بقلم عبدالمنعم الجهيمي

في يوم وليلة قامت النخبة في مدينة سبها عاصمة الجنوب ولم تقعد على وقع خبر اختطاف الموظفة لدى المنظمة الدولية للهجرة الفلسطينية رانيا خرمة.

والغريب أن خبر الاختطاف في حد ذاته يعتبر اعتياديا في سبها منذ سنوات، وأكاد أجزم بأنه صار طقسا من طقوس العيش فيها، العادي هنا أن تكون خاطفا وهو أمر لا يملكه إلا القلة، أو تكون مخطوفا وهو الشائع، أو تكون سعيد الحظ بمشاهدة أو سماع أو رواية أحداث الاختطاف.

ولكن ما أثار حفيظة النخبة هنا هو ما تمثله رانيا خرمة، وقبل أن نتحدث عن ما تمثله خرمة، أود توضيح أنني أقصد بالنخبة هنا أرباب مؤسسات المجتمع المدني المحلية العاملة في المدينة، والتي صارت مرتبطة بشكل أو بآخر مع وجوه المنظمات الدولية التي تنشط في الجنوب.

أصابت الحيرة الكثير من هؤلاء النخبة، فبعضهم لايزال بانتظار تسييل أموال لمشاريع سابقة نظمها بدعم من منظمة الهجرة الدولية، وبعضهم لايزال في مرحلة التفاوض من أجل ضمان الموافقة على مشروعه الذي يُعده، وبعضهم يخشى أن تتوقف المنظمة عن رعاية المشاريع الخدمية التي تشهدها المدينة.

لم تكن رانيا مجرد موظفة أممية في عيون هؤلاء، بل كانت تلك الدجاجة التي تبيض ذهبا، نعم.. فمنذ وصولها لمدينة سبها وهي تعمل على كافة الأصعدة وتتواصل مع الجميع، وتقدم الدعم للعديد من المنظمات والجمعيات المحلية.

ورش ودورات وملتقيات ودوريات كان شعار الـ (IOM) القاسم المشترك فيها جميعا، فمع جفاف المال من أغلب المؤسسات المحلية وانتشار ظاهرة الصك المصدق، والبيروقراطية التي تدخلك في دوامة الدورة المستندية، صارت المؤسسات المدنية تبحث عن ممول “كاش”، يوفر لها الدعم الجيد لإقامة مختلف مشاريعها.

بالمقابل كانت المنظمة تهدف إلى العمل على الأرض من خلال أيدي محلية، وهو ما يوفر لها فرصة الاشتغال على ملف المهاجرين ومراقبة ومتابعة أوضاعهم وتمكين من يريد العودة منهم لبلده، وفي سبيل ذلك تسعى إلى تحسين ظروف المعيشة في المجتمع المضيف لهؤلاء، وهذه الرغبة كانت على صعيدين.

الأول يُعْنى بحل عديد المختنقات بالمدينة، والتي عجزت أو فشلت الإدارات المحلية في التعامل معها، ومن هذا المنطلق انتشرت في سبها أعمال المنظمة، فعالجت قسما كبيرا من ملف طفح مياه الصرف الصحي، ووفرت المضخات للعديد من الآبار لحل مشكلة المياه، وصيّنت عدة مدارس فوفرت لها دورات مياه وفصول دراسية متكاملة، وانطلقت لتنشئ ملاعب كرة القدم خماسية للشباب في الأحياء الشعبية كحي الطيوري وحي عبدالكافي وغيرهما.

ولم تنس الأندية الرياضية التي نالها شيء من خير المنظمة فأعادت إحياء المباني الرياضية لأحد أقدم نوادي المدينة، فضلا عن حملات التشجير وتجهيز الوحدات الصحية وتوفير الأجهزة والمعدات الطبية.

هذا العمل وفّر على السلطات المحلية الكثير من الوقت والجهد، وصار مدراءها يأتون لحفلات التسليم والتقاط الصور، فيلتصق بهم الإنجاز أو هكذا يظنون، كما وفر للعديد من المقاولين المحليين صفقات متوالية ومربحة لا تفوّت.

على الصعيد الثاني كانت مؤسسات المجتمع المدني العطشى للدعم “الكاش”، فالتقت رغبة الطرفين، من جهة المنظمة التي ترغب في العمل على عدة ملفات على الأرض وبأيدي محلية؛ والمؤسسات المحلية من جهة أخرى والتي تحتاج للدعم بعد أن نضبت خزائن الإدارات الحكومية.

الأمر يحتاج لكاتب مقترح ذكي ويعرف ما الذي تريده المنظمة فتدعمه مباشرة، ويحتاج لشخصية تملك علاقات جيدة داخل مكتب المنظمة والمرتادين إليها، ويحتاج لحساب بنكي في تونس، بهذا تكتمل ثلاثية النجاح في الحصول على الدعم “الكاش”.

وبجلسة مع رانيا أو من ينوب عنها تقع الموافقة على المشروع، لتبدأ مرحلة جديدة تتمحور حول المال الذي سيُسيل لهذا النشاط أو ذاك.

تكون الفواتير بالدينار الليبي، وتسددها المنظمة بسعر المصرف في حساب بنكي بتونس، وعندما يُسْحب يقع بيعه بسعر السوق السوداء، فتنتهي هنا المرحلة الأخيرة، وتبدأ دورة البحث عن نشاط جديد تدعمه المنظمة، إما عن طريق نفس المؤسسة المحلية وإما عن طريق غيرها.

أغلب المؤسسات المدنية العاملة في سبها تسير على هذا المنوال، فقد صار طلب الدعم والحصول عليه “كاش” بالعملة الصعبة مهارة ومهنة يقتات منها أرباب هذه الجمعيات، هذا المشهد تديره كله أو جانب منه الموظفة رانيا خرمة، لذا يعتبر حضورها وسفرها واختطافها أمرا يهم هذه الفئة بالدرجة الأولى.

في سبها اختطفت الكثيرات وقتلن:

في سبها سقطت ذات يوم قذيفة على خيمة عرس فقتلت وشردت ومزقت أشلاءهن،

في سبها قتلت طالبة وهي خارجة من كلية الآداب أمام أخيها،

في سبها قتلت طالبة أمام مركز اللغات،

في سبها تكدح النساء المتزوجات من أجانب وهن يبحثن عن شيء من حقوقهن،

ولكن كل هؤلاء النسوة لا بواكي لهن ولا عزاء، فهن لا يملكن الدعم “الكاش” الذي يأتي عبر رانيا.

أتمنى السلامة لرانيا بنفس القدر الذي أتمنى فيه أن يتغير ذلك المشهد الذي جعلها تختلف عن غيرها من بنات جنسها الليبيات.

***

عبدالمنعم الجهيمي ـ كاتب من سبها

___________

مواد ذات علاقة