يغطي التقرير أعمال المؤتمر الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان: “خمسون عامًا على حرب حزيران/ يونيو 1967: مسارات الحرب وتداعياتها“، خلال الفترة 20-22 أيار/ مايو 2017، والذي جاء بمشاركة عددٍ من الباحثين والمختصين في موضوع الصراع العربي – الإسرائيلي.
وفي المحاضرة الافتتاحية للمؤتمر، أشار الدكتور عزمي بشارة، المدير العامّ للمركز، إلى أنه طوال نصف قرن لم يَجرِ التطرّق – على نحوٍ علمي – إلى أكبر إخفاق عسكري عرفه العرب في تاريخهم الحديث، ولم يَجرِ التطرق إلى هزيمة 1967 من منظور العلوم السياسية والعلوم العسكرية، وبأدواتها. في حين صدرت مئات الدراسات في إسرائيل والغرب في تحليل الحرب وأسبابها ونتائجها وتوثيقها، وفي تحليل كل معركة من معاركها، فضلًا عن كُتب السِّير الكثيرة التي كتبها القادة، ووزراء الخارجية، ووزراء الدفاع، وحتى الضباط. وفي المقابل، ثمّة ندرةٌ في الأدبيات البحثية العربية بشأن هذه الحرب.
حرب حزيران:/ يونيو 1967: إعادة قراءة بعد خمسين عامًا
خمسون عامًا مرّت على حرب حزيران/ يونيو 1967 التي احتلت فيها إسرائيل في ستة أيامٍ (منذ أن بدأ القتال حتى وقف إطلاق النار)، أراضيَ تبلغ ثلاثةَ أضعافِ مساحتِها، بما في ذلك ما تبقّى من أرض فلسطين التاريخيّة، أي الضفة الغربية وقطاع غزّة اللتين وقعتَا تحت الحكم الأردني–المصري بعد اتفاقيات الهدنة عام 1949. إثْر تلك الحرب، اتخذ تاريخ المشرق العربي والمنطقة وفلسطين والنظام الصهيوني مسارًا مختلفًا أطلقته نتائج حرب حزيران/ يونيو 1970. ولهذا يمكن الحديث عمّا قبل حرب 1967 وما بعدها، كما يمكن القول إن تاريخ حرب حزيران/ يونيو 1967، وليس حرب أيار/ مايو 1948، هو تاريخ نشوء إسرائيل الحقيقي (أو تثبيته على الأقل). وبهذا المعنى، كانت الحرب تدبيرًا إسرائيليًا خُطِّط له منذ إعلان إسرائيل، فقد كان رأي بن غوريون أنّ حرب عام 1948 لم تَحسم المسألة، وأنّه لكي تتقبل الدول العربية وجود إسرائيل في المنطقة لا بدّ من إرغامها على ذلك، بإلحاق هزيمة أخرى بها في حربٍ أخرى تُقنعها بقبول الأمر الواقع.
مثلت هزيمة حزيران/ يونيو نقطة مفصليّة في تاريخ العرب الحديث المعاصر، وما تزال الدول والشعوب العربية تعيش تداعياتها حتى الآن، على الرغم من سعي الأنظمة العربيّة في تمويه الهزيمة، أولًا، عبر تلطيف اللفظ نفسه، أيْ تحويله إلى “نكسة“. وثانيًا، بتجاوز ذلك في محاولة قلب الهزيمة انتصارًا لأنّ إسرائيل لم تنجح في إطاحة ما سُمي “الأنظمة التقدمية“. وبكلمات أخرى، أصبح مبدأ “الأرض مقابل الاعتراف“، الذي رفعته إسرائيل بعد حرب حزيران/ يونيو، شعارًا عربيًا في العقود الأخيرة بعد أن عُدِّل إلى “الأرض مقابل السلام“، ليشير إلى المعنى ذاته لكن بلغة مختلفة.
