تناول الجزء الأول من هذا التقرير في المحور الأول أسباب ومؤشرات تحول ليبيا إلى دولة فاشلة، ثم تناول المحور الثاني تداعيات فشل الدولة الليبية على نشوء الحدود الرخوة ، وفي هذا الجزء نتناول المحور الثالث.
ثالثاـ مسارات البناء ومستقبل التسوية السياسية في ليبيا:
ما زالت الأزمة الليبية تراوح مكانها، في ظل عدم اتفاق جميع أطراف الصراع في ليبيا سواء في الداخل أو الخارج على التوصل لاتفاق سياسي مرضي للجميع، يراعي توازنات القوى الموجودة فعليا، ويوحد تعريف الإرهاب أولا والجماعات المنضوية تحته من أجل محاربته والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية.
وتقود دول الجوار الإقليمي لليبيا جهودا كبيرة في هذا الشأن، إلى جانب الأمم المتحدة، وهناك تركيز حاليا على تعديل اتفاق الصخيرات السياسي الذي تعارضه أطراف عدة سواء في داخل ليبيا أو خارجها، وبالفعل نجحت حتى الآن الجهود الدبلوماسية في تفعيل هذه الخطوة.
فقد أبدت حكومة الوفاق المنبثقة عن اتفاق الصخيرات موافقتها على تعديل الاتفاق، و أعلن عبدالرحمن السويحلي رئيس المجلس الرئاسي للوفاق في 9 مايو الجاري تشكيل لجنة لبحث تعديل الاتفاق مكونة من 12 فرد، بعد إعلان مجلس النواب (طبرق) لجنته في أبريل الماضي والمكونة من 23 فرد.
وكشف عضو في “المجلس الأعلى للدولة الليبي”، يوم 17 مايو الجاري أن لجنتي الحوار السياسي المختارتين من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ستجتمعان قبل شهر رمضان لبحث إمكانية تعديل بعض نقاط اتفاق الصخيرات السياسي، من بينها تغيير المجلس الرئاسي الحالي واختيار مجلس آخر يتكون من رئيس ونائبين، وإمكانية تقسيم صلاحيات السلطة التشريعية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى.
لكن تظل عقبة المادة الثامنة من الاتفاق تمثل إشكالية كبرى وهي المتعلّقة بمنصب خليفة حفتر في مؤسسة الجيش، وعدد أعضاء المجلس الرئاسي.
كما استضافت الإمارات يوم 2 مايو الجاري، كل من خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، وفائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، من أجل التقريب بين الطرفين بعد أن رفض حفتر لقاء السراج من قبل في القاهرة، ورغم عدم تأكيد الطرفين لنتائج محددة لهذا الاجتماع إلا أنه مؤشر إيجابي على إمكانية، توحيد الجانبين في وجه الطرف الثالث وهي حكومة الانقاذ المناوئة للإمارات.
فالإمارات تسعى لإضفاء الشرعية الدولية بالتعاون مع مصر على حليفهما حفتر، في مقابل سعيهما لإقصاء حكومة الانقاذ المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين وتيارات إسلامية أخرى، وإذا نجحت مصر والإمارات في إدماج حفتر والحكومة المؤقتة في حكومة الوفاق فإن هذا سيكسبهم شرعية دولية وبالتالي التمهيد لإخراج حكومة الانقاذ من توازنات القوى في ليبيا واستبعاد أي دور مؤثر لها فيتشكل ملامح الدولة الليبية التي لم تتكون بعد.
وباعتبار دول الجوار المتضرر الأكبر مما يجري في ليبيا، اجتمع وزراء خارجية دول جوار ليبيا (مصر و تونس و الجزائر و السودان و النيجر و تشاد)، يوم 8 مايو 2015، في الجزائر وأكدوا على ضرورة احترام اتفاق الصخيرات رافضين لأي تدخل عسكري خارجي في ليبيا، وشددوا على ضرورة الحفاظ على المؤسسات الشرعية للدولة و احترام سلطة القانون.
