بين رميم «المؤتمر الوطني» وحُطام «البرلمان»

بقلم رشيد خشانة

تطوي ليبيا عام 2017 وهي قابضةٌ في كفيها على ملفات حارقة، جعلت من الخطف والقتل والتفجيرات، عناوين للمعاناة اليومية للسكان في كثير من مدن الشرق والغرب على السواء.

ومع وصول روزنامة الصخيرات إلى سقفها الزمني، وهو يوم 17 كانون الأول/ديسمبر، تأكد أن تغيير التشكيلة الوزارية الحالية بقيادة فائز السراج، ليست أولوية لدى الدول المؤثرة في الملف الليبي، بقدر ما تحرص تلك العواصم على تطويق تسرُب العناصر الإرهابية العائدة من سوريا والعراق واحتواء موجات الهجرة غير النظامية نحو سواحل أوروبا.
وإذا كان الحديث عن استبعاد السراج من رئاسة الحكومة، لنزع الذرائع من خصومه الرافضين للتسوية السياسية، قد تزايد مع التقدم النسبي الذي أحرزته المحادثات المباشرة بين وفدي البرلمان والمجلس الرئاسي، فإن هذا الحديث تراجع في الفترة الأخيرة بشكل لافت.

والأرجح أن زيارة السراج الأخيرة لواشنطن والمحادثات التي أجراها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزراء الخارجية والدفاع والمال، إضافة لأعضاء الكونغرس، أعطته فسحة جديدة جعلت منه مُخاطبا يحظى بالثقة والصدقية لدى الإدارة الأمريكية.

وخلافا لفرنسا وإيطاليا لم تمنح واشنطن فرصة مماثلة لغريمه خليفة حفتر، للظهور الإعلامي بطريقة تُسبغ عليه قبسا من الشرعية، فبدا خارج دائرة الاهتمام الأمريكي، بالرغم من ارتباطاته القديمة مع الأمريكيين.
هذا لا يعني أن السراج باق في جميع الحالات، فمن الفرضيات المتداولة بقاء المجلس الرئاسي مع تغيير رئيسه، وربما ما يُؤخر ذلك هو صعوبة إيجاد توازن جديد بين المناطق وإعادة توزيع القوة بين الأطراف الماسكة بالسلك الكهربائي.

ويرتبط التصديق الدولي على إعادة توزيع القوة بمن هو الأقدر، بين الأطراف الليبية، على تحقيق نتائج ملموسة في الملفين الحارقين اللذين يشغلان بال الغربيين: احتواء المهاجرين غير النظاميين ومحاصرة العناصر المتشددة العائدة من بؤر الحروب.

من هنا يأتي التمسك بمسار تونس، الذي أعاد الغرماء إلى مائدة الحوار المباشر برعاية الموفد الأممي غسان سلامة، بوصفه استكمالا لمسار الصخيرات.

غير أن المتحاورين لم يكونوا يملكون سلطات القرار، ما عطل تحقيق تقدم في التوليف بين ما تبقى من أشباح المؤسسات المنتخبة، وهي المؤتمر الوطني العام من جهة، الذي انتهت صلاحيته ودُفن منذ سنوات، ومجلس النواب الذي استكمل أيضا مدته الشرعية من جهة ثانية.
وتدل مؤشرات كثيرة على أن خيار إجراء استفتاء على الدستور يُمهد لانتخابات عامة في أواخر السنة المقبلة، ما زال متعثرا.

وتُلقى المسؤولية على مجلس النواب، الذي يبدو أنه يُماطل في اعتماد قانون الاستفتاء. وأكدت نادية عمران عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، في تصريحات صحافية أن الهيئة فرغت من إعداد مشروع الدستور منذ تموز/يوليو الماضي، وأنها أبلغت ذلك إلى مجلس النواب ومجلس الدولة.

