بقلم د. الهادي بوحمرة

قام فريق من مركز دراسات القانون والمجتمعجامعة بنغازي بإعداد معايرة لمشروع الدستور، والتي كانت نتيجتهاحصول المشروع في نهايتها على 78 نقطة من100.

وهذه تكلمة لقراءة الملاحظات التي وردت في معايرة مشروع الدستور:

10/ اعتمدت الدراسة في نقدها لمشروع الدستور بشأن تشكيل المحكمة الدستورية على سبيل المثال، وعدم نصها على التجديد لأعضائها على القول بندرة الخبرة في ليبيا، وهذا محل نظر كبير فليبيا سنة2017، وما بعدها، ليست ليبيا 1951م. خاصة فيما يتعلق بالخبرات في المجال القانوني. الأمر الذي كان يستوجب استبعادها كسبب للانقاص من تقييم المشروع.

11/ تجاهلت الدراسة في بابي الحكم المحلي والنظام المالي مسألة أساسية قائم عليها المشروع، ووقعت في نفس تجاوز حقيقة البناء في مشروع الدستور الذي وقع فيه الاستاذ الدكتور ابراهيم بوخزام، وهو أن مشروع الدستور قائم على التمييز بين القوانين العادية والقوانين الأساسية.

فمن المعروف إن من أهم وسائل تجنب ذكر أحكام تفصيلية في الدستور هو الإحالة للقوانين الاساسية، وهذا ما اعتمده بشكل واضح مشروع الدستور، وإن كان لم يصفها بهذا الوصف، لأن الوصف هو شأن فقهي.

فقوانين النظام المالي والحكم المحلي هما قانونان يسنهما مجلس النواب، ويقرهما مجلس الشيوخ. ومن تم، فهي تختلف عن القوانين العادية التي يقرها مجلس النواب فقط، ودور مجلس الشيوخ بشأنها دور استشاري فقط، واجراءاتها تختلف عن اجراءات غيرها من التشريعات.

ومن هنا كان المنهج يتمثل في ترك القواعد التي تحكم النظام المالي لقانون النظام المالي، والذي هو قانون اساسي، يختلف من حيث مرتبته القانونية عن نظام الميزانية. كما اكتفى المشروع بدسترة ركائز اللامركزية، وترك تفاصيلها لقانون الحكم المحلي، الذي هو قانون اساسي، يجب أن يسن من مجلس النواب، ويقر من مجلس الشيوخ، مع وجوب أن يكون من ضمن الأغلبية التي تقره ثمانية كحد أدنى من كل منطقة انتخابية .

ولو انطلقت الدراسة من هذه المقدمة لربما اختلف تقييمها لبابي النظام المالي والحكم المحلي بشكل جذري. كما أن ما تطالب به الدراسة، وتنتقد بناء البابين عليه، لا علاقة له بالمنهج الذي اتبعته الدساتير المقارنة التي اعتمدت نظام اللامركزية المدسترة. ويمكن مقارنة مشروع الدستور الليبي بما ورد في الدستورين المغربي والتونسي، حيث أن ما ورد بهما يتجاوز ما قررته الدساتير التقليدية، ومنها الدستور الفرنسي 1958 وتعديلاته.

12/ اعتمدت الدراسة في انتقاد استعمال مصطلحات على فهم غير صحيح للاطار الذي وردت فيه. فمصطلح (فحص المؤسسات)، الذي ورد في إطار نص العدالة الانتقالية يعكس تعبيرا أدق من مصطلح الاصلاح المؤسسي، الذي انتهت إليه الدراسة. ذلك أن هيئة العدالة والمصالحة التي تطبق برنامج العدالة الانتقالية لا تقوم بإنفاذ الاصلاح، الذي هو شأن تشريعي تنفيذي، وإنما تقوم بفحص المؤسسات، الذي هو مقدمة للإصلاح.

فالإصلاح يستوجب اصدار تشريعات أو تعديلها، ويستوجب اجراءات تقوم بها السلطة التنفيذية. ومهمة هيئة العدالة والمصالحة هي فحص هذه المؤسسات، وبيان الخلل في بُناها التشريعية، والتوصية بما يلزم لإصلاحها.

