بقلم د. عارف التِّير

تقبل ليبيا على سنة 2018 وكل الامل في الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة ومسلسل التدخلات الاقليمية و الاجتماعات والوساطات الدولية. لتجد البلاد نفسها امام سيناريوهات أربعة: طرح الدستور للاستفتاء وانتهاء المراحل الانتقالية، التوجه لانتخابات رئاسية وبرلمانية، استخدام القوة العسكرية لحسم الصراع، استمرار المراحل الانتقالية.

في وقت لازالت فيه التدخلات الاقليمية والدولية مؤثرة وسطوة الجماعات المسلحة قائمة ومبعثِرة ، محاولة الدفع نحو الإخلال بالأوضاع القائمة، واستمرار ما تكتسبه من نفوذ ومكانة. بينما يصر المبعوث الاممي غسان سلامة على تسريع أولى الخطوات الفعلية للحل النهائي ، بعد عقد اجتماع للجنتَيْ مجلس النواب ومجلس الدولة في لجنة واحدة سُمّيت لجنة الحوار.

ثالثاً : استخدام القوة العسكرية لحسم الصراع

بعد هذه المسيرة من  النزاعات القبلية والجهوية التي جرت بعد سنة 2011، ترسخت قناعة  لدى الكثيرين مفادها : ما هي الجدوى التي تحققت من كل هذه الحروب؟ وأصبح هناك وعي جمعي يحاول أن يطفو إلى السطح يقول : أن خيار الحرب والنزاع والاقتتال لا يمكن أن نعول عليه في إنهاء الأزمة في ليبيا، بل أن الأمر قد يدخلنا في دوامات عنف أخرى اشد إيلاماً وأكثر شمولاً، وأصبح هذا العقل متعلقا بأولويات المعيشة اليومية، وان التوافق وتنازل الأطراف وتغليب مصلحة الوطن والحوار والحلول السلمية ستكون تكلفتها اقل ونتائجها وأثارها أفضل.

ورغم وجود هذا الوعي الجمعي بنبذ الحرب والاتجاه نحو تقديم تنازلات متبادلة إلا أن مسيرته تسير ببطء شديد جداً، لان الأطراف لن تقبل التنازل بسهولة ولا تريد أن تتخلى عن أي مكاسب حققتها طيلة السنوات السابقة، غير أن الأوضاع الاقتصادية السيئة بدأت تحفر في تعنت هذه الأطراف وتحاول إعادة رسم وتوجهاتهم وفق الاتجاه نحو خيارات سلمية.

إن هذا الخيار تراجع بشكل واضح من خلال اللقاءات التي تمت بين خليفة حفتر وفائز السراج في باريس ثم في ابوظبي، ومحاولة الأطراف الدولية والعربية إيجاد مساحة للتقارب حول بعض القضايا، كما تقلص هذا الرهان من خلال اللقاء الذي عقده ضباط الجيش الليبي من الطرفين في القاهرة في نوفمبر 2017 وذلك في محالة لتوحيد المؤسسة العسكرية.

إن خيار  الاحتراب مهما كانت نتائجه، مكلف جداً ، وعلى كافة الأصعدة اجتماعياً وسياسياً وتنموياً واقتصادياً، ولهذا  مهما كانت درجة تنازل الأطراف لبعضها للحفاظ على الحد الأدنى من التوافق سيكون الأمر أفضل  في معالجة الاختلافات.

إن أهم ما يميز المشهد العام لسنة 2018 تراجع احتمالات الحسم العسكري، في حين تتعاظم، نظرا لأسباب متعددة، فرص التسوية السياسية، وسيحاول خلاله كل طرف من أطراف الصراع تأمين أكبر كم ممكن من المكاسب السياسية في سياق التفاوض حول التسوية، ومن المتوقع أن تظل الدول الفاعلة على المستويين الإقليمي والدولي في سعيها لتمكين حلفائها في الداخل الليبي، ولكن لن يخرج هذا التمكين عن سياق الاتفاق السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

رابعاً:استمرار المراحل الانتقالية

بعد إعلان نتائج انتخابات سنة 2012 وتَسَلَّم المؤتمر الوطني السلطة من المجلس الانتقالي شهدت البلاد نوعاً من الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي وكان المسار السياسي في عمومه يسير بوتيرة سلمية ، وكان التنافس بين حزبي العدالة والبناء وتحالف القوى الوطنية والأحزاب الأخرى لم يخرج عن الإطار المعهود في المنافسات السياسية إلا ببعض القفزات غير محسوبة، والتي أهمها كان إقرار قانون العزل السياسي، وإزاحة رئيس الوزراء السيد علي زيدان ب 46 صوت فقط.