واللافت أن نادية عمران اتهمت الأجسام الانتقالية مُنتهية الصلاحية بكونها تبذل قصارى الجهد للبقاء في المشهد أطول وقت ممكن.
أما رئيس مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح فأعلن فتح باب التسجيل في دفاتر الناخبين استعدادا للانتخابات المنوي إجراؤها في أواخر العام المقبل.

وباشر أعضاء المفوضية جولات على الأطراف السياسية «من أجل إيضاح الرؤية» على ما قال السائح، مشددا على ضرورة أن يتم الاعداد للانتخابات في مناخ من التوافق. وهنا بيت القصيد لأن الأطراف المتحاربة في ليبيا تعمل على إلغاء بعضها البعض، ولا تؤمن بمقايضة سياسية تسمح بمنافسة شفافة ونظيفة ومسؤولة.

أمراء الميليشيات

بهذا المعنى يبدو إجراء انتخابات عامة في أواخر 2018 أمرا صعبا، خاصة في ظل تحكم أمراء الميليشيات، الذين يقبضون على الرقاب ويتحدون الدولة ويُديرون شبكات التهريب والاتجار بالعملة، وحتى بالبشر، ولن يُسهلوا إجراء أي عملية انتخابية، إلا إذا كانت ستُسبغ شرعية على بيادقهم وتكرس استئثارهم بالنفوذ في مناطقهم.
ولوحظ أن بعض السياسيين يُبدي مخاوف من معوقات قد تعطل المسار الانتخابي، فرئيس تحالف القوى الوطنية محمود جبريل مثلا مُتخوف من «تحكم السلاح والمال والإعلام في الانتخابات» التي توقع ألا تكون فرصة للمنافسة السلمية بين برامج انتخابية حقيقية.

غير أنه أكد أن التحالف سيشارك في الاستحقاق الانتخابي مُطالبا بتأمين «البيئة الآمنة والتسليم بنتيجة الانتخابات».
وتتضافر عناصر التعطيل السياسية مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في 2017 بشكل غير مسبوق، إذ استمر تراجع الايرادات النفطية بسبب إغلاق الحقول وموانئ التصدير، إضافة إلى تدني أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية بما لا يقل عن 50 في المئة خلال الفترة من 2014 إلى 2017.

كما ترتب على الزيادات المتتالية في الرواتب والأجور، فضلا عن توظيف أعداد كبيرة من العناصر الجديدة في الوزارات والمؤسسات العمومية، إثقالٌ لكاهل الموازنة، ما أدى حسب الخبير الاقتـصادي الدكتور علي شنيبيش، إلى رفع حصة الرواتب والأجور من الناتج المحلي الاجمالي إلى 63 في المئة، بعدما كانت النسبة تُقارب 12 في المئة فقط.
وما زاد من إحباط الليبيين وسط هذا المشهد القاسي انزلاق الدينار في 2017 بحدة غير مألوفة في الأزمات السابقة، إذ ظل سعره في المسالك الرسمية لا يتجاوز 1.40 دينارا في مقابل الدولار الواحد، بينما ارتفع سعر صرفه في السوق الموازية إلى 9 دنانير للدولار الواحد.

كما فرضت قيودا شديدة على استخدام النقد الأجنبي في محاولة للحد من نزيف الاحتياطي من العملات، لكن هذه الأوضاع ألهبت الأسعار وجعلت فئات اجتماعية كثيرة تتضرر ولا تجد ملجأ، بما فيها الطبقة الوسطى التي باتت تتجرع مرارة الضيم والاحتياج.

من هنا يُطرح تساؤل جوهري حول مدى استعداد المواطن للذهاب إلى مراكز الاقتراع، ومدى قناعته بالعملية السياسية أصلا، التي يرى فيها فرصة للسياسيين للإثراء، فيما تزداد ظروفه الاجتماعية بؤسا. وإذا لم تُعالج هذه المشكلة فمن سيذهب لوضع بطاقة في صندوق الاقتراع؟

***

رشيد خشانة ـ صحفى وباحث سياسي تونسي

___________

مواد ذات علاقة