وفي إطار التعليق على نص العدالة الانتقالية، انتقدت الدراسة استعمال مصطلح المساءلة والمحاسبة، وقالت بضرورة استعمال مصطلح الملاحقة القضائية، وهو أمر يعكس عدم الفهم الدقيق لآليات العدالة الانتقالية، حيث أن المساءلة والمحاسبة تتجاوز الملاحقة القضائية، وأن للعدالة الانتقالية آليات قضائية وآليات غير قضائية، مما يجعل من مصطلح المساءلة والمحاسبة أكثر ملاءمة لمفهوم العدالة الانتقالية.

وفي مجال حقوق الانسان، طالبت الدراسة بالنص على حقوق الطفل كافة، المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية، متجاهلة النص الذي يعطى للاتفاقيات التي تصادق عليها ليبيا مرتبة أعلى من القانون وأدنى من الدستور، ومتجاهلة النص في المادة 59 المتعلقة بحقوق الطفل على الآتي: ( وتبنى تشريعاتها وسياساتها على المصلحة المثلى للطفل.). ومصطلح ( المصلحة المثلى) يتضمن قيمة مضافة لمشروع الدستورالليبي مقارنة بغيره مستمدة من اتفاقية حقوق الطفل، وهو كاف لإلزام المشروع بحقوق الطفولة كافة.

وفي إطار ضبط المصطلحات والانطلاق من معانيها الدقيقة، نجد أن الدراسة انتقدت المشروع باعتباره لم ينص على حق الاضراب في المادة 56، رغم أن المادة نصت بوضوح على ضمان الحقوق النقابية.

كماوصفت الدراسة بعض المصطلحات الواردة في المشروع بكونها غامضة، رغم أنها انطلقت في المقدمة من ضرورة المصطلحات المرنة. لكنها عند تقييم النصوص، خلطت بين الغموض والمرونة. فمصطلح الجرائم الجسيمة هو مصطلح مرنوالنص عليه لا يختلف عن النص على الجرائم الخطيرة مثلا في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966م. بل أن الجرائم الجسيمة أكثر وضوحا من مصطلح الجرائم الخطيرة؛ وفقا لمعيار التمييز بين الجرائم المتمثل في نوع ومقدار العقوبة المقررة للجريمة. فهذا المصطلح وغيره من المصطلحات المرنة غير المحددة والقابلة للتحديد تسمح للمشرع بأخذ متغيرات في الاعتبار لإنفاذ النص الدستوري.

ومن التعبيرات التي انتقدتها الدراسة مصطلح الوظائف السيادية الذي ورد بمناسبة حظر مزدوجي الجنسية توليها. رغم أنه لايمكن حصر هذه الوظائف في نص دستوري. وايرادها تحت هذا التعبير من شأنه أن يسمح للمشرع بتعديل نطاقها وفق تطور الواقع السياسي والاجتماعي، ويمنح مرونة للمشرع يحتاجها لتطوير التشريعات وفقا للسياسة التشريعية التي يرسمها، تحت رقابة المحكمة الدستورية. ومن ثم، فإن المرونة هي ايجابية أكثر من كونها سلبية تستوجب انزال تقييم المشروع انطلاقا منها.

ومن ذلك ايضاأنها وصفت استعمال المشروع في المادة 38 الحبس الاحتياطي بعدم الوضوح، وطالبت بالنص على حظر العقوبة السالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريقة النشر والعلانية، رغم أن المقصود هو سلب الحرية كأجراء جنائي وليس كعقوبة. والفرق واضح جلي بين الاثنين. كما ان المقصود هو قضايا الصحافة، وليس كل الجرائم التي ترتكب بطريق النشر والعلانية. ونعتقد جازمين أن التقييم بني على عدم فهم للنص ونطاقه.

من ناحية أخرى، طالبت الدراسة باستعمال مصطلحات تستعمل للتوصيف الفقهي في الصياغة التشريعية، وهو خلط بين مهمة الفقه ومهمة المشرع. من ذلك انها انتهت الي ضرورة النص على وصف الرقابة السابقة في الفقرتين السادسة والسابعة من المادة 139، رغم أن النص لا لبس فيه عند نصه على أن من اختصاص المحكمة الدستورية (مراجعة المعاهدات والاتفاقيات قبل التصديق عليها) (ف6،م139)،وعند نصه أن من اختصاصها (مراجعة قوانين الانتخابات والاستفتاءات قبل اصدارها.)(ف 7 م 139).

