بقلم د. الهادي بوحمرة
قام فريق من مركز دراسات القانون والمجتمع– جامعة بنغازي بإعداد معايرة لمشروع الدستور، والتي كانت نتيجتهاحصول المشروع في نهايتها على 78 نقطة من100.
وقد ورد في الدراسة أنها اعتمدت على معايير محددة تمثلت في المشترك الانساني والصياغة والظرف الانتقالي والخصوصية الليبية.
وبغض النظر عن مناسبة هذه المعايير لدراسة مشروع دستور أعد من هيئة منتخبة بالانتخاب العام الحر السري المباشر، وبعيدا عن الجدل في تراتبية المعايير، وتغيرها من باب إلي أخر، تظل الدراسة وجه نظر من مركز بحث علمي في ليبيا أولى مشروع الدستور اهتماما لم توليه له غيره من الجامعات والمراكز البحثية في ليبيا، الأمر الذي يسمح بطرحه للنقاش بشكل محدد، بعيداعن الكلام المرسل، وعن مواجهة ما ورد فيه انطلاقا من انطباعات غير منضبطة.
وبالاطلاع على هذه الدراسة يمكن ملاحظة الآتي:
1/ بدأت الدراسة بتوطئة حاولت فيها اختصار مواقف المعارضين للمشروع، إلا أنه كان وصفا انتقائيا، حيث ورد في بدايتها أن هناك من يعارض المشروع، لأنه يخشى من تأسيسه لدولة دينية، دون أن تورد المقصود بـ (الدولة الدينية)، ودون أن تذكر الاتجاه المعارض المضاد له الذي يقول أن المشروع لا يعطى للشريعة موضعها المناسب في المشروع، وأن المشرع قائم على بناء السياسات التشريعية والتنفيذية كافة على حقوق الانسان كما تنص المادة الاخيرة من باب الحقوق والحريات، وتخلص إلي أن المشروع يؤسس لدولة (علمانية)، وهو ما عبرت عنه بوضوح مؤسسات رسمية منها دار الافتاء بمدينة البيضاء.
كما ورد في التوطئة رأي بعض المعارضين للمشروع الذين يقولون أن المشروع فيه افتئات على حقوق مكونات بعينها، وتجاهلت الرأي المعارض الذي يقول أن هذا المشروع لا يستجيب لرأي الغالبية العربية التي ترى ضرورة إضافة وصف العربية لاسم الدولة، ولزوم حصر الدسترة على اللغة العربية.
ومن شأن ايراد أقوال كل اطراف المعارضة أن يضع المشروع في وضعه الحقيقي، باعتباره حلا وسطيا بين كافة الاتجاهات في ليبيا.
من ناحية أخرى، أشارت التوطئة إلي أن المشروع وافقت عليه الهيئة بأكثر من ثلثي الاعضاء، دون أن تعطي المعلومات الدقيقة بهذا الشأن.
ومن شأن القول بأن الهيئة صوتت على المشروع ب43 صوتا من عدد 44 من الحاضرين، ومن عدد 57 مجموع الاعضاء الفعلين أن يعطي قراءة مختلفة لأهمية المشروع، وتسمح بمقارنة دقيقة مع المسارات الدستورية في الدول الأخرى.
وقد ربطت التوطئة اقرار مشروع الدستور بمضي مدة ثلاث سنوات من عمل الهيئة، دون أن تقارن مدة عمل الهيئة بمدة عمل الهيئات الدستورية المنتخبة، ومنها مدة عمل المجلس التأسيسي التونسي الذي عمل في ظل مؤسسات قائمة وظروف لم تدخل فيها البلاد في حروب اهلية، ورغم ذلك بدأ المجلس عمله في نهاية 2011، وانتهي في سنة 2014م.
2/ اعتمدت الدراسة معايير محددة لمعايرة مشروع الدستور، وقامت على أساس إعمال هذه المعايير، وانزالها من الفريق على مواد وأبواب المشروع. وبالاطلاع على ملاحق الدراسة، نجد أن أوراق العمل، التي اعدها أعضاء فريق الدراسة كل على حدة، هي التي أنزلت بالكامل على المشروع، وتم النظر في نصوصه انطلاقا منها.
ما يعنى– حسب وجه نظرنا– أن التقييم الفردي تم تبنيه بشكل جماعي، وهو ما يؤدي للقول بأن نتيجة المعايرة هي عبارة عن جمع لتقييمات فردية تختص كل منها بجزء من أجزاء المشروع.
فوجهة نظر الدكتور زاهي المغيربي بشأن نظام الحكم والحكم المحلي الواردة في ورقته الملحقة بالدراسة هي التي اعتُمدت لتقييم بابي نظام الحكم والحكم المحلي،
ووجهة نظر الدكتورة جازية اشعيتير في حقوق المرأة في الدستور هي التي اعتُمدت بشان تقييم النصوص المتعلقة بهذه المسألة، ووجهة نظر الدكتور نجيب الحصادي بشان مفهوم الشريعة ونص المادة السادسة هي التي تم اسقاطها بالكامل على المشروع.