نتيجة للحراك الشعبي الذي رفع شعار “لا للتمديد” والذي كان هدفه ضرورة التقيد بالإعلان الدستوري وإنهاء عمل المؤتمر الوطني استجاب المؤتمر الوطني لمطالب هذا الحراك وشكل لجنة عرفت بلجنة  فبراير برئاسة الدكتور الكوني عبودة أستاذ القانون الدستوري بالجامعات الليبية ، ونخبة من أساتذة  القانون ، من اجل وضع تصور للخروج من هذا الاختناق، واستطاعت اللجنة أن تنهي عملها بمهنية كاملة وقدمت مقترحاتها إلى المؤتمر الوطني بتاريخ 4 مارس 2014 والتي كان أبرزها ضرورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، والاعتماد على مبدأ الفصل بين السلطات، وتحديد مواعيد ثابتة ومحددة لعملية الانتخاب، وتفصيل لصلاحيات كل من رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

مع بداية الربع الأول من سنة 2014 بدأت المفوضية العليا للانتخابات في إجراء عملية الانتخاب، وأعلنت نتائجها بتاريخ 21 يوليو 2014 والتي تضمنت اختيار 188 مقعداَ من أصل 200 مقعد نص عليها قانون الانتخاب، ورغم الصعوبات التي واجهتها في أداء مهامها إلا أنها استطاعت أن تنجز عملها بكل مهنية ومسئولية وطنية.

وبالرغم من تشنج المسار الديمقراطي السياسي السلمي أثناء هذه الانتخابات واندفاعه، وسطحية الثقافة السياسية للمتعاملين معه، والخيبة من أداء المؤتمر الوطني، وضعف المشاركة في الانتخابات، وامتناع بعض المدن عن المشاركة ولكنه استطاع من خلال هذه الانتخابات أن يعبر عن حقيقة توجهات المنتخبين، وكانت النقطة الجوهرية فيه إن الاحتكاك والتنافس بين التيارات المختلفة والمناطق المتعددة والقبائل الكثيرة كان يتم في إطار ممارسة قواعد اللعبة السياسية  السلمية، ولو قدر لمقترحات فبراير أن يُعمل بها فمن المؤكد إن الوضع في ليبيا ليس كما هو عليه الآن .

وبعد نتائج الانتخابات حاول  طارق متري رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا التوفيق بين الأطراف من خلال طرحه ما عرف بوثيقة تقاسم السلطة والتي حاول من خلالها تعديل التوازن بين الأطراف السياسية ليس وفق الانتخابات التي تمت، ولكن وفق حالة الصراع والتنافس وتوزيع القوة التي تبدو على الأرض.

كان استمرار المراحل الانتقالية صفة تميزت بها الأزمة الليبية منذ سنة 2012، ومازال الأمر مفتوح على مصراعيه لاستمرارها ، وربما اتفاق الصخيرات الذي أعلن عنه في نهاية 2015 يمثل احد حلقات هذا الاستمرار، فلم تلتزم كل الأطراف بهذا الاتفاق وأخذت تقفز قفزات سياسية لمحاولة التموضع هنا وهناك.

وللأسف أن هذا الاتفاق من البداية اكتنفته العيوب والثقوب، فلا يمكن منطقاٌ أن يتم إنشاء حكومة بتسعة رؤوس.

هذه الحالة الهلامية للدولة الليبية خلقت ظروفا وبيئة لبعض المستفيدين من استمرار المرحلة الانتقالية، فالمليشيات والجماعات المسلحة أصبحت تترقب وتحاول الدفع نحو عدم الإخلال بالأوضاع القائمة، واستمرار ما تكتسبه من نفوذ ومكانة ، وبالتالي تمارس هذه الجماعات ضغوطات متوازية على الكثير من الأطراف لاستمرار الوضع.

