بقلم عبد السلام الراجحي

كما كان متوقعا أعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات فتح باب تسجيل الناخبين، في خطوة مهمة تهدف إلى توسيع قاعدة سجل الناخبين المتوقف منذ شهر يونيو 2014، وبلغ عدد المسجلين حينها حوالي 1.3 مليون ناخب، في حين أن عدد من يحق لهم الانتخاب حاليا حوالي 4.5 مليون ناخب.

فالمتعارف عليه في الدول الديمقراطية إجراء انتخابات منتظمة وغير منتظمة،  وأقصد هنا حالات الانتخابات المبكرة كما حدث في بريطانيا عندما أجريت الانتخابات قبل موعدها المحدد، وتعرف هذه الحالات بالانتخابات المبكرة، وفي هذه الدول تبقى أبواب المفوضية مفتوحة طوال أيام السنة لتسجيل الناخبين.

ففي كل شهر ينظم مزيد من المواطنين إلى سجل الناخبين ببلوغهم السن القانونية التي تسمح لهم بالمشاركة في العملية الانتخابية، وفي بعض الدول كالمكسيك التي أصبحت البطاقة الانتخابية لها قوة قانونية تفوق البطاقة الشخصية، وهذه الدولة تمتلك مفوضية انتخابات قوية جدا وتشرف على أربع أنواع انتخابية وهي الرئاسية والبرلمانية والبلدية وحكام الولايات.

أما في الحالة الليبية فإن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، تعتبر أقل تجربة والأقل إمكانيات رغم نجاحاتها في إجراء ثلاث عمليات انتخابات في السابق، ولكن الانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد انعكس سلبا عليها ما تسبب في توقف الميزانية المخصصة لها على مدى ثلاث سنوات مضت، وهو ما قيدها ولم يمكنها من العمل على التجديد الدوري والجيد لمنظومة سجل الناخبين.

وينصح الكثير من الخبراء بالشؤون الانتخابية على عدم عمل المفوضية في حالات الانقسام السياسي الحاد كما هو الحاصل حاليا في بلادنا.

وصرح رئيس المفوضية الوطنية للانتخابات عماد السايح في مؤتمر صحفي وعبر المشاركة الإعلامية لمعظم القنوات الليبية، أن هذا الإجراء لا يعني الدعوة إلى تنظيم انتخابات بقدر ما هو عمل من قبل المفوضية لتكون جاهزة لإجراء الانتخابات.

وأعتقد أن فلسفة القائمين على المفوضية للإقدام على هذه الخطوة جاءت من منطلق أنه في حالة اتفاق الأطراف السياسية الليبية على إجراء الاستفتاء على الدستور كخطوة أولى، بحسب خارطة الطريق التي وضعتها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا وبالتشاور مع الكثير من الأطراف الليبية، وأعتقد أيضا أنها خطوة ذكية جدا، واعتبرها مؤشرا على نضج واحترافية تمتعت بها المفوضية رغم  حداثة تجربة هذه المؤسسة وما تواجهه من ضعف في الامكانيات.

ومن المؤسف أن ما حدث بعد إعلان عماد السايح نسف توقعات الكثيرين من المهتمين بالشأن الليبي بأن تكون هذه الخطوة مبعث تفاؤل وسعادة لجميع النخب والساسة الليبيين وعلى وجه الخصوص تلك النخب التي طالما تصدرت المشهد معتبرة نفسها الأكثر حظوة وشعبية، وهي صوت المواطن الوحيد.

ولكن الأحداث جاءت عكس توقعات الكثيرين وأنا أحدهم، فالمشهد الحاصل ينبأ بأن التيار السياسي لعملية الكرامة هو الأكثر رفضا للتحول الديمقراطي إذا ما اعتبرناه وبحسب الشواهد هو التيار الرافض لاعتماد الدستور وللحوار وللاتفاق السياسي ومخرجاته، ليكون الرافض الوحيد لإجراء أي تطوير قد تحدث على سجل الناخبين، ويرى أن استمرار الحرب أو ما اصطلحت تسميته بـ”الحسم العسكري” بقيادة خليفة حفتر هو الحل للأزمة الليبية مع استمرار عجزه عن تحقيق وهم الحسم وإنهاء معركة السيطرة على بنغازي رغم إعلانه التحرير الذي أسماه بغير المنقوص منذ أشهر.