ونظرة الدكتور سليمان السحاتي بشأن مسار الهيئة هو التي اُعتُمد عليه في تكوين فكرة عامة عن مراحل عملها وتواصلها مع فئات المجتمع الليبي، وهونفس الأمرالذي اتبع بشأن ورقة الدكتورة هالة الأطرش.
وما يؤكد ذلك، اختلاف تعليل تقييم نص من باب إلي آخر.
فعند النظر في المادة 84 من المشروع التي تنص على القسم وضعت درجة 10/10، أما عند تقييم قسم اعضاء المحكمة الدستورية وضعت درجة 7/10. والتسبيب الذي ورد في إنزال الدرجة هو أن القسم فيه تراتبية الله ثم الوطن، ما يعنى أن فيه تغليب ما يعتقد العضو أنه إخلاص لله على اخلاصه للوطن.
وهو نفس السبب الذي يوجب إنزال درجة تقييم النص الأول إذا كان التقييم قد تم من فريق واحد، وباستعمال نفس المعايير.
وما يلاحظ في إطار وضع معايير لتقيم مشروع كمشروع الدستور هو السؤال الآتي: هل المشروع يعد حلا وسطيا بين مختلف الاتجاهات السياسية والمناطقية والثقافية في ليبيا أم لا؟.
وهو معيار لم يعط حقه في تقييم نصوص الدستور رغم أننا نعتقد أنه المعيار المناسب لمعايرة مشروع ينتظر الاستفتاء عليه لكي يتحول لدستور دائم.
3/ إن نصوص المشروع هي من وضع هيئة منتخبة من مختلف مناطق ليبيا، ومن مختلف التوجهات السياسية، وتعبر عن ممثلين للدوائر الانتخابية، وقد تم اعتماده بعدد 43 عضوا من مجموع 57 عضوا فعليا، وهم اعضاء موزعون على كافة المناطق والدوائر الانتخابية.
فالأغلبية هي أغلبية على مستوى الهيئة، وأغلبية على مستوى كل منطقة انتخابية على حده. ومن ثم، لا يعبر عن وجهة نظر عضو أو أعضاء محدودين، وذلك على خلاف الدراسة التي أعدت من فريق مكون من خمسة اساتذة أفاضل من نفس الجامعة، ومن نفس المدينة.
ويتضح من خلال تقييمهم لنصوص مفصلية، أنهم من اتجاهات فكرية متقاربة. على خلاف أعضاء الهيئة المنتخبين الذين هم من اتجاهات مختلفة، واختلافهم الفكري هو بقدر الاختلاق الفكري القائم في المجتمع الليبي.
ومع ذلك، كانت نتيجة المعايرة 78/ 100، ما يعنى أن التوافق بين ما يزيد على ثلثي اعضاء الهيئة كان في اطار احترام التفكير الاكاديمي والتجارب الانسانية بقدر كبير. مع ملاحظة أن الدراسة في مقدمتها لم تشر إلي ذلك بشكل واضح، رغم أنه ركيزة أساسية كان يجب أن تحكم التقييم للنصوص كافة وللمسائل الخلافية بشكل خاص.
فهي لم تشر إلي عدد الأعضاء المصوتين على المشروع، ولا عدد الأعضاء الحاضرين، ولا عدد الأعضاء الفعليين، فاعتماد مشروع بعدد 43 من عدد44 من الحاضرين، ومن عدد 57 من الاعضاء الفعليين، يختلف عن التصويت على أغلب الدساتير في العالم مع أن الهيئة التأسيسية خضعت لشرائط من النادر أن تخضع لها هيئة تأسيسية.
4/ إن الدراسة، التي يفترض أن تكون أكاديمية بقدر كبير، تجاهلت منطلقات كان ينبغي أن تعتمد عليها، ومن أهمها المقارنة بدساتير الدول الأخرى. فعند النظر في نص عاصمة البلاد، رأت الدراسة أنه كان على الهيئة أن تعتمد عاصمتين للبلاد، رغم أن جل الدساتير تعتمد عاصمة واحدة. وقد قُيّمت المادة على هذا الأساس، رغم أن الدراسة في بدايتها قامت بتثبيت أسس تقييم الباب الاول، بقولها أن الغلبة ستكون للمشترك الانساني على الاستحقاقات الانتقالية.