والاسوإ أن هذه الجماعات ستقف بقوة أمام أي توافق لا يمكن أن يضمن لها مراكز نفوذ في المستقبل.

الأمر الأسوأ أن استمرار هذا الوضع يدعمه  تشبث الكثيرين من هم في صدارة  المشهد السياسي بمناصبهم ( أعضاء المؤتمر الوطني – أعضاء مجلس النواب – رؤساء أجهزة تنفيذية وخدمية وإنتاجية  – نزاعات على تولي مجالس إدارات مؤسسات مالية – قادة المليشيات المسلحة – زعماء القبائل – رؤساء حكومات سابقين )، تقودهم الأنا الشخصية والمصلحة الذاتية ( دولة الغنيمة )، خاصة وان بعضاً منهم  له تأثير مباشر ورئيسي على الأحداث، ويمثل مركز نفوذ مؤثر على المسرح السياسي والعسكري والاقتصادي.

الخلاصة

هناك بعض الحقائق علينا أن نضعها في الاعتبار :

ـ إن الصراع في ليبيا معقد ومتشابك، وتحكمه متغيرات خطيرة، جزء منها يتعلق بالميراث الثقافي في جانبه السياسي، وجزء يتعلق بالمصالح الشخصية والجهوية والمناطقية، وجزء بأيديولوجيات فكرية ذات توجهات دينية.

ـ إن الصراع السياسي مهما كان نوعه وشكله، فهو شيء ايجابي وظاهرة صحيحة، وهو في حقيقته صراع على المكانة والنفوذ.

ـ إن الفكر السياسي الإنساني مر بالعديد من المحطات لبلورة الأفكار السياسية بداية من كتابات اليونان ، وإن آخر ما توصل إليه فيما يخص الصراع حول السلطة والنفوذ هما: فكرة الانتخابات عن طريق كيانات وتنظيمات حزبية، فبدل أن يكون الصراع جهويا مناطقيا قبليا شخصيا دينيا، ينصهر في تكتلات وتجمعات سياسية منظمة لا تعتمد على شرعية الصناديق فقط ولكن على شرعية الانجاز .

ـ إن أي محاولة لا يجاد أي وسيلة أخرى غير التنظيمات السياسية والتجمعات النقابية والأحزاب للتخفيف من حدة الصراع فلن يكتب لها النجاح، ويصبح أن ما يمكن القيام بعمله الآن  قد لا يمكن القيام به في فترات لاحقة، ولنا في تجربة 2012 خير شاهد، حيث كان حزب العدالة والبناء وتجمع القوى الوطنية عبارة عن مؤسسات تخفف من عملية التنافس داخل المؤتمر الوطني، فكثير من الإشكاليات حُلّت عبر لجان مُشكَّلة من الطرفين.

خاتمة

يجب على الليبيين إدراك إن الاعتماد على الدعم الدولي مهما كان حجمه  لن يكون في مستوى طموحاتهم وأمالهم وتطلعاتهم، بل أن المصالح المتعارضة والمتناقضة بين الدول اتجاه ليبيا قد تجعل هذا الدعم مجرد أوهام وخيالات ووعود وتصريحات لا تغني ولا تسمن من جوع.

وان الاعتماد الحقيقي والجهد الفعال يجب أن ينصب على الوطنية والتي أهمها مشروع صياغة الدستور واتفاق الجميع على مسارات محددة قابلة للتطبيق تعتمد على اتفقاهم على صيغة توافقية تكون في شكل عقد ، وثيقة ، دستور ، مسودة ، يحتكمون لها وتشكل مرجعيتهم.

ولقد عبّر طارق متري في مقالة له بجريدة الشرق الأوسط بقوله : ” لقد أجريت في ليبيا 3 انتخابات بعد سنة 2011 واحدة للمؤتمر الوطني العام، وثانية لهيئة صياغة الدستور، وثالثة لمجلس النواب ولم تتقدم ليبيا على طريق الديمقراطية فالانتخابات المستعجلة في بلد لا مؤسسات قوية فيه، ولا حكم قانون، ولا قيم ديمقراطية راسخة تعمّق الانقسامات، لأن الفائز يأخذ كل شيء أو يسعى لذلك، ولأن تأجيج الصراع ثم الاضطرار إلى المهادنة

***

الدّكتور عارف التِّير ـ عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

______________

مواد ذات علاقة