إعداد وحدة تحليل السياسات
مقدمة: بعد أشهر قليلة من تسلم مهماته، طرح رئيس بعثة منظمة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، غسان سلامة، خريطةَ طريق لحل الأزمة السياسية والمؤسساتية في ليبيا، تحت مسمى “خطة العمل من أجل ليبيا“.
وبصرف النظر عن الدواعي الحقيقية التي دفعته إلى تسريع تقديم خطته التي تبناها فيما بعد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن هذه الخطة تحولت إلى عامل جديد للجدل والخلاف، في بلد يشهد شروخًا اجتماعية متعددة، وتشظيًّا سياسيًّا ومؤسساتيًّا، وانفلاتًا أمنيًّا، ومصاعب اقتصادية ومالية تنذر بالأسوأ.
وعلى الرغم من أن خريطة الطريق المطروحة تضمنت سلسلة من الخطوات والإجراءات الأمنية والتشريعية والسياسية، تشفع بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، فإن معظم ردود أفعال الفرقاء والفاعلين والمهتمين في ليبيا ظلّت تدور حول الانتخابات، بين مؤيد ومعارض ومتحفظ ومشكك، لتتحول محورًا جديدًا للخلاف والتنازع.
الجزء الثاني
المشهد السياسي المتشظي
في إثر الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات، في كانون الأول \ ديسمبر 2015، علق الكثير من الليبيين آمالا عريضة عليه لتجاوز حال التشظي السياسي والإنقسام المؤسساتي، وساد حينها، خطاب إعلامي وسياسي يحمّل حكومة الإنقاذ الوطني، خصوصا، كل أوزار المرحلة.
غير أن مجريات الأحداث التي تلت ذلك كانت كفيلة بتراجع منسوب التفاؤل وإظهار عمق الأزمة التي تعانيها الدولة والمجتمع، بفعل عوامل محلية وأخرى إقليمية ودولية، وبعد سنتين من توقيع اتفاق الصخيرات، والذي تم تجاوزه عمليا، على الرغم من أن المجتمع الدولي كرر التذكير بأنه الإطار الوحيد للحل، فإن الانقسام المؤسساتي ظل قائما، ويمثل العقبة الكأداء التي تمنع تمرير أي مشروع للحل، بما في ذلك خطة المبعوث الأممي، غسان سلامة.
وعلى الرغم من أن معظم الفرقاء الليبيين لم يعلنوا معارضة واضحة لإجراء الإنتخابات البرلمانية والرئاسية الواردة في خطة سلامة، فإن الاستدراك كان حاضرا في أغلب تصريحاتهم، من خلال تأكيد جملة من الشروط، أو من خلال التشكيك في جدية الخطة ومراعاتها للظروف الموضوعية القائمة على الساحة الليبية، أو من خلال رفع الفيتو أمام مشاركة هذا الطرف أو ذاك.
فعلى مستوى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، والحزام المؤسساتي والسياسي والحزبي الداعم لاتفاق الصخيرات، كليا أو جزئيا، يبدو موقف السراج متناغما، إلى حد كبير، مع موقف البعثة الأممية، في الذهاب إلى انتخابات عامة، مع التأكيد، في الآن نفسه، على أن الاتفاق السياسي يظل ساري المفعول إلى حين انتخاب رئيس وبرلمان جديدين، ويستتبع ذلك استمرار شرعية المجلس الرئاسي والأجسام المنبثقة عن الاتفاق.
غير أن الحديث عن موقف موحد ورسمي للمجلس الرئاسي، من هذه القضية ومن غيرها، يظل حديثا نسبيا في ظل ما يسود بين أعضائه من تنافر وانقسام، إلى حد إعلان الانحياز الصريح إلى معسكر حفتر، كما هو حال نائب رئيس المجلس علي القطراني.
وأعلن عبدالرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة، أحد الأجسام المنبثقة من اتفاق الصخيرات، ترحيبه بخطة سلامة وبإجراء الانتخابات العامة، مطالبا، باحترام كل الإجراءات التي نصت عليها الخطة، وتمحورت أبرز تحفظات السويحلي، ومعه أخرون من المجلس الأعلى للدولة، حتى الآن، حول بطلان التعديل الذي صدّق عليه مجلس النواب في خصوص تركيبة السلطة التنفيذية لعدم توفر النصاب، إضافة إلى رفض تعديل المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات المتعلقة بوضع قيادة المؤسسة العسكرية، والتمسك بضرورة الشراكة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في تعيين المسؤولين عن المؤسسات السيادية.
أما موقف الأحزاب، وتحديدا “العدالة والبناء” و “تحالف القوى الوطنية“، وهما الحزبان الأكثر تمثيلية وفق نتائج الانتخابات السابقة، فلم تخل من تحفظات.