ورحّب أيضا الاجتماع الوزاري بتوصل أغلبية الأطراف الليبية إلى تحديد التعديلات المراد إدخالها على الاتفاق السياسي، وطالبوا المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بتشكيل حكومة تمثل كل القوى السياسية الليبية وضرورة انعقاد مجلس النواب لمنح الثقة لهذه الحكومة المقترحة، والأهم منذ ذلك أكدت دول الجوار على أن تدخل لمكافحة الإرهاب في ليبيا يجب أن يتم بناء على طلب من حكومة الوفاق.
وهذا يغلق الباب على أي محاولات للاستعانة بقوى خارجية، فقد التقى المشير حفتر من قبل، في يناير الماضي مسؤولين روس على متن حاملة الطائرات الروسية “أدميرال كوزنيتسوف” في البحر المتوسط وأثير وقتها مخاوف من تدخل روسيا بطلب من حفتر، ما لن يسمح به الغرب ما يحول ليبيا لسوريا أخرى يتكالب عليها الجميع.
وفي إطار التنسيق المصري الإماراتي في ليبيا، التقى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يوم 13 مايو الجاري، المشير حفتر في القاهرة، من أجل التقريب في وجهات النظر بينه وبين حكومة الوفاق، فمصر بمعاونة الإمارات نجحت من قبل في تسويق حفتر دوليا بعد أن كان مستبعدا من الساحة ما أظهره اتفاق الصخيرات، الذي استبعد حفتر من أي ترتيبات سياسية.
وبالتالي نجاح مصر في فرض حفتر على الساحة يعد إنجاز في حد ذاته وتسعى الآن لعدم إهدار هذا الجهد، بوضعه في الترتيبات الجارية الآن.
وتحاول جميع الأطراف الآن التوصل إلى تسوية للأزمة الليبية، لكنها لن تكون شاملة بسبب التعقيدات الداخلية و الخارجي، وإنما في إطار تسويات الحد الأدنى، كالتالي.
1ـ تسوية الحد الأدنى:
توضح التعقيدات الحالية خاصة على المشهد الداخلي الليبي أن، التسوية هي المسار المحتمل أن يتم وليس الوصول لحل جذري لما يجري الآن.
فتسوية الصراع تعني التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا المحددة من خلال الوسائل السلمية السياسية مثل المفاوضات والوساطة، أو القانونية مثل التحكيم والقضاء بين أطراف الصراع، أو الوسائل العسكرية دون معالجة الأسباب العميقة له، أما حل الصراع يعني حل كل القضايا العميقة (أصول الصراع) وإقامة علاقات متجانسة إلى حد كبير بين أطرافه.
وبالنظر إلى الوضع دخال ليبيا الآن، فهي دولة هشة أو فاشلة وبحاجة إلى إعادة بناء من جديد، و ليست دولة يحكمها نظام أو فكر سياسي معين يمكن أن يحقق موائمات وتنازلات، إلى جانب ارتباط كل طرف من الداخل بداعم خارجي له مصالح وأجندات مختلفة ما يجعل هناك حاجة لضرورة تنازل جميع الأطراف، وهذا صعب.
فمن الممكن أن يوحد الجميع الآن خطر واحد وهو الإرهاب ـ غير متفق على تعريفه بين هذه الأطراف بالأساس ـ لكن إن اتفق الجميع على محاربة الجماعات الإرهابية و القضاء عليها فسيعودون للتنازع مرة أخرى وكذلك الأطراف الداخلية.
ويمكن الآن من خلال المبادرات الدولية والإقليمية الوصول لتنازلات محدودة لتحقيق حد أدنى من التوافق على الأقل لمنع نشوب صراعات وحرب أهلية، وليس بناء دولة فاشلة من جديد، فكل طرف يريد تشكيل هذه الدولة لتتفق مع مصالحه وفكره.
2 ـ الحل الشامل:
تعاني ليبيا من حالة صراع مدمر منذ 2011، ومن الصعب الوصول لحل جذري لما تمر به الآن، فحل الصراع يعني حل كل القضايا العميقة، وهذا مستبعد في ظل عدم توافق الداخل والخارج.
فعلى مستوى الداخل ما زالت الحكومة المؤقتة، تخوض صراعا عسكريا في الغرب والشمال مع حكومة الإنقاذ بل والوفاق في الجنوب، وتصنف الجماعات العسكرية المنضوية تحتها في خانة الإرهاب، كذلك ما زالت حكومة الإنقاذ تسيطر على العاصمة وأعلنت انقلابا في أكتوبر 2016، على حكومة الوفاق واستولت على مقار المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وبعض الوزرات، لأنها تخشى من الاستبعاد من التسويات السياسية التي تتم الآن ولا أحد يستدعيها في ذلك.