ومن الغريب أن الدراسة تنتقد المشروع لتبنيه مصطلحات تقول أنهاغريبة على الثقافة القانونية الليبية كمصطلحي التفريع والتدبير الحر، وكأنها تطالب بأن تنغلق الثقافة القانونية الليبية على مصطلحات سبق لها اكتسابها، ومن المعلوم أن نقل مصطلحات يعنى نقل أنظمة، وأن الاستفادة من التجارب الانسانية المتجددة تستوجب التجديد في المصطلحات المستعملة والإضافة عليها. وبالاطلاع على هذين المصطلحين في مجال الحكم المحلي، وما كتب في الفقه المقارن تحتهما، يمكن الانتهاء إلي الإقرار بأهمية ادراجهما في مشروع الدستور الليبي، باعتبارهما من ركائز التصورات الحديثة للامركزية.

13/ قياسا على دساتير قليلة منها الدستور المصري، ترى الدراسة أنه كان على مشروع الدستور النص على نسبة 4 من المائة من الدخل القومي تخصص للتعليم. مع أنه يمكن للقارئ أن يقارن بين النص الوارد في المشروع، والذي ينص على اعطاء الاولوية للتعليم بمختلف أنواعه وللبحث العلمي في نسب توزيع الدخل القومي وبين رأي الدراسة. مع الأخذ في الاعتبار أننا أمام نصوص دستورية، لا نصوص قانون موازنة.

14/ انتقدت الدراسة نص المشروع على الأغلبية المطلقة للأعضاء المنتخبين (الفعليين)، بقولها أنه كان على المشروع أن يتبنى الأغلبية البسيطة، أي اغلبية الأعضاء الحاضرين، دون أن تأخذ مثالب هذا الطرح. فتبنى نصاب الأغلبية البسيطة يؤدي إلي إلغاء قوانين تسن بأغلبية مطلقة بقوانين تسن بأغلبية الحاضرين. والنص على الأغلبية المطلقة يحد بقدر كبير من هذه الاحتمالية. وهو سبب من أسباب أخرى لاستبعاد تبنى خيار الأغلبية البسيطة ترد بشكل متكرر في أدبيات الفقه المقارن، وقد كان على فريق الدراسة الاطلاع عليها، وأخذها في الاعتبارعند تقييم المشروع.

15/ لم تقرأ الدراسة النصوص قراءة متكاملة بشأن الجنسية، ويتضح ذلك من أنها انتقدت المشروع بعدم نصه على حق أبناء الليبية في الجنسية، رغم أن المشروع أحال تنظيم الجنسية للقانون في إطار ضوابط محددة،  وعلى المشرع عن وضعه له أن يتقيد بالدستورفمشروع الدستور يقوم على المساواة بين المواطنين والمواطنات، ما يعنى أن القانون الذي يعتمد التمييز بين أطفال الليبية وأطفال الليبي هو نص غير دستوري وفق أحكامه. الأمر الذي يمكن أن يستنتج منه أن القراءة التي أجريت للنصوص لم تكن قراءة قانونية دقيقة.

16/  الدراسة في عدة مواضع تطالب بتكرار ما يفيد الاختصاص وكأننا أمام مقالات فقهية. ومن ذلك،  أن نص المادة 133 ينص بشكل واضح على  أن اختصاص القضاء العسكري بشكل لا لبس فيه ينحصر في نظر الجرائم العسكرية التي يرتكبها عسكريون،  وأنه بذلك يحظر عليها محاكمة المدنية،  إلا أن الدراسة تطالب بتحويل النص إلي شرح مضمونه بداخله، وذكر نتائج انفاذه في متنه،  وقالت بضرورة أن ينص على عدم جواز محاكمة المدنيين.

الدراسة تقترحأيضاصياغات بديلة لا تستجيب للمصطلحات التي جرى العرف على ادراجها في النصوص الدستورية، ومن ذلك الصياغة البديلة التي اقترحها  ادراج عبارة (باستثناء شرط السن حيث يشترط ألا يقل….)،  في تعليقها على نص المادة 76،  والتي تنص على ( ألا يقل عمر المترشح عن اربعين سنة ميلادية….). ومن المعلوم أنه لا يستقيم في الصياغة القانونية ايراد كلمات من قبيل (حيث). وهو نوع من الخلط بين الأسلوبين التشريعي والقضائي.

