بقلم د. عارف التِّير

تقبل ليبيا على سنة 2018 وكل الامل في الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة ومسلسل التدخلات الاقليمية و الاجتماعات والوساطات الدولية. لتجد البلاد نفسها امام سيناريوهات أربعة: طرح الدستور للاستفتاء وانتهاء المراحل الانتقالية، التوجه لانتخابات رئاسية وبرلمانية، استخدام القوة العسكرية لحسم الصراع، استمرار المراحل الانتقالية.

في وقت لازالت فيه التدخلات الاقليمية والدولية مؤثرة وسطوة الجماعات المسلحة قائمة ومبعثِرة ، محاولة الدفع نحو الإخلال بالأوضاع القائمة، واستمرار ما تكتسبه من نفوذ ومكانة. بينما يصر المبعوث الاممي غسان سلامة على تسريع أولى الخطوات الفعلية للحل النهائي ، بعد عقد اجتماع للجنتَيْ مجلس النواب ومجلس الدولة في لجنة واحدة سُمّيت لجنة الحوار.

  مقدمة

أمام الجمود السياسي  في حل الأزمة الليبية، وعدم تقديم الأطراف لتنازلات قادرة على الخروج من عنق الزجاجة، وتعثر جهود لجنتَيْ مجلس النواب والدولة في تحقيق أي نتائج تذكر، فإن الجميع يتساءل ما هو المخرج من هذا النفق؟، وما هي اقصر الطرق  التي تمكن من اجتياز هذه الأزمة ؟

هذه الإشكالية هي محور هذه الورقة  التي سيقع فيها عرض  أهم الفرضيات التي يمكن أن تجيب على هذا التساؤل. إذ تبرز رهانات متعددة وسيناريوهات عديدة للازمة الليبية والتي أهمها:

  • طرح الدستور للاستفتاء وانتهاء المراحل الانتقالية.

  • التوجه لانتخابات رئاسية وبرلمانية.

  • استخدام القوة العسكرية لحسم الصراع.

  • استمرار المراحل الانتقالية.

يجب أن نعلم إن الرهان على أي من الخيارات السابقة لن يكون سهلا وميسرا في  ظل هذا الانقسام  الذي  تنوع وامتد أفقياً ورئسياً (مناطقياً – جهوياً – قبلياً – عقائدياً – مؤسساتياً – وحتى دينياً )، وللأسف أصبح لهذه الانقسامات  مصادر تمويل وقنوات دعم خارجية ومؤسسات إعلامية.

أولاً : طرح الدستور للاستفتاء وانتهاء المراحل الانتقالية

لقد ثار جدل كبير حول المسودة التي قدمتها هيئة صياغة الدستور لعرضها للاستفتاء بين مؤيد ومعارض ، ووصل الأمر إلى الالتجاء للقضاء للطعن في المسارات ، بل هناك من رأى في إقرارها نكبة على مستقبل ليبيا.

ومن القواعد المسلَّم بها في الفقه الدستوري، أن الدستور مهما بلغت دقة صياغة قواعده وعملية كتابته  فلن يسلم من النقد، ولن يكون كاملاً  يلبي طموحات جميع فئات الشعب، فقواعده القانونية هي انعكاس للبيئة التي كتب فيها وتفاعل معها وتأثر بها.

ورغم أن صياغة الدستور الليبي أخذت ومسافة من الوقت أطول من المتوقع، إلا انه يبقى جهدا يشكر عليه جميع أعضاء الهيئة خاصة في هذه الظروف العصيبة، والأمر الذي لا جدال عليه يبقى إن ما توصلت إليه لجنة صياغته هي الوثيقة الأكثر نضجاً، والأقرب إلى التطبيق، لأنها تضمنت جزءا كبيرا من اختلافات الليبيين، ولهذا تحصل مشروع الدستور على 78 نقطة من مجموع 100نقطة وفق المعايرة التي أجراها مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي .

لا يختلف دراسي الأنظمة السياسية وعلم الاجتماع السياسي على انه أثناء المراحل الانتقالية  فإن قدرة النخبة على الوعي بخطورة المرحلة  هو ما يحدد مدى استمراريتها من عدمه، فكلما تم التعجيل بطرح قواعد قانونية تنظم صراع وتنافس الأطراف على ممارسة السلطة، عجَّل هذا بخروج الدولة من  متاهات كثيرة، و واسؤها الحرب الأهلية.

إن عملية انهيار النظام السياسي داخل المجتمع، وما يصاحبها من تغيير في نظرة الأفراد اتجاه السلطة والحرية والحكم ،ومحاولة التوجه نحو قيم الديمقراطية، هذه مجتمعة تحتاج إلى روافع قادرة على حملها من السقوط في براثن الفوضى، وأهمها الإطار القانوني الدستوري، ومدى توفر تنمية وتحديث سياسي يمكنه مجاراة التغيير، وبصفة عامة نمط الثقافة السياسية السائد.