وتكمن المفارقة التاريخية الكبرى في أنه حينما هُزِمت الأنظمة العربية التي تبنت القوميةَ العربيةَ أيديولوجيةً رسميةً في الحرب مع إسرائيل، انحسرت معها هذه الأيديولوجية تحديدًا. أضف إلى ذلك، أن الهزيمة فتحت، على المستوى الثقافي، بابًا لنقد التخلف والبحث عن أسبابه في الجهل وانتشار الأمية، وفي التبعية الاقتصادية، وفي الدولة السلطانية، وفي الدين والتدين، وصولًا إلى سيكولوجيا الإنسان العربي وعقليته. وقد وصل النقد حدَّ إعجاب عديد المثقفين العرب بإسرائيل. وإلى جانب أدبيات الصدمة الحضاريّة، انتشرت أدبيات يسارية، وأخرى أيديولوجية علمانيّة أو دينيّة يحاسب كلٌ منها الأنظمةَ من منطلقه، ويرى في عدم تطبيق أيديولوجيته وخطه الفكري سببًا رئيسًا في الهزيمة.
أمّا دعاة الديمقراطيّة، فلم يترددوا في الجزم بأنّه لو كانت الأنظمة العربيّة ديمقراطيّةً، ولو كان الشعب يشارك في صنع القرار، لما وقعت الكارثة، وهذا غير دقيق علميًا. فالتاريخ يحدثنا عن انتصارات لدول ديكتاتورية وأيديولوجيات شمولية عدة؛ ألمانيا النازية، وروسيا الاجتماعية، وحزب الله في جنوب لبنان.
أيًا يكن، وعلى الرغم من مرور خمسين عامًا على حدوثها، لم يَجرِ التطرّق –على نحوٍ علمي– إلى أكبر إخفاق عسكري عرفه العرب في تاريخهم الحديث من منظور العلوم السياسيّة والعلوم العسكرية، وبأدواتها. هذا في وقتٍ صدرت فيها مئات الدراسات في إسرائيل والغرب؛ الأمر الذي يفرض إعادة تناول هذه الحرب، ولا سيما أن الدعاية الإسرائيلية الرسمية التي شيدت ركائزها على خطاب الضحية وما يتعلق به لجهة توظيف الهولوكوست كمكوِّن أساسٍ في السياسة والثقافة انطلقت بعد عام 1967.
الجبهة المصرية: مقدمات الهزيمة وأسبابها
يفتقد الباحثون عمومًا أية وثائق مصريّة أو عربيّة يمكن أن تساعد في توضيح أسباب الهزيمة على الرغم من رفع السرية عن آلاف من الوثائق الإسرائيلية والأميركية المتعلقة بالحرب؛ الأمر الذي يقف حائلًا دون إعادة كتابة تاريخ هذه الحرب، والتي ما تزال تحصر في سرديات شكلية تتجنب الغوص في أسبابها العميقة، وتصل في بعض الأحيان حد تزييف التاريخ مخافة الاقتراب من صورة زعماء وقادة، عاشوا الحرب وعايشوا تفاصيلها اليومية، ولا شك في أنهم يتحملون جانبًا من المسؤولية عن الهزيمة.
في ضوء ذلك، فان استجلاء حقيقة الهزيمة على الجبهة المصرية في ظل غياب الوثائق المرجعية، يدفع الباحثين عادة إلى استقراء مقدماتها لجهة خلافات الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر مع بعض الدول العربية مثل سورية ومصر، وتدخله العسكريّ المباشر في اليمن، إضافة إلى الحرب العربية الباردة مع المملكة العربيّة السعودية التي استنزفت مقدرات وجهدًا كان يجب استثمارها في الجاهزية القتالية مع إسرائيل. كما ساهمت الصراعات السياسية بين أجنحة النظام السياسي في مصر، وانصراف قادة الجيش عن مهماتهم الأساسية في حماية الحدود وتغولهم في جوانب الحياة المدنية في تهيئة الأرضية العسكريّة للهزيمة.
