديلا، وهو  ورقة امريكية نزلت بها الولايات المتحدة بقوة الى الساحة الليبية بعد ان ذاقت ذرعا بخلافات حلفائها الغربيين حول الحل في ليبيا.

فرنسا و دوافع  التدخل

ليبيا مجال  حيوي لفرنسا ، ارادت من خلاله ان تضغط قويا و ان تكون الراعي الاقليمي الجديد للملف الليبي.

فقد  انتبه  احد المحللين “جايسُون بَاك: ” ان الاستراتيجية القديمة  كانت ترى الملف الليبي اقليميا  ولكنه  صار  اوربيا بصفة كبيرة “.

استبقت فيه فرنسا  حالة الارتخاء السياسي الدولي بشانه، ومتجاوزة للتحالف المصري فرنسي اماراتي  القديم في الشرق الليبي ، فسارع “ايمانويل ماكرون”، الذي تضاءلت شعبيته،  باقتناص  الفرصة، ليكون رائدا في قضية هامة وحارقة، وهي  موضوع  الهجرة،  محل النزاع الاوربي نتيجة لتوزيع حصص المهاجرين، الذي نزل بثقله على عاتق ايطاليا التي حملت وزره  الاكبر في القضية.

وهي واحدة من  الاشكالات الاوربية، إذ أن  فرنسا تريد ان تبعث بالمهاجرين الى ايطاليا بسبب وجود  مكاتب الحجز هنالك، و محاولة ضمان نفوذها في افريقيا و مصالحها في الجنوب الليبي  مما دفعها الى  الاسراع والإِرقَال لمحاولة  احتواء الملف.

فزعيمة القارة  العجوز سياسيا،  فرنسا، تملك وجودا  عسكريا في مالي والنيجر والتشاد. والخطوة الفرنسية تسعى الى التموقع في السوق الليبية المقبلة على مرحلة الاعمار بمليارات الدولارات.

فلفرنسا نصيب مما تركت الحرب والمتصارعون، و العلاقة مع  ليبيا تعود الى عهد القذافي ، تعودت فيها على  مربع الحسابات والتسويات. فقد وقع اتفاق بين القذافي و الرئيس الفرنسي ساركوزي على تفعيل منشات نووية في الجنوب الليبي سنة2007.

وهي تسعى الى  تفعيل الاتفاقيات النووية القديمة ،إذ ان  ثلثي الطاقة النووية  الفرنسية في الكهرباء  متأتية من اليورانيوم   الموجود في التشاد والنيجر التي تعد ليبيا بوابة اليهما.  

وترغب في تأمين طريق الغاز المستمر  من النيجر  الى الجزائر الى  اوروبا و  تأمين التبادل التجاري، ف 60% من الصادرات لاوربا تمر   بشمال افريقيا.

ولكن الدور الفرنسي المتنامي في ليبيا قابله انزعاج ايطالي، خاصة اثر جولة وزيرة  الدفاع الفرنسية في مالي والتشاد. ردت عليه ايطاليا بارسال بوارجها في ضفة المتوسط  مذكرة فرنسا بانها لن تفرط في مستعمرتها القديمة وحديقتها الخلفية الليبية.  

الأزمة الحالية  ازمة دولية يناور فيها  البعض ويرغب آخر في ان يُصنع  النظام السياسي على عينه، تتباين الموقف بخلفية المصالح والمطامح ، فهنالك  اطراف اقليمية  تريد الاستقرار  بسبب خطر الجوار  كالجزائر و  ايطاليا، التي لا تريد حفتر نهائيا في المعادلة القادمة. بل تراه  شخصا اشكاليا  يعكر الاستقرار  بفرط الطموح الجموح الى السلطة ، وترى في نفسها  الاقدر على فهم الليبيين، والتغلغل في مؤسّسات الدولة الليبية  كجهازيْ الامن والداخلية.

بينما تغيرت رؤية مصر  لامنها  القومي الذي صار مجاله  الشمال الاقريقي وليبيا والغرب الافريقي و لم يعد الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية كما كان سابقا.

ومن هنا جاءت  رغبتها في  ضمّ شرق ليبيا واقليم برقة الغني نفطا وشمال السودان. وحاليا، يبدو  التناغم بين ايطاليا وبريطانيا  مقابل محور فرنسا مصر – الامارات رغم التفاف ماكرون. ويمكن ان  تنضم اليه الجزائر والسودان.

ولكن كل ما يريده حفتر تصدّره مشاريع اخرى اقليمية ودولية يريد البعض منها الاستفادة الوقتية خاصة في الجنوب وتأمينه تماما كفرنسا، بينما لن تفرط ايطاليا  في الغرب الليبي لضمان  توريد الغاز وتصديره.  فنقص النفط الليبي ادى الى تراجع  الانتاج العالمي ب4%مما أضر بالتصنيع.

____________

مواد ذات علاقة