وعلى مستوى الخارج، ما زال كل طرف له مصالح متناقضة، وهذا لن يؤدي لنجاح أي حل جذري للصراع إن لم تكن تسوية مؤقتة تمنع نشوب أي صراع مجددا، فروسيا تريد الدخول على خط الأزمة واستغلالها كورقة ضغط على أوروبا بدعم حفتر، فيما تدعم قطر وتركيا الإخوان والموالون لها في ليبيا، أما مصر والإمارات فيدعمان حفتر بقوة، فيما يريد الغرب فرض حكومة الوفاق على الجميع التي لم تحظى بتوافق داخلي.
وختاما يمكن القول أن أقصى ما تسعى إليه التسويات والمفاوضات حاليا هو منع اندلاع صراع عسكري مسلح في الداخل، يقضي على مصالح الجميع ويصب في خانة الجماعات الإرهابية التي ستستغل انشغال الجميع عنها لتتمدد كما فعلت من قبل وسيطرت على أهم المدن الساحلية ما كان يمثل موقعا استراتيجيا لتنظيم إرهابي يسهل له تهريب السلاح وجلب المقاتلين وتصدريهم.
ومن المرجح أن تستمر حالة الدولة الهشة أو الفاشلة في ليبيا لفترة طويلة، فالصراع العسكري وتنازع القوى، واستمرار التدخل الخارجي وغيرها من عناصر الدولة الفاشلة ما زالت موجودة، وهذا يدفع بالطبع لاستمرار حالة سيولة الحدود والتي ستؤثر على دول الجوار الليبي خاصة مصر، ما يتطلب تعزيز أمن الحدود والتركيز على المعدات والتكنولوجيا والأسلحة المختصة بتقوية هذا الجانب، إلى جانب الإسراع في حل الأزمة سلميا.
***
-
-
المصادر:
-
1ـ مالك عوني، إعادة انتاج الفشل: لماذا تديم مشاريع إعادة البناء “سراب الدولة” في الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، عدد(208)، أبريل 2017. .
2ـ دلال محمود السيد، متلازمة التدهور بحثا عن مقاربة نظرية لفشل الدولة في الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، عدد(208)، أبريل 2017. ).
3ـ إياد العنبر، واسحق يعقوب محمد، مستقبل العراق دراسة في العلاقة بين مؤشرات الدولة الفاشلة ومتغيرات انهيار الدولة، حولية المنتدى المجلد الأول العدد: 19، سنة 2014.
4ـ ليبيا في المرتبة 25 بين أكثر دول العالم هشاشة، بوابة الوسط الليبية، 22/8/2016، الرابط.
5ـ اتفاق حفتر والسراج على تشكيل مجلس رئاسة الدولة في ليبيا، العربية نت، 3/5/2017، الرابط.
6ـ استئناف المفاوضات لتعديل اتفاق الصخيرات، العرب اللندنية، 17/5/2017، الرابط.
7ـ البنيان المرصوص تنهي معارك سرت وتطرد تنظيم الدولة، الجزيرة نت، 8/12/2016، الرابط.
8ـ حفتر والسراج يتفقان على حل “النقاط الخلافية”، روسيا اليوم، 2/5/2017، الرابط.
9ـ رئيس مجلس الدولة الليبي يشكل لجنة لتعديل اتفاق الصخيرات، جريدة الدستور، 9/5/2017، الرابط.
10ـ السيسي يبحث مع حفتر رفع حظر تسليح الجيش الليبي، العربية نت، 13/5/2017، الرابط.
11ـ محمد عز العرب، المشاكل المستعصية لضبط الحدود بالشرق الأوسط، دورية اتجاهات الأحداث، مركز المستقبل، العدد الأول، أغسطس 2014، الرابط.
12ـ البنيان المرصوص تنهي معارك سرت وتطرد تنظيم الدولة، الجزيرة نت، 8/12/2016، الرابط.
***
محمد عمر ـ كاتب وباحث بالمركز
_____________________