فقد اشترط حزب العدالة والبناء طرح مسودة الدستور للإستفتاء قبل المرور إلى الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية، والإبقاء على المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات التي تمنح السلطة التنفيذية حق تعيين قيادة الجيش والإشراف على عملها، ما يعني ، ضمنيا، سحب أي شرعية من اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
أما تحالف القوى الوطنية، فتركز أهم مطلب له في الذهاب إلى المؤتمر الوطني الذي يضمن مشاركة من هُمِّشوا في اتفاق الصخيرات، في إشارة ضمنية إلى رجال النظام السابق، محذرا من أي تعديل للخطة المعلنة قد تلغي هذا المعطى.
ويظل موقف اللواء المتقاعد خليفة حفتر والمعسكر القبلي والميليشياوي المساند له أشد المواقف صراحة في التحفظ على إجراء الانتخابات.
ولم يتقتصر تحفظ هذا المعسكر ورفضه الضمني، والمعلن، إجراء الانتخابات على التصريحات الاعلامية، بل تعداها إلى القيام بأعمال لفرض الأمر الواقع على الأرض، فحال إعلان سلامة خطته، انطلقت بالمنطقة الشرقية حملة توقيعات لـ “تفويض” حفتر بتولي الرئاسة من دون انتخابات، في حين تكفلت الميليشيات بالمنطقة الشرقية وأفراد “الصحوات القبلية” بتحطيم اللافتات التي علقتها المفوضية العليا للانتخابات على واجهات مكاتب الاقتراع، وتوج حفتر ما قام به أتباعه بإعلانه، في 17 كانون الأول \ ديسمبر 2017، انتهاء اتفاق الصخيرات وانتهاء الاجسام التنفيذية والتشريعية القائمة، بما فيها المجلس الرئاسي.
وعلى الرغم من أن حفتر أكد أنه لن يقبل أي سلطة عدا المنبثقة منها عن انتخابات، فإن إعلانه انتهاء الاتفاق والأجسام التنفيذية والتشريعية يعني، في المحصلة، قطع الطريق على خريطة سلامة، ورفض أي توافق يؤدي إلى إجراء انتخابات قد تفرز مشهدا جديدا لا يكون حفتر الفاعل الأول فيه.
الملف الأمني المقعد
لا شك في أن استقرار الوضع الأمني يظل أحد الشروط اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة يدلي فيها المقترعون بأصواتهم من دون تخويف أو ضغوط، ويتواصل فيها المرشحون مع جمهور الناخبين، في مختلف المناطق، بكامل الحرية، ولا شك، في أن أي متابع منصف للملف الليبي يدرك أن حالة الإنفلات الأمني وانتشار السلاح وسطوة الكتائب والانقسام الاجتماعي والمناطقي، كلها عوامل، تحول، دون تأمين مختلف مراحلة العملية الانتخابية، في المندى المنظور
ففي من المنطقة الشرقية، تفرض الكتائب المسلحة والصحوات القبلية الموالية لخليفة حفتر، والمدعومة بحضور أمني وعسكري إقليمي مباشر في قاعدتي بنينا والخروبة، حالة من الترهيب ضد كل رأي مخالف، بلغت حد تنفيذ إعدامات جماعية في بنغازي والأبيار واجدابيا ودرنة للمحسوبين على تيار “ثورة 17 فبراير“، وحتى لقيادات ومنتسبين إلى عملية “الكرامة” أبدوا تحفظات على ممارسات قيادتها.
كما تستهدف حملات التخوين وحرق البيوت والممتلكات والتهجير القسري كل من يشك في ولائه التام لحفتر، حتى بلغ عدد المهجرين من بنغازي، وحدها، نحو ثلث سكانها، بحسب إحصائيات المنظمات الحقوقية وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
أما في المنطقتين الغربية والوسطى، وعلى الرغم من الاستقرار النسبي في العاصمة طرابلس ومدن أخرى كمصراتة وسرت وزوارة وترهونة ومدن جبل نفوسة، فإن ولاء أغلب الكتائب المسلحة التي تتولى الملف الأمني للمجلس الرئاسي ووزارتي الداخلية والدفاع بحكومة الوفاق، يظل ولاءً نظريا لاكتساب الشرعية وتلقي الرواتب، ولا يرقى إلى مرتبة الانضباط والتراتبية المطلوبة في المؤسسات الأمنية والعسكرية.