وتوجب الاعتراف إن الوعاء الثقافي السياسي للمجتمع الليبي غير قادر على تلبية متطلبات حركة التغيير ، وبينت سنوات ما بعد 2011 انه وعاء مليء بالثقوب، ولا يستطيع حمل مقومات الثقافة السياسية البَنَّاءة التي تحمل في جوهرها قيم الديمقراطية وبناء الدولة، بل الأمر الأخطر أن هذه الروافع التي يجب أن تصاحب عملية التغيير كانت غير موجودة، وبالتالي انزلق المجتمع في متاهات الاحتراب والتنازع على السلطة.

لقد عبر المفكر فرانسيس فوكوياما في كتابه “أميركا على مفترق طرق الديمقراطية السلطة وميراث المحافظين “عن المسار الديمقراطي بقوله : إنه محصلة مسار طويل في أبعاده التاريخية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وهي مسألة ليست بسيطة ولا سهلة، وان أي نظام ديمقراطي لابد له من مرتكزات ثلاث رئيسية: وهي دولة قوية تتمتع بالهيبة اللازمة، ووجود سلطة عليا، وسيادة القانون، ويقول إذا أردنا أن نفهم كيف نشأت هذه المرتكزات الثلاث فعندها علينا أن نفهم ما يفصل بين الصومال والدنمارك”.

ثانياً : التوجه لانتخابات رئاسية وبرلمانية

كانت أولى الخطوات الفعلية لغسان سلامة عقد اجتماع للجنتي مجلس النواب ومجلس الدولة في لجنة واحدة سميت لجنة الحوار، عقدت هذه اللجنة جلستين وتميزت تصريحات الأطراف بالتفاؤل المفرط، ولكن بمجرد أن بدأت الاجتماعات ومناقشة أوجه القضايا حتى تبين أن المسافة بين الأطراف بعيدة، وبالتالي لم تصل هذه اللجنة إلى أي نتائج يمكنها تحريك الواقع، وقد بين رئيس لجنة الحوار بمجلس النواب الدكتور عبد السلام انصية بعض النقاط الهامة حول طبيعة الخلاف بين مجلسي النواب والدولة وطلب من بعض أعضاء مجلس الدولة ضرورة تحكيم العقل والنظر لحالة البلاد السيئة معيشياً واقتصادياً وأكد على ضرورة استعادة الدولة لهيبتها ومقوماتها حتى نخرج من هذا المنزلق، وسارع عضو المجلس الأعلى للدولة ورئيس لجنة تعديلات الاتفاق السياسي، السيد موسى فرج بتبيان إن مجلس الدولة لم يطالب بأي تعديلات.

هذه التصريحات المتناقضة تبين إن اللجنتين لم تستطيعا الوصول إلي توافق بخصوص القضايا محل الخلاف.

وفي خطوة تالية قدم غسان سلامة بمبادرة  مقترحات ركزت في مجملها على توحيد السلطة التنفيذية كسلطة واحدة في البلاد من خلال إشراك مجلسي النواب والدولة في اختيار رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه، وافق مجلس النواب على هذه المبادرة بينما أبدى مجلس الدولة  بعض التحفظات ورفض جزء منها.

بعد محاولتين للسيد غسان سلامة للدفع نحو الوصول إلى توافق بين الأطراف اكتشف عمق الخلاف وترسخت لديه القناعة أن جوهره مركب وتدخلات جمة ورغبات شخصية وقبيلة وجهوية متناقضة، فانتقل إلى هذا الرهان وهو التوجه إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية.

رحبت اغلب الأطراف بهذا المسار على الأقل ظاهرياً.

برزت العديد من التساؤلات ذات الطابع القانوني حول هذا الرهان وأهمها :

ما هو الأساس التشريعي الذي ستعتمد عليه هذه الانتخابات؟

وهل سيتم انتخاب مجلس تشريعي ذو غرفتين أم غرفة واحدة ؟

وهل سيتم الاقتراع لمنصب الرئيس بالانتخاب الحر المباشر أم بطريقة غير مباشرة؟

ومن سيقوم بوضع واعتماد قانون الانتخابات ؟،

وهل الوضع الأمني يسمح بإجرائها في ظل وجود المليشيات المسلحة ؟

والتساؤل الأهم : حول وجود ضمانات للقبول بنتيجة انتخابات سياسية في بلد ينتشر فيه السلاح خارج سيطرة الدولة، وتتحكم في العديد من شؤونه ميليشياتكما حصل في سنة 2014.

هناك الكثيرون ومن ضمنهم أعضاء بهيئة صياغة الدستور يرون أن الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية سيكون خطير جداً وسيدخلنا في دوامة مرحلة انتقالية أخرى لا نعرف متى تنتهي، وان الأهم هو التوجه للاستفتاء على الدستور بما فيه من عيوب لنؤسس لقاعدة قانونية صلبة صحيحة نحتكم إليها جميعاَ ثم نتجه للانتخابات الرئاسية والبرلمانية .

وفي خطوة أخرى طرح غسان سلامة فكرة المؤتمر الجامع لجميع الليبيين بكل اختلافاتهم للمشاركة في رسم المشهد القادم، ورغم الفكرة البراقة للطرح إلا أن الأمر ليس بالسهولة التي يتصورها” 10.

يتبع

***

الدّكتور عارف التِّير ـ عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

 ______________

مواد ذات علاقة