17/ تجاهلت الدراسة المنهج المقارن، رغم انها تقول أنه أحد أهم المعايير التي اعتمدت عليها.  ومن ذلك انتقادها للنص المتعلق بالجنسية الذي يحيل تنظيم الجنسية للقانون في اطار ضوابط دستورية، تتمثل في الأمن الوطني والمصلحة العليا للبلاد وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي. وإحالة الجنسية للقانون هو المنهج السائد في الدساتير المقارنة. مع ملاحظة أن النص الخاص بالجنسية (م 186) الوارد في باب الاحكام الانتقالية لم يكن من المناسب ان ينفصل النظر فيه عن النظر في نص المادة 10 الوارد في الباب الأول، حيث أنهما لا يقبلان التقييم بشكل منفصل.

18/ انتقدت الدراس نص المشروع في مادته 185، بقولها أن مدة التمييز الايجابي للمرأة بوضع (كوتا) يجب أن يكون لمدة 12 سنة بدل النص على الكوتا لمدة دورتين انتخابيتين، دون أن تحدد أسباب ذلك ، ما يجعل من الانتقاد مجرد رأي شخصي، ومع تجاهل أن هذا النص هو نص تمييز ايجابي مؤقت، ورد إلى جانب التمييز الإيجابي الدائم، الذي ورد في المادة 49 بالنص على حق التمثيل للمرأة في الانتخابات العامة بشكل دائم. فعدم الاخذ في الاعتبار ضمان التمثيل الدائم، أثر في النظر للمقاعد المحجوزة للمرأة في النص الانتقالي.

مع العلم بأن هذا الأمر تمت مناقشته بشكل واسع مع منظمات المجتمع المدني، وأن هناك اتجاه ينادي بالمساواة بين المواطنين والمواطنات على اطلاقه، وهم –أيضالهم حق الاستفتاء على المشروع. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يمكن تقييم مشروع دستور ينتظر الاستفتاء عليه من الليبيين جميعا بمواقف شخصية.

وأخيرا، فإن هذه الدراسة، التي أعدها فريق مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي، اعتمدت على مقدمات غير صحيحة، ومن ذلك أنه ورد فيها أن الهيئة لم تقم بالاتصال المباشر، دون أن يطلع فريق الدراسة على ارشيف الهيئة، والمذكرات التي تلقتها من المواطنين، ومن منظمات المجتمع المدني، ومن الأجهزة المختلفة في الدولة، ودون أن يجرى مناقشات مع أعضاء الهيئة.  

كما أنه لم يطلع على لقاءات الهيئة في مختلف مدن ليبيا،  فالهيئة قامت بعقد لقاءات ونقاشات وتشاورات مع الليبيين في الداخل والخارج، وخاصة في دولتي مصر وتونس،  وزارت المدن الليبية إلا قليل منها منعت ظروف أمنية من زيارتها بشكل جماعي. ومن ذلك، قطع طريقها لمدينة بني وليد نتيجة لاشتباكات مسلحة بين مدينتي ترهونة وبني وليد، وعدم تمكنها من الهبوط في مطار الكفرة بعد التهديد، واضطرار قائد الطائرة لتغيير وجهته إلي مطار 59 بجالو. من ناحية أخرى،  ذكرت الدراسة أن ممثلي الأقليات قاطعوا الهيئة دون أن تأخذ في الاعتبار أن ممثلي التوارق هو من ضمن الموافقين على المشروع، ودون الاطلاع على اللقاءات الموسعة التي عقدتها الهيئة مع الاخوة الأمازيغ، والتي  كان آخرها اللقاء مع عمداء البلديات الامازيغية بمدينة يفرن قبل اعداد المسودة الاخيرة، التي تم التصويت عليها فيما بعد، وتحولت لمشروع للدستور.

ولأهمية مناقشة مثل هذه الدراسات، فإننا بصدد إعداد دراسة تتناول المعايير التي اعتمد عليها فريق المركز ومدى دقة اعمالها على كل نص على حدة، نأمل أن تنشر قريبا.

.

لتحميل تقرير معايرة مشروع الدستور الصادر عن مركز دراسات القانون والمجتمعجامعة بنغازي

http://uob.edu.ly/pages/page/89

***

د. الهادي بوحمرة ـ عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

_____________

مواد ذات علاقة