فقد كشفت أحداث متكررة جرت في العاصمة وفي مدن أخرى، أن المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق لا يملكان سلطات حقيقية على هذه الكتائب، في حين كان المعطى القبلي والمناطقي والغنائمي هو الحاسم في اصطفافها، وهو العامل
الذي يجعل نزع السلاح وإدماج الكتائب في المؤسسات الرسمية، كما نصت على ذلك خطة سلامة، أمرا بعيد المنال، ما يعني أن أي انتخابات، إذا أجريت في ظل هذه الظروف الأمنية، ستكون خاضعة في حيثياتها ومخرجاتها، لضغوط السلاح وليس لبرامج المرشحين.
وفي المنطقة الجنوبية، تكاد أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية تغيب لتحل محلها الكتائب القبلية والمناطقية، ويتفاقم الانفلات الأمني، في الجنوب، يوميا، بفعل اتساع المجال الجغرافي مقابل الكثافة السكانية الضعيفة، ما وفر الفرصة للعصابات وقطاع الطرق لممارسة السطو والحرابة وتهريب المهاجرين من دول الجوار، ولتنظيم الدولة “داعش” للتمركز والاستيطان في الأودية والجبال والمساحات الخالية جنوب الجفرة وقرب براك الشاطئ، بعد طرده من معقله السابق في سرت.
كما أتاح الفراغ الأمني في المنطقة الجنوبية لميليشيات العدل والمساواة السودانية وجماعات تشادية مسلحة مجالا واسعا للحركة والمشاركة في صراعات الفرقاء الليبيين، وفي وضع أمني كهذا، تصبح مهمة مفوضية الانتخابات والسلطات المركزية صعبة جدا حتى في إيصال المعدات اللوجستية إلى العديد من مراكز الإقتراع، فضلا عن تأمين حملات المرشحين وتنقل فرق المراقبين، وضمان التصويت في ظروف عادية، وقبول مخرجات العملية الانتخابية.
خاتمة
صعّد رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، غسان سلامة، نبرة التحدي، خلال الجولات التي قادته، في كانون الأول \ ديسمبر 2017، إلى عدد من المدن الليبية وخلال مقابلته الشخصيات الليبية الفاعلة في المشهد الحالي، وقد أكد في أكثر من مناسبة أن الانتخابات ستجري قبل انتهاء عام 2018، مهما كانت الموانع والتحديات.
ولم يجب سلامة، حتى الآن، عن الاسئلة المتواترة حول مدى قدرة بعثة ـ مفوضة من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ـ على جمع الفرقاء الليبيين، مع تعدد خلفياتهم القبلية والسياسية والميليشياوية وولاءاتهم الإقليمية والخارجية، على طاولة واحدة، للخروج بتوافقات يقبلها الجميع، وهي المهمة التي عجز عنها المبعوثون السابقون، ووقفت دونها المبادرات الإقليمية والدولية السابقة.
كما لم يوضح طبيع العصا التي يملكها لتطبيع الوضع الأمني، في حيز زمني ضيق، في بلد يفوق فيه عدد قطع السلاح، خارج سيطرة الدولة، عدد السكان أضعافا، وتتحرك في الميليشيات، بعتادها الخفيف والثقيل، بلا رادع.
ولم يكشف سلامة، حتى الآن، الغموض عن مدى وجاهة إجراء انتخابات في غيال دستور وقانون انتخابي، إذا عجز مجلس النواب عن تحقيق النصاب اللازم لتمريرها.
وقبل هذا، يتساءل عديد المتابعين، هل في وسع سلامة إقناع الرافضين، مسبقا، للخضوع لمخرجات عملية انتخابية، إذا كانت في غير مصلحتهم، على غرار حفتر، بأن صندوق الاقتراع هو السبيل الشرعي الوحيد لتولي المسؤولية وبناء الدولة؟
تبدو “خطة العمل من أجل ليبيا” طموحة، من حيث مضامينها النظرية، غير أن معطيات الواقع السياسي والأمني والاجتماعي الحالي في ليبيا، وتشابك مسارات التدخل الإقليمي والدولي، تضع نقاط استفهام متواترة حول مدى قدرة الجهات المعنية على تحويل هذه الخطة إلى أمر واقع، ويذهب آخرون إلى فرضيات أخطر: هل تكون الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا، إذا أجريت في الظروف الحالية، دافعا لمزيد تعقيد المشهد وخلط الأوراقئن وتحويل الإنقسام السياسي والمؤسساتي السائد إلى تقسيم لخريطة لييبيا؟
***
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤسسة بحثية عربية للعلوم الاجتماعية والعلوم الاجتماعية التطبيقية والتأريخ الإقليمي والقضايا الجيوستراتيجية. وإضافة إلى كونه مركز أبحاث فهو يولي اهتماما لدراسة السياسات ونقدها وتقديم البدائل، سواء كانت سياسات عربية أو سياسات دولية تجاه المنطقة العربية، وسواء كانت سياسات حكومية، أو سياسات مؤسسات وأحزاب وهيئات.
______________