كما أنها تجاهلت نهج كثير من الدساتير المقارنة بشان إحالة العلم والنشيد للقانون، وانطلقت من أنه لا خلاف اساسي بشأنهما، رغم أن الخلاف بشان تثبيت علم ونشيد الاستقلال كان واضحا في الهيئة، وواضحا من خلال مذكرات قدمت للهيئة من وفود حضرت للهيئة من مدن ومناطق ليبية، ومن اتصالات للهيئة مع ليبيين في الداخل والخارج موثقة في أعمال الهيئة، ما كان للدراسة أن تتجاهلها.
موقف الدراسة من تقييم نصي العاصمة والعلم والنشيد يؤكد التقييم المنفصل وغير المترابط لنصوص المشروع، فتقييم نص العاصمة لا يأخذ في الاعتبار أن المشروع نص على أن بنغازي مقر للسلطة التشريعية بغرفتيها (م 90) ، ما يعنى أن المشروع اعتمد لحل مسألة العاصمة على وجود عاصمة (تشريعية) هي مدينة بنغازي، مع نصه على كون مقر المحكمة الدستورية مدينة سبها (م135).
كما أن النص المتعلق بالنظر في المادة الخامسة التي تنص على العلم والنشيد تجاهل النظر إليه مع نص المادة 197 التي تنص على أنه: ( مع مراعاة المادة الخامسة، يستمر العمل بالعلم والنشيد النافذين …).
5/ انطلقت الدراسة من مسلمات ليست بمسلمات، وكان من المناسب فحصها في الأنظمة المقارنة بشكل أكثر عمقا. فربطت المعايرة بين سبب وجود مجلس الشيوخ، والمساواة في التمثيل في تكوينه بين المناطق الانتخابية الثلاث. وقالت حرفيا في اطار تعليقها على نص المادة75: ( يجب أن يكون التمثيل فيه مناطقيا ومتساويا). فما هو أساس هذا الوجوب؟.
وهذا وأن كان التساوي خيارا مناسبا، لكنه ليس الخيار الوحيد، الذي يفضى للقول بعدم صحة الخيار المعتمد في المشروع، حيث أن هناك عدة تجارب مقارنة لا تعتمد التساوي بين المناطق الجغرافية أو التاريخية أو الولايات في مجلس الشيوخ منها الدستور الاسترالي.
كما أن الدراسة لم تقم بأي مقاربة بين التشكيل ونصاب اتخاذ القرار في مجلس الشيوخ، والذي يحدث موازنة بين المناطق الانتخابية الثلاث. وهو ما يفضى لفاعلية تتقابل مع المساواة في التمثيل. وهي– أيضا– لم تقرأ النص المتعلق بتكوين مجلس الشيوخ قراءة تكاملية مع النص الذي يتعلق بتأليف مجلس النواب، والذي اعتمد معيار السكان مع مراعاة المعيار الجغرافي.
ولا يمكن أن تنتج القراءة المنفصلة لنصوص دستور متكامل نتائج صحيحة.
وما يمكننا ملاحظته انه بشأن القضايا الخلافية، كان فريق الدراسة في اتجاه رأي المعارضين للمشروع، وتبنى إلي حد بعيد دفوع المعارضين، رغم كونهم أقلية، دون إعطاء كثير اهتمام للأغلبية الموصوفة التي اعتمدته.
فالإقرار بأن هناك مسائل خلافية، وأنه لا يمكن التعامل معها بمنطق رياضي، أو وفق تصورات جاهزة، أو أراء فردية، وأن المشروع ينتظر الاستفتاء عليه، يوجب أن يكون الحصول على الأغلبية التي تزيد على الثلثين والممثلة لكل المناطق والدوائر الانتخابية محل اعتبار.
6/ اعتمدت الدراسة على انتقاد المادة الثانية من المشروع، لأنها نصت على أن اللغة العربية لغة الدولة دون إحداث أي مقاربة عميقة بينها وبين تعبير اللغة الرسمية. ودون أن تحدد الدراسة الدلالات الحقيقية لمثل هذا التعبير. كما أنها، وخلافا لما ورد في التوطئة تأتي الدراسة في التعليق على هذه المادة، وتقول أنها تؤكد تخوف ذوي التوجهات العربية التي وصفتها بالسائدة. ومن الغريب أن أهمية ما ورد في هذه المادة لاستقرار ليبيا والوئام المجتمعي فيها لم يمنع الدراسة من تسبيب معايرة المادة بقولها أنها تضع التزامات مادية وثقافية يصعب الايفاء بها.
7/اعتمدت الدراسة في انتقادها لنص المادة السادسة التي تنص على أن الاسلام دين الدولة، والشريعة الاسلامية مصدر التشريع، على أن هذا النص يهدد بدولة دينية، وهو الرأي الذي ورد في ورقة الدكتور نجيب الحصادي. ومن المعلوم أن المشروع يقوم بشكل واضح لا لبس فيه على الدولة المدنية. فلا وجود بالمطلق لأي شبة من شبهات الدولة الدينية، فالتشريع تضعه السلطة التشريعية المنتخبة بالانتخاب العام الحر السري المباشر، والقول بدستورية القانون، أو عدم دستورية للمحكمة الدستورية، وهي دولة تقوم على التداول السلمي على السلطة.