ضمن هذا السياق، تشير المذكرات الشخصية للعديد من القادة العسكريين المصريين إلى النقص الحاد في الجاهزية القتالية للقوات المسلحة المصرية على مستوى العدة والعتاد، والتدريب والمهنية، وكذلك الحال بالنسبة إلى الخطط الدفاعية والهجوميّة، إذ أشارت عدة تقارير عسكريّة صادرة عن وزارة الدفاع الأميركية عشية الحرب إلى رجحان الكفة لمصلحة إسرائيل في حالتي الهجوم والدفاع. وبتفاصيل أكثر، تكسب إسرائيل الحرب في سبعة أيام إن كانت المبادرة في الهجوم، وفي 14 يومًا إن جاء الهجوم من الطرف العربيّ.
وإذا ما تجاوزنا التقارير الأميركية وتوقعاتها لمسار الحرب ومصيرها، فإنه من الصعب بمكان حصر أسباب الهزيمة بالمقدرات العسكريّة فقط، نظرًا إلى امتلاك الجيش المصري عشية الحرب قدرات عسكرية جيدة على مستوى عدد الجنود، والدبابات، والطائرات، تضمن له أداءً قتاليًا أفضل، قد لا يحقق النصر، لكنه لا يؤدي إلى هزيمة على هذا النحو. وضمن هذا الإطار، تُعَد ُّعوامل أخرى مثل سوء الحسابات والتقدير، إضافة إلى المعلومات الخاطئة، أسبابًا جوهريّة في تفسير الهزيمة.
وقد توافر اقتناع لدى القيادة السياسة المصرية ممثلة بالرئيس جمال عبد الناصر آنذاك مفاده؛ أن مصر تستطيع استيعاب الضربة العسكريّة الأولى والقيام بهجوم مضاد، وأن اندفاع مصر للمبادرة في الهجوم العسكري قد يضعها في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة ومن دون غطاء سوفياتي. وبخلاف عبد الناصر، كانت تقديرات العسكريين، وخاصة قادة القوات الجوية تشير إلى أن الجيش المصري لا يستطيع تحمل الضربة الأولى. وفي رأيهم، أن الهجوم العسكري –إن حصل– سوف يكون ” كاسحًا“، وهذا ما كان بالفعل، إذ حسمت الساعات الأولى مصير المعركة في حين استغرق الجيش الإسرائيلي نحو ستة أيام لتثبيت انتصاره العسكري ميدانيًا ورسمه جغرافيًا.
الجيش السوري: اختلالات بنيوية عشية الحرب
شُلَّت القدرات الجويّة السورية شللًا شبه كامل، إذ دمر سلاح الجو الإسرائيلي في ساعات نحو 55 طائرة قتالية من أصل 75 يمتلكها الجيش السوريّ، واستهدف غالبية المطارات السوريّة. وميدانيًا، استطاعت فرق عسكريّة محدودة من الجيش السوري إيقاف التقدم الإسرائيلي على جبهة الجولان نحو أربعة أيام، وأظهرت صمودًا نوعيًا على نقاط عدة قبل أن تتحرك القوات الإسرائيلية في 10 حزيران/ يونيو 1967 من دون مقاومة تذكر، إذ ما تزال أسباب الانسحاب مجهولة حتى الآن. المفارقة أيضًا، أن البيان رقم 66 الذي أعلن سقوط القنيطرة، أذيع قبل وصول القوات الإسرائيلية إلى المدينة، وهو ما كان مفاجأة كبيرة ما تزال تفاصيلها مبهمة حتى الآن. وبناء عليه، يصعب على الباحثين إرجاع الهزيمة على الجبهة السوريّة إلى الخلل في موازين القوى العسكريّة.
والجدير بالذكر، أنه منذ توقيع اتفاقية الهدنة بين سورية وإسرائيل عام 1949 إلى عدوان حزيران/ يونيو 1967 تعرض الجيش السوري إلى دورة كبيرة من عمليات إعادة “الهيكلية السلبية” التي كانت تأخذ أشكالًا مختلفة، مثل التسريح، والإعدامات، والسجن، والنفي. وقد تركت إعادة الهيكلة آثارها المباشرة على الجيش السوري من خلال انصراف قادته إلى الصراعات السياسيّة، والتنافس والتناحر بين الضباط؛ ما أدى إلى سيطرة حالة الشك والريبة في صفوفهم، ونجم عن ذلك نزوع لدى القادة لتعيين الضباط الجدد بحسب الولاء وليس الكفاءة، مع تسريح آلاف الضباط (تشير الأرقام إلى نحو 1300 ضابط) ولا سيما بعد انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، وحركة 23 شباط/ فبراير 1966.