وتقيم معظم قيادات هذا التيار خارج البلاد وبشكل دائم، وأبنائهم  يدرسون في أرقى الجامعات والمدارس بالخارج، ولم يكن أحد من أبنائهم بين المقاتلين في محاور القتال من أبناء برقة.

وهذا التيار الذي أعلن مفاخرا منذ أيام بأن صنديدهم حفتر قد فوضه زهاء 1.3 مليون مواطنا ليبياً.

وهو رقم كبير طالما رفضت قيادات الرأي والإعلام التشكيك فيه قد يجعل منهم قادة  البلاد ولسنوات وسنوات، عبر صناديق الاقتراع بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ومن المفترض وبحسب هذا الرقم المفوض للصنديد أن يكونوا هم الأكثر حرصا على المطالبة بإجرائها وفي أقرب وقت ممكن، خصوصا أنهم يؤكدون أن قوتهم العسكرية المتمثلة في كتائب خليفة حفتر تسيطر على 96% من التراب الليبي شرقا وغربا وجنوبا، وإن يكونوا على ثقة كاملة بأن جيشهم سيحمي إجراء العملية  الانتخابية.

لكنهم قاموا بالعكس فقد عمدوا إلى التشويش والتأجيج عبر قنواتهم الإعلامية وفي شبكات التواصل الاجتماعي عبر صفحات الفيس بوك، وأدَّعوا أن الانتخابات الحرة الشفافة النزيهة ستأتي بـ”الإخوان” إلى السلطة، فهل يعقل هذا؟.. أو يمكن أن يصدقه عاقل؟!.. وماهي سوى ساعات حتى أقدم عدد من أنصارهم على تخريب المقار الانتخابية وتحطيم لوحات الترقيم الخاصة بعملية تسجيل الناخبين عبر الرسائل القصيرة “sms”.

هذا التخريب طال أحد المراكز المخصصة للناخبين من ذوي الاحتياجات الخاصة، والغريب في الأمر أن المؤسسات الإعلامية من قنوات ووكلات أنباء، وصفت أولئك المخربين بـ”النشطاء”، والسؤال هنا: هل كانوا يكذبون علينا عندما سوَّقوا أنفسهم أنهم من يمثل صوت المواطن وحامي حمى الديمقراطية من دكتاتورية الإسلام السياسي؟.

ومن غرائب المشاهد الحاصلة في ليبيا أن أكثر التيارات السياسية الليبية حرصا على إجراء الانتخابات هم أنصار النظام السابق الذي أطلق على نفسه اسم “النظام الجماهيري”، وهل يعتقدون أن المواطن الليبي فاقد لوعيه وقدراته العقلية إن اعتبرهم ليسوا جزء من الأزمة الليبية؟.. وما قطع إمدادات المياه عن المدن الغربية والعاصمة طرابلس منا ببعيد.

فهل يتوقعون أن المواطن الليبي فقد ذاكرته التي عاشها وهم في سدة الحكم ولأكثر من أربعين عام، وهم ينظرون بأن التمثيل تدجيل، وأن الحزبية إجهاض للديمقراطية، ومن تحزب خان، وأن الحل المخلص والأمثل سياسيا للبشرية هي ما جاءت به فصول النظرية العالمية الثالثة.

إن تصرفات وطريقة تفكير التيارات السياسية الليبية الغريبة والجديدة تجعل مقولة أبو التاريخ والمؤرخ الكبير هيرودوت “من ليبيا يأتي الجديد”، حقيقة معاشة، رغم إننا والبشرية جمعاء لم نعرف ماذا كان يعني بها؟.. ولو أنه عاش معنا لعرف السبب.

***

عبد السلام الراجحي ـ كاتب ليبي

_____________

مواد ذات علاقة