والقول بأنه يهدد بدولة دينية ينصرف إلي مفهوم الدولة الثيوقراطية بمعنى دولة رجال الدين إذا كان للمصطلحات معنى. أما بالنسبة للنص على أن الشريعة الاسلامية مصدر التشريع، أو مصدر للتشريع، أو مصدر رئيسي للتشريع، فإنه في جميع الاحوال لا يمكن أن يذهب إلي أبعد من التزام المشرع بثوابت الشريعة الاسلامية والقطعي منها، حيث لا أحد يقول بإلزامية الاجتهادات الفقهية. فالشريعة الاسلامية منها الثابت، ومنها المتغير، ولا إلزام إلا بالثابت، فليس للمحكمة الدستورية أن تحكم بعدم دستورية نص لمخالفته لرأي فقهي.
كما أن الشريعة الاسلامية بمصادر الحكم المختلفة تستوعب كافة التجارب المقارنة والاجتهادات الانسانية، ما لم تخالف أصلا من أصولها. وهو ما يحول الخلاف حول النص على مصدرية الشريعة الاسلامية إلي خلاف لفظي. فهل يمكن توقع أن المحكمة الدستورية تحكم بعدم دستورية نص قانوني لمخالفته لاجتهاد مالك أو الشافعي أو غيرهما؟.
ومن الغريب أن الدراسة تطالب بوضع تعريفات، رغم أنه من المعروف أن التعريفات من مهمة الفقه، لا من مهمة واضعي النصوص الدستورية أو القانونية. مع ملاحظة أن النص يمثل خطابا للسلطة التشريعية، التي تلتزم بالضوابط الدستورية كافة عند ممارستها لاختصاصاتها.
8/ انتقدت الدراسة مشروع الدستور لعدم تضمنه لمسائل من المتعارف عليه أن تتضمنها القوانين، ولا ترد في الدساتير. ومن ثم، فإن الدراسة انجزت دون تحديد معيار تعتمد عليه للتمييز بين النص الدستوري والنص القانوني. وما رأت الدراسة أنه يجب أن ينص عليه مشروع الدستور هي مسائل لا ترد حتى في الدساتير الموصوفة بكونها تفصيلية. ومن تلك المسائل القول في الدراسة أنه كان على المشروع أن يتضمن تجريم التهريب الضريبي، وانتقاد المشروع لأنه لم يحدد اختصاصات المحافظ.
رغم أن هذه المسائل هي شأن قانوني بامتياز لا دستوري. ومن ذلك– أيضا– مطالبتها بأن ينص الدستور على حظر منح اللجوء السياسي للإرهابيين والمتهمين بجرائم دولية، رغم أن المادة 14 تنص على تنظيم أوضاع وشروط اللجوء السياسي بقانون)، ويمكن وفقا لهذا النص أن يتولى المشرع هذه المسألة، وفقا لاعتبارات المصلحة العامة والسياسة التشريعية التي يتبعها.
9/في تقييمهالباب السلطة القضائية، ذهبت الدراسة إلى الاستناد على انتقاد المادة 128 بقولها أنه: يجب النص على إلزامية مبادئ المحكمة العليا للمحاكم الأدنى، وهوأمرمحل خلاف لايجهله أي قانوني. ولايمكن بناء تقييم مشروع الدستورعلى خيار،وترك آخر. وربماعند الدخو في مناقشة كليهما، ومدى مناسبة الأمرللمبادئ التي يقوم عليها الدستور،لتبينت سلبيات مثل هذا التسبيب لتقييم المشروع. وفي إطار السلطة القضائية، تقول الدراسة أن النيابة العامة تتبع وزيرالعدل، وهوموقف تم انزال تقييم المادة 119 بناء عليه، رغم أنه حتى في الدول التي تفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق تعتبرالنيابة العامة من السلطة القضائية. مايعنى أن اعتبارها من السلطة القضائية في دولة تجتمع فيها سلطتي الاتهام والتحقيق في يد النيابة العامة أولي. باختصار، أن هذا الرأي ليس بالرأي الراجح ولابالسائد ولا بالمشهور، ومع ذلك تعتمده الدراسة للانقاص من الدرجة الممنوحة للنصوص الوارد فيها.
….
لتحميل تقرير معايرة مشروع الدستور الصادر عن مركز دراسات القانون والمجتمع– جامعة بنغازي
http://uob.edu.ly/pages/page/89
***
د. الهادي بوحمرة ـ عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور
_____________