في ضوء ذلك، لم يتجاوز عدد الجيش السوري بضباطه ومجنديه 10 آلاف شخص، فضلًا عن المشكلات البنيوية الأخرى المتعلقة بضعف الكفاءة القتالية، والتدريب، وفاعلية الأسلحة مقارنة بالجيش الإسرائيلي؛ الأمر الذي أدّى إلى انهيار الجيش السوريّ سريعًا.
في الحصيلة، احتلت إسرائيل الجولان السوريّ، وأضحت بعد احتلال جبل الشيخ تهدد العاصمة دمشق بعد أن كان الجيش السوريّ يهددها، ولا سيما في منطقة الجليل. وقد أوضحت الهزيمة أن الجيوش العربية جميعها لم تكن جاهزة للحرب.
الحرب على الجبهة الأردنية والمشاركة العراقية
برزت وجهات نظر متباينة حول مشاركة الأردن في حرب حزيران/ يونيو 1967، منطلقة من تساؤل مركزي مفادُه: هل كانت الحرب حتمية على الجبهة الأردنية؟ لقد كان للملك حسين نظريته ورؤيته الخاصة، فقد كان يرى أنّه إذا ارتكن إلى عدم دخول الحرب، واستطاعت مصر وسورية تحقيق حد أدنى من الانتصار أمام الكيان الإسرائيلي، فإنَّ هذا سيؤول بالأردن إلى أن تكون موضع تهكم ونقد لاذع عليه؛ الشيء الذي يُضعف شرعيته في الحُكم.
ولو هُزمتْ مصر وسورية أمام إسرائيل، وهذا ما كان متوقعًا، وهو ما حصل، فسيقوم كل الوطن العربي على الأردن ويجعل منه كبش فداء للهزيمة، وفي الحالتين يكون الأردن أمام تهديد الجماهير وغضبهم. لذا كان الأردن أمام مفترق طرق حول المشاركة في الحرب التي كبدته خسارة فادحة في الأرواح والأرض.
وفي إطار اهتمام المؤتمر بمناقشة المذكرات الأردنية وعلاقتها بحرب حزيران/ يونيو 1967، جاءت دراسة تطرقت إلى الكيفية التي صورت بها تلك المذكرات أحوال الأردن الداخلية عشية الحرب، والطريقة التي انخرط بها الأردن في حرب كان يعلم نهايتها في حقيقة الأمر، عارضًا للممكنات المتاحة بغية تفادي هذه الحرب إن وجدت، وماذا لو لم يشارك في هذه الحرب، فهل كان قادرًا على تحمل تبعات عدم المشاركة في حرب فرضت على المنطقة برمتها وتحمل نتائجها؟
كما تطرقت الدراسة إلى درجة الانسجام بين القيادة العربية للقوات العربية الموحدة برئاسة عبد المنعم رياض والقادة الأردنيين، هذا إضافة إلى بسط النظرة التي تصورتها الحركات التقدمية القومية العربية حول هذه الحرب، وهل تحمل الأردن مسؤوليته في الدفاع عن أرضه؟ وما أخطاء القيادة العربية؟
كما كان دور القوات الجوية العراقية وتأثيرها في مسرح العمليات إبان حرب حزيران/ يونيو 1967 حاضرًا في النقاش والحوار. فقد تم البحث في الأسباب المباشرة، وغير المباشرة للحرب، ومنها الأسلوب الذي تم به إعداد الطيران الإسرائيلي للضربة، والخطة التي وضعت، ونوع الهجوم وكيفية تنفيذه، فضلًا عن الأسلوب الذي تم به إعداد الطيران المصري بصفة عامة والعراقي بصفة خاصة للقتال، ودور مشاركة سلاح الجو العراقي وتأثيره في مسار حرب 1967.
_________________